إلى روح رياض شيّا في جنة الرماد
توجهتُ إلى المختبر بخطوات واثقة، متجاهلاً تحذيرات البعض من مقابلتهِ على محمل الجدّ، خاصة بعد الحملة الصحفية التي قادها كاتب شاب ضده .. حيث تم وصفه كشاعر الأموات بينما وصفه آخرون بـ “شاعر الأشجار المحروقة”، وتجرأ أحد كبار لجنة القراءة والتصويب والتدقيق، في اتحاد الكتّاب على وصفه بـ “الفصامي الذي يستخدم اللغة بطريقة ٍمهينةٍ للأدب والشعر”. كان ذلك القارئ يتحدث للكاميرا في برنامج حواري تلفزيوني محاولاً تقديم خطاب ناقد وراقٍ أمام الشاشة، لكنه حين عاد إلى مكتبه وجلس وحيداً مع مخطوط ديوان “شرود النبات” لشاعر الأشجار المحروقة، أمسك قلم الرصاص وكتب على المخطوط بجانب إحدى عبارات الحب والوله في قصيدة: “تخيلها أمك يابن الزانية” وبدأ يتفنن بالشتم مستخدماً عبارات التشفي التي تزدحم بشتائم جنسية وبعامية فاجرة!
كنت أقترب من مختبره الكائن في حارة شعبية فقيرة وشبه معدومة، توافد سكانها من ضواحي المدن والأرياف القاحلة وبنوا ما يشبه الأكواخ التي سرعان ما أصابها سرطان البناء المخالف والتهم بساتينها حتى آخر شجرة.
تقدمت من المختبر التي تزين بابه عبارة مكتوبة بالفحم على الورق المقوى “مختبر شرود النبات”.
قرعت الباب الذي ما لبث أن فُتح بهدوء، ورأيته واقفاً أمامي كشبح مكسو بثياب عتيقة. حييته وقدمت نفسي كصحفي يريد إجراء حوار.
دخلت المكان، وقد تسربت إلي بساطته، فهو المختبر وقد احتوى على عدد كبير من النباتات والأشجار المزروعة في أصص، موزعة في المكان بعشوائية.
وحين هممت بالكلام، همس بصوت متحشرج وهادئ واضعاً اصبعه أمام شفتيه: “هسسسس ألق نظرة على النباتات وحسب! لا تثر ضجيجاً…إنها شاردة!”
أجلت بصري في المكان دَهِشاً مما أرى، فأوراق النباتات وجذوع الأشجار الصغيرة تميل بخفة رضيع نحو الفراغ كأنه الأم، كمن تلقي نفسها في حضن دافئ لتغفو. إنها شاردة بالفعل!
لاحظ الشاعر ارتباكي، فقادني إلى دهليز جانبي حيث تقع غرفة الكتابة الخاصة به، التي بدت بوكر ثعلب مليء بالأوراق وكأنها هياكل عظمية للكلمات.
أجلسني على الكرسي بعد أن أضاء “اللمبادير” وأقفل الباب، ثم جلس بهدوء قبالتي وشرح بصوت دافئ ومتقافز كالحليب المغلي:
“إنها شاردة بفعل طاقة الكلمات الفاتنة التي أطلقها بعض العشاق في هذا العالم”.
وقال أيضاً إنه يسجل شرودها ذاك، وسوف يعلن قريباً عن الجزء الثاني من ديوانه الجديد بعد أن رفضت الرقابة الجزء الأول، وأن الديوان الجديد سيترجم لغة الأشجار والنباتات، وسوف يكون ذالك مفاجئاً. وأسرّ لي بأنه سيطلعني على الخطوط العامة للمشروع، شرط ألا أنشر حرفاً واحداً في الإعلام أو الصحافة الإفتراضية.
تحدّث بتصميمِ شكاكٍ يُمسكُ سبعين يقيناً بكفيه، ويلعب بها في الفراغ كمحترف ألعاب سيرك، لكن عيناه كانتا ثابتتين في أحداقي كفوهتي مغارتين كستهما الطحالب، ونشبت بين عشيباتها عوالم الكائنات الصغيرة وأزمانها المتدحرجة ببطئ نحو الخارج.
شرح لي بأن الكلمات الفائقة التي نطلقها بطاقتها الغامضة القصوى لا تموت حين نطلقها، بل تنتشر عبر الفراغ كطاقة حرة، ووحدها أوراق النبات تصغي لها ثم تشرد في غوامض الفراغات التي تثيرها، والمعاني العصية على سياقات اللغة، ولكن شرود النباتات يطلق حكايا غريبة ومدهشة على شكل سيلان في الفضاء، بينما حين تمتص أوراق النباتات هالات الكلمات المذبوحة فإنها تزدحم في زرقة مائلة للسواد، وتتمنى في أعماقها أن تطالها الحرائق كي تعود إلى التراب.
“أنا أسجل شرودها، وغالباً ما يتم هذا على مدار الساعة، لكن ما يخيفني حقاً هو أن بعض النباتات في الآونة الأخيرة، بدت متعودة على قبول كلمات أدنى من فعل الشرود الساحر؟
لكنها القسوة!
إنها نزعة أصيلة لدى الكائنات مع الأسف!”
تنحنحت متسائلاً:
ـــ اعذرني … لم أفهم ما تعنيه جيداً! عن أي طاقة للكلمات تتحدث؟
قال فيما معناه إن الكلمات هي الكائنات الوحيدة التي لها وجود شبحي بكمون قطعة من ثقب أسود، وشرح لي برهانه الفيزيائي المعقد بأسلوب مدهش. كانت نظريته الجديدة تقوم على طاقة الكلمات والأحرف والدلالات، فحسب افتراضه “تحمل الكلمات طاقة غريبة وشديدة الانفجار وتختلف مع كل استخدام، ومن انفجاراتها تلك تتشكل الأكوان في المعاني التي نحيا بها ونتبادلها كبشر”. إن الوجود الحقيقي حسب ما شرح لي هو لطاقة الكلمات السوداء المظلمة أما كل ما نعترف به “كوجود” ما هو إلا أثر تلك الإنفجارات كلما استخدمنا كلمة في سياق .
إن الحيز الذي يحيط وعينا قد نشب من تلك الانفجارات ومن فرادتها، وهذا الحيّز الذي نظنه المكان والزمان هو الفراغ الذي تعبر به تلك الطاقة، ساحبة البذور من رأسها تحت التراب نحو الضوء في الأعلى وخالقة الذباب الأزرق في عمق الصحراء ومشكّلة الشواطئ والغابات التي شكلناها في عقولنا على شكلها الراهن ثم دأبنا على صياغتها وسعينا لتحقيقها؛ النتيجة أننا سميناها فكانت!
تنهد ثم أردف:
- نحن المسمى. وأظنك ترى طبيعة الطاقة التي انتشرت من الكلمة حين أطلقتها؟
- لا الحقيقة لم أنتبه!
- أن لا تنتبه هذا لا يعني أن شيئاً ما قد حدث دون أن يكون لك الرقي الحدسي الكافي كي تراه.
- سأكرر الكلمة وعليك أن تغمض عينيك وتخبرني عما تراه … ما رأيك؟
- لنجرب؟
- خذ نفساً عميقاً واصغ ..
- حسناً!
أخذتُ نفساً عميقاً وأغمضت عيني مسرعاً، ثم سمعت كلمة “المسمّى”، فرأيتها في مخيلتي تتشكل حولي كمدينة وشوارع، ثم عجّت الشوارع بالمارة. كان جميع المارة بتقاسيم لا تُفسر، والانطباع السريع الذي لمحته في وجوههم، هو همهمة جارحة وخافتة لرغبات متفلّتة من حفلات تعذيب وصور متوحشة، تتشابك كأنها جلدُ جاف وقاس، يتشكل على الوجوه والأشجار والحارات وأشكال المباني. ثم بدأت أسمع هسيس كلماتهم وهو يحدّثون أنفسهم كلمات حادة، تلهث كي تلتحق بسياق أكثر توحشاً وانتقاماً… شهقت وأنا أفتح عيني وقد شعرت بالخوف منه حقاً!
ابتسم وقال لي
- ماذا رأيت من انفجار كلمة “المسمى”؟
قلت متلعثماً:
- رأيت الجميع في المدينة .. كانوا ضحايا شيئ بالغ القسوة!
قال:
- أرأيت! لا يمكن للمسمى أن يكون سوى الضحية، أما الذي يسمّي الأشياء فإن كلماته تبني أفكاره باستجابات شبحية غير متوقعة.
أخذ نفساً من سيجارته بأصابع مرتجفة ثم أردف:
- إن من يلتقط طاقة الكلمات تلك، وحده الذي يسمي الوجود، والمهزلة الكبرى هي وعينا الجمعي بأننا أقوام المسمّى ذاك.
