حكاية البحث
العدد 305 | 13-2-2026
موفق مسعود


وجدته نائماً على الرصيف، حيث اصطدمت قدمي بمعطفه الرث وأنا أترنح عائداً من الحانة ذلك الشتاء. هجست سكراناً: الأرصفة سرير الشجعان في هذا العالم، أما نحن الجبناء فنأوي إلى علب الإسمنت كأموات يهرولون إلى قبورهم المغلقة.

فتح عينيه وهمس ضاحكاً: هات ثمن زجاجة أخرى أو فرنقع من هنا أيها الجندي.

قلت : أنا لست جندياً يا رجل!

استقام ظهره متكئاً إلى الحائط ولمعت عيناه بفرح: هات سيجارة إذاً! فإذا لم تكن جندياً فأنت نديم بالتأكيد، ثم أردف وأنا أشعل له السيجارة: إما جندي أو نديم، لا يوجد نوع ثالث في هذه المدينة.

هكذا بدأت علاقتي به، ولم تدم سوى شهر من الزمن.  كنا نسكر كل مساء على الأرصفة حتى بزوغ الفجر، وفي اليوم الثلاثين تلاشى شيئاً فشيئاً حتى مات ببساطة مدهشة، بعد أن أعطاني مصنفاً يحتوى على رزمة من الأوراق المكتوبة، كانت معنونة بـ “ملاحظات عن حكاية البحث” وهو النص الذي أورده هنا من دون أي تدخل، وهو من تأليف هذا الرجل الذي لم أعرف اسمه الحقيقي، مفضلاً أن أناديه “أنكيدو”، وأغلب الظن أنه عراقي حسب تقرير شرطة المدينة حين وجدوا جثته في الصباح بعد أن غادرته فجر ذلك النهار معتقداً أنه غفا. ويقول التقرير أنهم وجدوا في جيبه ديناراً عراقياً وورقة “بات تايلاندي” عتيقة، يعود تاريخ طباعتها إلى ثمانينات القرن المنصرم.

النص:

“يختلف عدد النهزات أثناء الجماع، باختلافات الثقافات والمجتمعات والحضارات، فنساء الزمن المعاصر وفق أحدث الدراسات، يحتجن في ليلة حمراء مناسبة ومُرضِية إلى سبعين نهزة،

حتى ينقبض رحم أنثى وينقبض جسدها ككون يتقلصّ إلى ثقب أسود، ثم يأتي الانفجار العظيم”.

“حكاية البحث” صفحة 44، طبعة برسلا. ترجمة الراهب نوح الأزرق (وهو تلميذ مكسيمليانوس، وكُنيّ بالأزرق لأصله الأفريقي النوبي الذي ميّزه ببشرة سوداء تميل إلى الأزرق الغامق وقت الظهيرة. كتب نوح في أواخر حياته كتاباً يحتوي على تجربته في الترجمة تحت إشراف معلمه مكسيمليانوس، ويشير في أحد فصول الكتاب، أن معلمه وفي أثناء ترجمة “ألف ليلة وليلة” أغفل مقطعاً كاملاً، يتحدث عن زوجة الملك شهريار التي خصصت عبداً لعدّ النهزات التي يقوم بها العبد الذي يطأها في حديقة القصر، وإذا ما انتهت، تقوم بصرف مبلغ من الذهب، كلّ نهزة بقطعة نقدية وتقدمها للعبد. وفي حال نالت إحدى الجواري عدداً أكبر من النهزات في حفلة العربدة تلك فكانت تقتلها. ويشير التلميذ أن معلمه قد أسقط هذا المقطع، لأنه كان يعدّ نهزاته لزوجته سراً، وهو أمر لم يعرف به نوح إلا بعد وفاة معلمه. يورد نوح أنه عرف هذه المعلومة في حديث مشوق أثناء جماعه السري مع غجرية عرفت معلمه في يفاعتها وكان قد أخبرها المعلم بذلك وهي تمضغ اللبان وتحثه على الانتهاء).

