تقرؤون في ما يلي ثلاث قصائد من “كلما لمست شيئاً كسرته” في طبعته الثانية التي ستصدر قريباً عن “محترف أوكسجين للنشر”:
جبهةُ الحُبّ
إلى محمد المزديوي
كلّ ما تعلَّمناهُ مِن الحُبِّ كان في الرّواياتِ والقِصصِ والأشعار. معَ الفقر والإحباط وضيق الأفق صِرْنا نحبُّ بسهولة ونتعذَّب بسهولة أكبر. ومع ذلك تشبَّثْنا بذلك الحُبّ الذي لا حياةَ له ولا مُقامَ إلّا بينَ السُّطور.
هزائمُ الحُبِّ فتكتْ بالكثيرِ مِنّا
شرَّدَتِ الآلاف
وبسببها اختفى الكثيرون عن الأنظار.
ورغمَ ذلك يظهَرُ مِن حين لآخَرَ محاربٌ ما، شابٌّ على الأرجح، ملوِّحاً برايةٍ رثّة، هازئاً بجبروت الواقع وطاحونته الدَّمويّة. إنّه على يقين بأنّ لوعته أكثر قيمة من السَّيّارات الفارهة التي تحاصر محبوبته الفقيرة وبأنّ صدقَ الإحساسِ سلاحٌ مدمِّر يكفي إشهارُه كي تُحْسَمَ المعركة.
نحنُ مُعَوَّقُو هذه الحرب نتحسَّسُ ندوبَنا ونحن نحتسي كؤوساً رخيصة مع عاهراتٍ بدون أسماءٍ في حانات مظلمة ونشفق على كلّ شابٍّ يبزغ فجأة من أطراف المدن يمتطي قصيدة موهوبة ويدخل الجبهة أَعْزَل.
شُكراً جزيلاً يا جيل دولوز
إلى قدور زويلاي
كانوا يستشهدونَ بكَ
ويهمسونَ باسمكَ
كنبيٍّ قادمٍ من بعيد
تصدحُ منه موسيقى لا يُشَقُّ لها غبار.
لم تكن فرنسيتي تسعفني حتّى لشراءِ الخبز
لكنَّ رنينَ اسْمِكَ
في المناقشاتِ الجانبيّة كان له سحرٌ خاصّ
طالَما أخجَلَني مِن فَرْطِ الارتباك.
الهجرةُ حقٌّ مقدَّسٌ، قلتَ ذاتَ مرّة.
لم يَقُلْها أحدٌ قبلَكَ ولم يَجرُؤْ على ترديدِها أحدٌ بعدَكَ
في هذهِ البلادِ التي تزوَّجْناها عن حُبٍّ
أنا ومحمّد وعبد القادر وفاطمة
وعربٌ آخرون تضيق بأسمائهم المغبرّة هذه القصيدة.
حتى الآنَ لم أَعْثُرْ على مَنْ يَشْرَح لي طلاسمَ عبارتِكَ المبهمة.
القوانين تقولُ العكس مِن حكومةٍ لأخرى
والبوَّاب فرنسيٌّ مِن أصلٍ برتغاليّ
ويحتقر الفلاسفة.
كنتُ في عربة الميترو أتلصّص على صفحةِ جريدةٍ يقرؤها أحدُ الرُّكّاب
كانَ اسمُكَ مكتوباً بحروفٍ بارزة وكان العنوانُ موتَكَ.
رميتَ بنفسكَ من النّافذة على ما يبدو…
لماذا إذاً كلُّ الذين يحبّونَكَ حتّى العَمى
يعشقون الحياةَ أكثرَ مِن أيِّ شيءٍ آخَر؟
خجلتُ مرّةً أخرى مِن جَهلي العميقِ بكَ
وكرهتُ نفسي بعربيّةٍ فصيحة
رغمَ تأفُّفِ صاحبِ الجريدةِ الزّنجيّ.
الهجرةُ حقٌّ مقدَّسٌ
عبارةٌ يكفي أنّها قِيلتْ ذاتَ يومٍ
لكي أستيقظَ كل صباحٍ
مُحتمِياً بكَ يا دولوز.
إلى عبد المنعم العمراني
في الدّار البيضاء، في باريس
في بروكسيل أو في أكادير
في الرّسائل، في الصّور التّذكاريّة
في القصائد أو عبرَ الهاتف
سيشجِّعون الزُّجاج على التَّطاير
بهدوءٍ
ومرارة.
الزّحامُ وضْعٌ مثاليٌّ
لخنقِ الأمل.
قطْعُ الطَّريق على الحشرجات واجبٌ
ثمَّ يجبُ الابتسام حَضَرَتِ الكاميرا أو لم تحضرْ.
يستعملون المساحيقَ
والمخدِّرات
يشتهون القاصرات.
على أيٍّ هنا أو هناك
لا بدَّ مِن دراسةِ الخيبة في الميدان.
يبايعون الصُّدْفةَ صباحَ مساء
وحالَما يوفّرون قليلاً مِن المال
يشترون ملابسَ داخليّة من السّاتان الخفيف
ويرتجلون حفلة “ستْربتيز”.
الأسماءُ التي تهزأ مِن نَفْسِها
القاماتُ التي لم تتعوّدِ الأَسِرّةَ
الأعمار المبتورةُ
الفُرَصُ التي ترابط في الحانات وتحيض.
قامَروا بالشّهادات. تخلّوا باكراً عن واو الجمْع. استبدلوا العيون والأسنان وأدْمَوا أفواههم في مصّ نخاع عظام كبيرة.
المكنسة لا تفارق القلب
ولاّعةٌ في الجيب
وهاتفٌ نقّال
لا أحد يدري من أينَ تقْصف السّعادة؟
صحيحٌ أنّ العواطفَ تَطعنُ غالباً من الخلف
لكنْ مِن الأفضلِ مباغتةُ الحنين في المهد
قد تتكاثر رؤوسه ويتعذّر التَّفاوُض.
حينَ تخلّصوا مِن تذاكِرِ العودة
اشتَرَوا قماشاً أبيضَ
وبطَشوا بالألبومات العائليّة
كي لا تتعوَّدَ الجغرافيا هجماتِهم.
شمالاً وجنوباً، غرباً وشرقاً
قد تتلفُ الوِجهةُ مِن فرْط التَّهافُت.
من قَلْبِ المُدُن
أو أطرافِ الضَّواحي
في الأحلامِ والكوابيس
هنا أو هناك حيث يختفي الحُبّ
وتستأسد البلاغةُ
سيفجّرون أنفسهم في قصائدَ رديئة
بهدوء
بمرارة
دون إنذار.
*****
خاص بأوكسجين