ثم أردف بعد توقف سريع ليطفئ سيجارته ويتناول الأخرى بشراهة:
- وحدها الكلمات التي تسبح في فراغ اللامسمى، قبل أن نتاولها في سياقاتنا، نسميها، فتعيد هرسنا وصياغتنا بأعجوبة شبحية فائقة. الكلمات تفعل كل ذلك لأنها مكونة من طاقة الظلام في ثقب أسود، كل ما عداها هو صدأها وصديدها وصداها.
خرجت من مختبره وأنا أهرش جلدي!
كنت أتخيل الصدأ فوق جلدي وفي ثيابي وعلى أعمدة الكهرباء والمباني ووجوه المارة وابتساماتهم الخاطفة البلهاء. يا إلهي، لقد صدأ العالم!
ثم توقفت لاهثاً وانبّت نفسي بشكل حاسم: ماذا بك! استفق من انفجارات الكلمات. كن متماسكاً واستدعها بجدارة إلى عالمٍ تحبُّ أن تحياه”.
للحقيقة، فاجأتني قوة كلماتي لنفسي، وقررت أن أمضي قدماً وأغمض عيني وأسمّي عالمي الذي أريد.وقفت في منتصف الطريق، وأغمضت عيني وبدأت أستدعي كلمة غامضة عليّ، كلمة ما أن أُسميها حتى تشرق!
وهكذا كان عليّ استحضار حواسي وجوارحي كي ألفظها بكل ما أتيت من قوة وتماهي.
ها أنا أستدعي كلمات مثل: حب، ربيع، جمال، هدوء، سعادة…
كنت أرى انطباعات مرافقة لكل كلمة فكرت فيها، وكانت جميعها تحاول تصديقي، فتهتز قليلاً ثم تنكفئ إلى موات اللامسمى. أراها وقد خَسِرتْ محاولةٌ فارقة في صميم وجودها، وكأنها تصدأ ببطئ لكثرة الألم والفقدان والتهميش والمجانية التي تشعر بها.
وكل ذلك لأني لم أعنِها حقاً!
اللعنة! لماذا لا أستطيع أن اعنيها حقاً؟
تأملت العالم حولي وأنا أفرد ذراعي في الهواء كفزاعة تواجه الشمس. كان كل شيئ يتآكل بفعل الصدأ، حتى رأيتها تلك الكلمة الفاتنة، الكلمة التي من حرفين اثنين وحسب. صرخت منادياً باسمها: لاااااااااااااااا
هاي هي… إنّي أراها. تشبه الزوبعة، تلف أحراش المدينة والشوارع والبيوت والأشياء بالاهتزاز، تتقدم نحوي متمايلةً كأنثى فائقة في الوله والرقص.
في غمرة كل ذلك فكّرت:
هل أعنيها حقاً؟
وفي غمرة انهماكي في معارك كائناتي المتدافعة داخل رأسي: أعنيها … لا أعنيها…
كانت الـ “لا” قد وصلت إلى المكان الذي أقف فيه كفزاعةٍ صدئة في حقلٍ بورٍ ومهجور، اقتلعتني بعصفِها الفاجر، مثلما تكشط برياحها بقايا الصدأ عن كل ما عَرفتُهُ باسم الوجود، الأمكنة، الروائح، الوجوه …
لقد انفجرت هذه الـ “لا” حقاً، ولكنها لم تنفجر في سياقي أنا، بل ثمة من يستدعي انفجارها المظلم، لا بد أنهم أطفال يهرولون هرباً من الجحيم!
أسير حراً الآن، وفي فمي كلمة واحدة من حرفبن تنبض في خلايا جسمي، وها أنا أفكر، علني أفهم أكثر تلك الكلمة “لا”، بحرفيها كأنهما فكي كماشة، وعند اتصال الألف باللام ثمة عقدة تشبه حبل المشنقة أكثر مما يجب، وتنفتح بعد تقاطع الحرفين إلى الأفق المفتوح… يا لهذا السحر!
ها أنا أسقط مع شرود النباتات وكلمتي التي تلتف حول جسدي كحبل. أسقط أو أعلو مع الـ “لا” لأقع في اللامسمى، حيث لن يعود بامكاني مخاطبتكم أو الكتابة لكم سوى بلغة شرود الأشجار التي لا بد لأجيالكم من اتقانها.
وداعاً.
*****
خاص بأوكسجين