وخلصت الدراسة إلى أن أكثر من نصف النساء لم يتقلصن يوماً بما يكفي كي “ينفجرن صارخاتٍ أو جامحاتٍ بهمهماتٍ تحتارُ الشهوات من أين تلبسها .. أصوات هاربة من المعنى”. ( المصدر السابق ص 66)

“أنينٌ من الأخذ .. سموٌ بلا نياشين .. بالجسد العاري الذي يحلق حقاً في أثير اللحظة الفاصلة بين حدي الوجود: الموت والحياة”. ( المصدر السابق ص 92)

وبينت الدراسة أن النساء الوحيدات اللواتي تفوقن على المعاصرات بالحاجة إلى عدد أكير من النهزات، هن نساء عصر الانحطاط أواخر العصر العباسي، وجواري روما اللواتي أُطلق سراحهن وقررن البقاء فيها في عهد الإمبراطور المتغطرس أورليانوس. أما مفاجأة الدراسة، وقنبلتها المدوية، فكانت الحقيقة التالية: “النساء الفقيرات في بعض المجتمعات الهامشية في أفريقيا وآسيا. لا يحتجن إلا إلى بضع نهزات حتى تقبض أحشاءهن على عضو الرجل. “لتطيل أمد جحيمه العذب وهي تحلق به عالقاً في رحمها كأنها أنثى عقاب تحمل غزالاً سكراناً لحظة الموت، مشبعاً باتصالٍ خفيفٍ عميق” ( المصدر السابق ص154)

أما الفرق حسب الدراسة فهو كارثي: فكلما تقدمت الحضارة، كلما هربت الأنثى إلى أعماق سحيقة ومظلمة في وجودها، وبالتالي زاد معدل حاجتها للنهز. وتقول الدراسة أن الحاجة نفسها تستقر عند الذكور أيضاً، وأن زيادة عدد مرات النهز للوصول إلى الذروة هو تعويض أجوف عن مراحل سابقة في علاقة رجل بامرأة. وقالت فتاة من صحراء أفريقيا مجيبة على سؤال الصحفي: هل وصلتِ إلى الأورجازم يوماً؟

ضحكت الفتاة وقالت: ما هو الأورجازم؟

فأوضح لها أنه يقصد الذروة الجنسية.

نظرت نحو السماء وتنهدت مبتسمة وقالت له: أكثر ما يضحكني فيكم أيها الغرباء، هو أنكم تدفعون أموالاً وتجهدون أنفسكم لتسمية الأشياء!

لقد وصلت وسأصل كثيراً إلى ذاك الغموض المدهش، ولا يمكن لك أن تتخيل أو تعرف ماذا أقصد، إلا إذا كففت عن المشاركة في هذا الغباء الجماعي!

انتهى الصحفي التايلاندي من عمله كباحث ومراسل في المؤسسة التي يعمل بها، وخلال السنوات اللاحقة لن يستطيع انتزاع وجه تلك المراهقة من مخيلته، تلك الفتاة التي تعيش في الصحراء على تخوم التلال المتغيرة كلما هبت رياح رملية. وتفيد الشائعات أنه مات منتحراً في بيته الشخصي بولاية نيو أورليانز الأمريكية في ستينيات القرن المنصرم .

كل ما سلف، هو مقتطفات من حكاية تم اكتشافها مؤخراً في موقع أثري فريد من نوعه، الحكاية معنونة بـ “حكاية البحث”، وثمة شرح تفصيلي في مقدمة تلك الملحمة الشعرية عن تجاوز هذه الحكاية لفكرة الزمن البشري المتسلسل، إنها تتحدث عن مراحل نمو وتطور البحث المعرفي عند الإنسان، ومؤلفها قبل عشرة آلاف عام كان قادراً على زيارة مستقبله بعد مئتي جيل، وحين فعل ذلك ذات يوم، على صدر امرأة فاتنة كانت تغتسل قرب بحيرةٍ في أعماق الجبال، كتب ما كتب على جلود الطرائد التي كان يتغذى عليها، بلغةِ رسوم وأشكال غريبة، واستعصت تلك المصفوفات من الرسوم على علوم اللغات القديمة حتى مطالع القرن العشرين، حيث استطاعت مراهقة بولندية أن تحل رموز تلك الشيفرة، فلقد كان والدها عالم الآثار منكباً على رسومه منذ سنوات دون أية نتيجة، وفي ليلة باردة ومقمرة، خرجت تلك الفتاة إلى الغابة فجراً ، ثم عادت بعد ساعات وهي تتحدث بلغة غريبة! إنها اللغة نفسها “لغة جلد المستقبل”، كما سمّاها الأب منذ أن حصل على المخطوط الأكبر لتلك الحكاية وكان موشوماً على جلد تمساح هائل.

