القطط آكلة الأسماء
العدد 303 | 5-1-2026
موفق مسعود


أول المساء في إحدى ضواحي المدينة.

جسد شاحب على الشرفة.

ظل شاحب تحت ضوء شاحب.

وجه الظل الشاحب يصطبغ بضوء شاشة شاحبة، الجسد الشاحب ثابت بلا حراك، بينما يفكر الرأس الشاحب بالمجرات التي تهدر في الفراغ الكوني دون توقف.

أضواء السيارات العابرة، تلقي الضوء على الأبنية كمن يوزع صدقةً على الجياع!

تحت شرفة الظل الشاحب، يتنفس السوق بصعوبة وأضواء المحلات شاحبة ومتموجة حسب شدّة التيار أو تموّته، مترافقاً مع إيقاعٍ متفاوت لأصوات مولدات البنزين والمازوت المنتشرة على جانبي الطريق، وفي الشارع المزحم بالمارة وقعت أسنان رجل مسن وهو يشتم سائق دراجة عبرت مسرعةً وكادت تصدمه.

كان الرجل المسن عميداً متقاعداً من المحاربين القدامى، ولا زال يتذكر معارك الشباب التي خاضها على الحدود وفي المدن القريبة ضد الأعداء والمتمردين.

قطة شقراء مرقطة، خطفت طقم الأسنان وانطلقت بين أقدام العابرين.

شهق العجوز، وفي لحظةٍ خاطفة استعاد مساء البارحة وكيف أن زوجته أعدّت له فروجاً مشوياً بمناسبة طقم الأسنان الجديد…

ويتذكر أنه ابتسم بعد العشاء محركاً عضلاتٍ في وجهه لم تتحرك منذ عشرين عاماً!

شهق وتحشرج صوته ثم صرخ بذعر وهو يشير إلى القطة:

ـــ أثناني!

صدف أن سمعه رجلاً يرتدي زياً قتالياً، وهو يسير بجانب فتاة تعرّف عليها للتو، يسير كالديك محاولاً إقناعها بفحولته، لكن الفتاة الخائفة كانت تدرك أنها يجب أن تساير هذا البغل كي لا تمزق وجهها أظافر عمتها، وليّة أمرها ومشغلتها، والوحيدة التي بقيت حية من العائلة المؤلفة من أب وأم وإخوة وأعمام وأخوال وعمات وخالات، فمن لم يتهدم بيته فوق رأسه في قريتهم الطينية البعيدة، مات مقتولاً أو مخطوفاً. هربت العمة مع طفلة وحيدة إلى العاصمة وغابت في دهاليز المدينة. 

بعد صراخ العميد المتقاعد، وقعت قشعريرة شهامة في الرجل الفحل بالزي القتالي، فأخرج المسدس وأطلق النار صوب القطة الهاربة.

تهاوى عدد من المارة.

أصابت إحدى الطلقات قدم فتاة تقف مع أمها أمام معرض للأحذية، وقد وعدتها الأم بشراء حذاءٍ جديد أول الشهر القادم، فصارت منذ ذلك الوعد، تمضي كل نهاية أسبوع إلى السوق لاختيار الحذاء.

وصادف أن سجّل شاب ما حدث على كاميرا موبايله، وبالتالي فإنه سينشر المقطع الذي سيصبح ترينداً عالمياً في أقل من ثلاث ساعات ويغير مستقبل هذا الشاب ليصبح من مشاهير السوشيال ميديا جراء المقطع المعنون: “مقتل طفلة وإصابة العشرات بسبب قطة خطفت أسنان عميد متقاعد”.

اضطرب الفحل صاحب المسدس بينما صرخت رفيقته وهربت في الاتجاه المعاكس،  فما كان منه إلا أن أطلق النار في الهواء محذراً المتجمهرين حول الحادثة من الاقتراب منه، ثم سار مبتعداً وقد همد ضجيج السوق دفعة واحدة، حتى غيابه في ظلمة إحدى الحارات.

استمر الصمت لثلاثين ثانية. تلك بالضبط، هي الثواني الصامتة الغريبة التي فجرّت قصيدة عظيمة في رأس شاعر شاب يستأجر استوديو فوق محل الأحذية الذي أصيبت الفتاة أمامه. لقد عمَّ صمت مدهش بعد طلقة مسدس، فكتب قصيدة عن الصمت والرصاص، وبنقرة واحدة أرسلها إلى صحيفة إلكترونية تصدر في لندن، رئيس تحريرها، رجل قصير، أصلع الجبهة، يرتدي نظارات دائرية تشبه نظارات شخصيات ارستقراطية اشتهرت في لندن أواخر القرن العشرين، أي في الوقت الذي كانت فيه زوجته (أيرلندية الأم) في أوج شبابها، كانت تقول له بلهجتها البريطانية : “أو ماي غاد! وجهك بهذه النظارات يشبه أحلامي الأولى عن الرجال”. هكذا بررت حبها واختيارها لهذا النوع من الإطارات، لكنه فيما بعد سيكتشف أن الرجل الوحيد الذي ارتدى هذا الإطار قبله، هو شاب آسيوي عشقته زوجته في شبابها حدّ الجنون، لكنه انتحر بعد موت عائلته على يد عصابات متطرفة في بلاده.

لم يؤثر هذا الاكتشاف  في علاقتهما، فهو تزوجها كي تتيح له الحصول على الإقامة الدائمة ومن ثم الجنسية البريطانية، تاركاً حبيبته في أحضان أحد الدكاترة المشرفين على تخرجه من الجامعة في دمشق، مقابل خطاب التوصية من هذا البروفيسور إلى الجامعة في لندن. تلك الجامعة، يا للعجب، لا ترد للدكتور المشرف خطاباً أبداً، وهذا ما شرحه لحبيبته قبل سفره بأيام، ويتذكر أن تلك الطالبة في كلية الفنون الجميلة ، والتي أحبته بكل جوارحها ضحكت، ولم تستطع التوقف عن الضحك لثلاثة أيام حيث تم اسعافها إلى المشفى وحقنها بجرعات من الكاريزول ومرخيات الجملة العصبية، بعد أن سافر حبيبها (رئيس التحرير) من دون أن يودعها ولتنقطع أخباره عنها إلى الأبد. حدث هذا قبل انتحارها بشهرين اثر ابتلاعها دستة من الحبوب المخدرة رخيصة الثمن.

بينما تقول صديقتها إنها ماتت من الضحك، فقد ضحكت حتى تهتكت أحشاؤها.

قرر الرجل بالزي القتالي أن يقرّع نفسه، إذ كيف لا يستطيع إصابة قطة! فقرر التمرن على التصويب في أماكن أخرى من البلاد، لكنه وقع في اكتئاب مروع فكلَّما صوَّب نحو كافر أصاب طفلاً أو امرأة أو عابراً في الطريق. ذهب إلى شيخه، وبكى جراء عجزه عن إصابة أي هدف الهدف!

قال له الشيخ الذي تورد وجهه كملاك: لن تستطيع أن ترى جيداً قبل الاغتسال في ماء الجنة يا ولدي!

وبعد أيام فجرّ الرجل بالزي القتالي نفسه في مكان مكتظ بالقطط – وللمصادفة المحضة –  كان مكان التفجير محاذياً لمدرسة مكتظة بالأطفال.

*****

خاص بأوكسجين


كاتب من سورية

مساهمات أخرى للكاتب/ة: