من كتاب “الرسام الذي نسي مرسمه في اللوحة”
العدد 306 | 26 أيار 2026
ناصر نصرالله


 تقرؤون فيما يلي مقتطفات من كتاب “الرسام الذي نسي مرسمه” الصادر أخيراً عن “محترف أوكسجين للنشر”:

 

حوتٌ في غرفةِ المَعيشة

غادرتْ بطلة هذه القصة مكتب الطباعة في وقت متأخِّر ذلك اليوم مِن دون أيِّ رغبة بالعودة إلى المنزل، وكانت تودُّ لو أنَّ باستطاعتها النومَ في المكتب بَدَلَ الرجوعِ إلى المنزل ومواجهة الحوت الأزرق الذي يسبح في غرفة المعيشة، لقد تغيَّرتْ حياتُها منذ اللحظة الأولى التي قابلت فيها هذا الحوت، حدث ذلك أثناء ورشة في فنِّ الطباعة الحديثة التي سافرت إليها خصِّيصاً عبر البحار في المدينة البعيدة. تتذكَّر حين انقبض قلبُها قليلاً قبل ركوبِ السفينة، وكيفَ أنَّها سمعت صوتَ والدتِها في رأسِها يقولُ لها: لا تركبي السفينة. فَسَّرتْ ذلك أنَّه الخوفُ من تجربة الأشياء الجديدة، وقرَّرَتْ حينها تجاهُلَ دقَّاتِ قلبها وصوت والدتها، حتَّى عندما غَرِقَت السفينة.

 

السَّفَر معَ شجرة القَدَر

هل قرَّرَتْ شجرةُ القدر مرافقتي في السَّفر؟ أو أنا الذي دعوتُها للسفرِ معي؟ لم أعد أذكر.

بدأتُ أكتبُ هذه الكلمات ونحن في منتصفِ الرحلة، وسط الهروب من القوانين الفيزيائيّة، متَّجِهين نحو الماورائيَّات والمدن التي قد تجعلنا نصدِّق أنَّ الأساطيرَ والخرافاتِ حقيقة، وأنَّ الخيالَ هو الأصل. لا أعرف مَن هي هذه التي اسمُها “شجرةُ القدر” وما هي وظيفتُها بالضبط، لا أعرفُ أيضاً كيف سَلَكنا كلَّ هذه المسافة ونحنُ غريبان أَحُدُنا عن الآخَر (بالنسبة إليَّ على الأقلّ) أمَّا هي فلا تتحدَّث كثيراً.

وصلْنا إلى مكانٍ لا يشبه أيَّ مكانٍ آخَر، يُمكنُكَ أن تشعُرَ بكلِّ المشاعرِ في الثانية الواحدة. توقَّفت الشجرةُ وأعطتني ورقةً من فرعها ثمَّ غادرت وحدَها. كُتِبَ على الورقة: “هنا بدايةُ الرحلة”.

 

أَشلاءٌ وأَزهار

تشظَّتِ المزهريَّةُ إلى أشلاءٍ صغيرةٍ بعدَ مُكالمتِهما الأخيرة.

واصَلَتِ الأزهارُ النُّموَّ على أرضيَّةِ المنزل.

 

عطرٌ وسجائر

رائحةُ سجائر والِدي

رائحةُ عطر والِدَتي

رائحةُ سجائر والِدي على والِدَتي

رائحةُ عطر والِدتي على والِدي

رائحةُ سجائر والِدَتي

رائحةُ عطر والِدي

رائحةُ سجائر والِدَتي على والِدي

رائحةُ عطر والِدي على والِدَتي

بعدَها تَكَوَّنْتُ أنا

خليطاً مِن عطرَيْنِ

ونوعٍ واحدٍ مِن السجائر.

 

الرسَّامُ الذي نَسِيَ مرسَمَهُ في اللَّوحة

اختفت فُرشةُ الرّسم التي وَضعها الرسّام على الطاولة قبلَ قليل، أين ذهبتْ؟ ارتجفت شفتُهُ السُّفلى وهو يسأل. لقد كانت الفُرشة هنا قبل قليل، بحثَ عنها، ولاحظ أنَّ الطاولةَ اختفت أيضاً، والكرسيَّ، والمكتبةَ التي احتوت جميعَ الكتبِ التي اقتناها عبر السِّنين مِن زياراته العشوائيّة لمكتبات العالم، اختفت عُدّةُ الرسم كلُّها، الفُرَشُ، ألوان الغواش والأكريليك وعلبة الألوان المائيَّة ماركة ڤان جوخ التي لم يُرِدْ لها أن تنتهِي، اختفت أكوابُ الماء الملوَّثة والنظيفة والمنشفة معهُنَّ، كلُّها اختفت بلا أثرٍ لقطرة ماء ملوَّنة، اختفَتِ الأشياءُ الأخرى بدورها في المرسم، النورُ والظلُّ، الأرضُ والسقفُ، كلُّ الكتل والمساحات اختفت.

لم يكن هناك سوى لوحةٍ وحيدة احتوت كلَّ ما سبق اختفاؤُه.

*****

خاص بأوكسجين

 


فنّان تشكيليّ وكاتب إماراتي. من إصداراته "كتاب مخلوقات الأشياء اليومية" (2012). ويعمل منذ عام 2019 إلى تاريخه مديراً فنياً لسلاسل قصص مصوّرة وكتب فنية تُصدرها مؤسسة الشارقة للفنون، منها: "كورنيش" و"بيت الحرمة" و"الطبق الطائر" وغيرها.