دوَّنت البنت برفقة والدها معاني كل الرسوم والكلمات التي تم اكتشافها على الجلود حتى ذلك الوقت، ثم ماتت تلك المراهقة فجأةً قبل أن يتسنى لوالدها سؤالها: كيف حدث ذلك؟!

ماتت بأول قذيفة تطلق على مدينتها الصغيرة المسماة “مدينة السلام”، بينما نجا والدها بصعوبة، لكنه ترجم خلال الحرب بعد وفاتها تلك الحكايةالمسماة “حكاية البحث”.

كان كاتبها الأصلي يرانا ويرى أسلافنا وأخلافنا من البشر عبر هذه الحكاية. أما الدراسة الميدانية التي أنقل مقاطعاً منها فهي لصحفي إنكليزي من أب تايلندي وأم عراقية وهو يعمل في إحدى محطات الوثائقيات المعاصرة، وقد اقترح عنوان “النهز في المعرفة” ويقول هذا الإنكليزي الهجين أن جده التايلاندي دفع حياته ثمناً لمهنة المراسل والباحث الصحفي، “في زمن ما ، زمن مستقبلي أو ماضٍ لا وجود له”، فالجريمة التي يتحدث عنها الحفيد، يرفض وصفها بالانتحار، وهي في الحقيقية ليست كذلك، ولها تفاصيل بالغة الدهشة.

“الجريمة تحدث الآن فقط، أما خيالها فيسكن في أحد الأزمنة الغير موجودة”.

( المصدر السابق ص 234 )

وختم ذلك الحفيد دراسته باعتراف أخير.

لن أستطيع بالطبع تلخيص الحكاية، لكن تداهمني لحظاتٌ وأنا أقرأ هذه الدراسة المقروءة والمشاهدة مليارات المرات عبر السوشيال ميديا،  لحظات متعة عتيقة، تشبه شغف ذلك السلف الأول الذي كتب الحكاية، شغفه المدوخ في الأمتار القليلة التي تفصله عنها ..

“في رحاب أن تلتقي أحداق بجرأةٍ .. ثم يأتي الضباب كأنه حطام المعاني وحليبها الدافئ الخفيف”.

(نفس المصدر ص 187)

“المرأة التي تستحم في النهر لا زالت تعيش تحت جلدي كأنها حلم لا يزول”.

هكذا جاء توقيع ذلك الرجل على مقاطع مخطوطاته الجلدية، لقد فُقدت الكثير من تلك الجلود إثر تعاقب الزمن وتحول كهف ذلك الرجل إلى كهفٍ للضباع في سفوح الجبل الوعرة .

غير أن ما نجا منها كان كافياً لكتابة السياق: “إن ارتعاش جسدٍ واحد يهتّز بفعل نشوةٍ مبهمة ونقية من الكلام، هو اهتزاز كوني، قد يولد الأعاصير كضربة جناح الفراشة. إن حاجة الجسد لاستدامة هذا النوع من الحركة تتنامى كلما هجعت الكائنات والأشياء والأجرام الكبرى إلى مواتٍ باردٍ،  وقد يجد الإنسان نفسه في الزمن المقبل متحركاً كبندول في ساعة الزمن العملاقة، حيث لا حركة تذكر في هذا الكون والطريقة الوحيدة للبقاء هي النهز وانفتاحاته الكبرى التي لا بد أن تلتهم المعرفة، تذيب جليدها، كي ينفك الوجود من أسرها”.

وعلى جلد ماعز نقرأ المقطع التالي: “نهزة واحدة تساوي عمراً بأكمله، النهز السريع رغبة معرفية بالخلود”.

ترجمت الفتاة برفقة والدها المقطع الأخير من حكاية البحث، كان المقطع يحتوي على جملة إشكالية، لكنها تشير إلى شيء يكمن وراء تسارع حاجة الإنسان للنهز/ناهزاً ومنهوزاً/ واهتزازه المضحك حتى الموت!

صادف تلك اللحظة أن وقعت أول قذيفة مدفعية في الحرب العالمية الأولى، فصرخت الفتاة بدهشة قبل أن تلتهم جسدها القذيفة التالية: “إنها الحرب!”

*****

خاص بأوكسجين

 

 

 


كاتب من سورية