ولد بيتر آلتنبيرغ أو بوهيمي فيينا في فيينا عام 1859 لعائلة يهودية، وتعثر مساره الأكاديمي بين الحقوق والطب وتجارة الكتب، حتى أعفي من العمل بتقرير طبي يصف جهازه العصبي بـ “مفرط الحساسية”. وعاش حياة بوهيمية في الفنادق الرخيصة والمقاهي مثل “غرينشتايدل” و”سنترال”. انخرط في جماعة “فيينا الفتية” وصادق عمالقة مثل كراوس وشنيتزلر. اشتُهر بنصوصه الانطباعية القصيرة والعفوية. رسخ مكانته بكتابه “هكذا أراها” (1896)، وتلته عشرة المؤلفات أبرزها “أشانتي” و”زيمرينغ”. عاش بيتر آلتنبيرغ في ضائقة مالية على الدوامِ معتمدا على دعم المعجبين بذكائه وظرفه. لم يتزوج قط، واشتق اسمه المستعار من اسم بلدة وفتاة أحبهما في شبابه، لكن لاحقته اتهامات “عشق الفتياتِ الصغار”. كان غريب الأطوار، يرتدي الصنادل بلا جوارب صيفاً وشتاء، ويؤمن بنظريات صحية خاصة. عانى من الاكتئاب وقضى فترات في المصحات النفسية. توفي في فيينا عام 1919 إثر التهاب رئوي عن عمر ناهز 59 عاماَ. هذه القصة من كتاب “صور من الحياة الصغيرة” الصادر في برلين عام 1909:
ألحّ عليّ هانس شليسمان أن آتيه مساء الجمعة إلى “فندق بارك” في “هيتسينغ”، حيث يُحيي دوستال المفعم بالحيوية والذوق حفلاً موسيقياً مع فرقة الفوج السادس والعشرين، في تلك الحديقة الغنّاء الفسيحة. وامتدَّ بنا الوقتُ حتى بلغت الساعةُ منتصف الليل تقريباً، فتمّلك القلق شليسمان خشية أن تفوتني آخر رحلات الترام، وهو ما حدث بالفعل؛ إذ مرّت العربة من أمامنا دون توقّف.
ولكن في تلك اللحظة، توقّفت بالقربِ منا عربةٌ أنيقة بإطارات مطاطية، وتعالت أصوات فتاتين في عنفوان الصبا تهتفان ببهجة: “بيتر! يا للمفاجأة! يا بيتر، ماذا تفعل هنا في هيتسينغ؟!”. فأجبتُ بلهجة عملية جافّة، ودون أدنى حماس لمبادلة هاتين الطفلتين الفطريتين الرائعتين فرحة اللقاء بهنَّ: “لقد فاتتني آخر رحلة ترام”.
فقالت إحداهما: “لا تبتئس يا بيتر، سنأخذُك معنا في عربتنا، فنحن في طريقنا إلى فيينا على أي حال.. يا لها من صدفة سعيدة!” وقف “هانس شليسمان” متأثرا أمام هذه المصادفات السعيدة النادرة، وأزجى الشكر للفتاتين الجميلتين الطبيتين باسم صديقه “المحسود” على حظّه، وعلّق قائلاً: “إن قلب فيينا الذهبي لم يندثر تماماً كما كنتُ أتوهم!”.
انطلقنا بالعربة. وعند جبل “مارياهيلفر”، قالت إحدى الفتاتين العذبتين: “بيتر، كم ستدفع لسائق العربة إذن؟” فأجبت: “لا شيء، لقد كنتُ ضيفكما”. فردت قائلة: “يا لك من لئيم! أتضنّ علينا ببضعة قروش؟”. (إذ دائما ما يراها الدافعُ “عملاتٍ ذهبية”، بينما يراها القابضُ “قروشا زهيدة”. قلتُ: “أنا ضيفكما”.
فقالت: “أوكنتَ ستمشي حتى فيينا على قدميك أيها الأحمق؟”
قلت: “ربما كنتُ سأستأجر عربة بمهرٍ واحدٍ عند الضرورة”.
قالت: “ها قد اعترفت! إذن فالأمر سيان”. قلت: “حسنا، سأدفع أجرة العربة بمهر واحدٍ”.
فصاحت: “انظروا إليه! يركب عربة فارهة بإطارات مطاطية ويريد دفع أجرة عربة بسيطة؟ سأموّت نفسي غيظا!”. فسألتها: “أرجوكِ، أخبريني كم عليّ أن أدفع؟”. قالت: “عشر كرونات، إنها لا تعدّ مبلغاً على كل حال”.
لم أشاطرها الرأي في أنها “لا تعد مبلغاً”، فسألت: “وكيف بلغت عشر كرونات؟”. قالت: “ألم نكن نتجول في هيتسينغ قبل أن (ننتشلك) من الطريق أيها المتسول؟ كانت ليلة جميلة، ويبدو أنك تستكثر علينا هذا الاستمتاع!”. فأجبت بأنني أتمنى لهما كل الهناء من قلبي. قالت: “أجل، هكذا نعهدك رجلا عاقلا، فأنت (بيترنا) العزيز”.
وهكذا دفع “بيترل” الصغير الكرونات العشرة.
فقالت الفتاتان: “وهل نحن لسنا من أهل الدنيا؟ ألا تساوي رفقتنا شيئا؟ كأننا مجرد (تكملة عدد) لا قيمة لها!”.
فأعطيتُ كل واحدة منهما كرونا إضافيا. فقالت إحداهما: “بيتر، بيتر، لطالما حسبناك شاعرا حقيقيا، وإنسانا مثاليا رفيعا.. أما الآن، فلا يسعنا إلا القول إنك خيّبت ظننا”.
أوقفتُ العربة ونزلت منها. فسألتني إحداهما: “أأنت غاضبٌ يا بيتر؟”. قلت: “لا، ولماذا أغضب؟”. قالت: “ألم تكن الرحلة ممتعة حقا؟”. فأجبت: “للغاية”.
وفي تلك الليلة، كتبتُ بطاقة بريدية إلى هانس شليسمان هذا مضمونها: “فيما يتعلق بتصحيح نظرتكَ حول (قلب فيينا الذهبي) الذي يوشك على الانقراض، أرجوك بشدة أن ترجئ هذا التصحيح حتى يوم الجمعة القادم، حين يحيي دوستال حفله مجددا؛ فعندها سأوافيك بالتوضيحات الشفهية”.
وفي اليوم التالي، التقيت بإحدى الفتاتين، فقالت لي: “بيتر، من حسن حظي أنني قابلتك! فبمجرد نزولك بالأمس، سمح لي السائقُ بالجلوس في مقعده وتولي القيادة، بينما ركب هو مع صديقتي (ميتسل) داخل العربة المغلقة، ثم أهدانا الكرونات العشرة التي دفعتَها له! هذا هو الرجلُ الشهم حقاً، فليكن لك فيه قدوة!”.
حينئذٍ، سارعتُ بمكاتبة هانس شليسمان قائلاً: لقد أصاب حدسُك الأول كبدَ الحقيقة؛ فما زال (قلبُ فيينا الذهبي) ينبضُ بالحياة حقاً.
*****
خاص بأوكسجين

