سأصبح سليماً مرّةً أخرى
العدد 309 | 12 تشرين الأول 2026
عبدالله الريامي


الجائزة

باغَتَتْنِي عادةٌ سيئةٌ

تكادُ تُبكِينِي

التَعَثُّرُ بِقَدَمَيَّ الفُولاذيَّتَين

اعتَدْتُ  أَن أكونَ دقيقًا للغاية

ميكانيكيًّا وتَحتَ السيطرة

انقَطَعَتِ الأسلاكُ

ولا يُمكِنُ للسيرفر قراءةُ التغذيةِ الراجعة

بينما أَشعُرُ بِتَشَقُّقِ جَوانِبي

لست متأكدا! ما إذا كانَ حَولي مَطرٌ أم لا

وهل هذه طَقْطَقَةُ أَجزائي المتساقطة

أم عِظامٌ دهستُها دون قصد

أَنظُرُ إلى الحَطام عندَ قَدَمي

وأَشعُرُ بالغَصَّة

هُناكَ غَصَّةٌ في حلقي

يا لهُ من شُعورٍ مُبْهِج

إن انفصلَتْ قَدَمايَ في خُطوةٍ أُخرى

سَيَختفي الصَّريرُ المَعدنيّ

سَأفوزُ بجائزةِ موتِ روبوتٍ صادق

سيُجَمِّعونني

سَأصبَحُ سَليماً مَرَّةً أُخرى

 

رُكُوع طِفْل

الظَّلام وَحْش صَدِيق

يَحْجُب رُؤْيَتَك

تَخْشَى مَخالِبَه لَكِنَّه وَدُود يُسَلِّيك

قَبْل أَن تَنْدَلِق إلَى العالَم

كُنْت فِيه

في فَراغ مُرِيح

وَاسْتِقْلال مَرْبُوط بِحَبْل سُرَّة

تَطَوَّرْت

مَرَرْت بِمَخاض

وَقُطِع خَلاصُك بِمِقَصّ فَكَبُرْت

الأشْياء لا تَنْمُو إلّا في الظَّلام

جُذُور الأشْجار

النُّجُوم

وَحَتَّى كُتُب الشِّعْر

وَعِنْدَما يَعُود النُّور تُولَد لِمَرَّة ثانِيَة

الظَّلام يَسْقُط

يَتَكَسَّر إلَى مِلْيُون شَظِيَّة

كَمِرْآة قُذِفَت بِحَجَر

أوْ وِعاء أَوْقَعَه طِفْل

وَرَكَع يُحَدِّق في القِطَع المُتَناثِرَة

يَتَساءَل

كَيْف أُصْلِحُه!

 

اسْتِعادَة الوديعة

وُلِدْتُ في قَطْرَة

وفي قَطْرَةٍ أَغْرَق

التُّراب قِشْرَة مُسْتَعارَة

خَيال نَحّاتِين

العِظام إسْفَنْجَة مُؤَجَّلَة

العُرُوق أنْهار تائِهَة عَن مَصَبِّها

لا نُدْفَن

نَتَبَخَّر

الغَيْم مَقْبَرَة جَماعِيَّة لِلْأجْداد

مِن ماءٍ أتَيْنا

إلَيْهِ نَعُود حُفاةً مِن الطِّين

لَم يَكُن المَوْت جَفافاً

أَوْ رَدْماً في لَحْد

المَوْت اسْتِعادَة الغَيْم لِوَدِيعَتِه

سَيَلان الجَسَد في فِكْرَة

نَشْرَب لِكَيْ نَتَذَكَّر

وَنَعْرَق لِكَيْ نَنْسَى

في البَدْء كُنّا مَطَراً يَتَلَمَّس جَسَداً

شَرِبَتْنا الأرْض فَوُلِدْنا

مِن الغَيْمَة الأُولَى سَقَطْنا

وفي الضَّباب الأخِير

سَنَلْتَقِي بِالَّذِينَ تَبَخَّرُوا قَبْلَنا

 

هزيمة المعنى

أشتري كل فجر بثمنٍ باهظ

بعد أن أُنْفِقَ الظلامَ كالمالِ المزيف

وأَدَّخِرُ الآمالَ كمحتكِر

 

بالأمسِ كان العالمُ شابّاً

والأرضُ ما تزالُ جميلة

كان اليومُ السعيدُ دهشةً يُصَدِّقُها الجميع

والشيطانُ ما يزالُ رحيما

 

قبلَ الطُّرُقِ السَّيَّارَةِ للمعلومات

قبلَ أن يصبحَ العيشُ نسخةً مستباحةً على “ويكيبيديا”

كُنْتَ تبدأُ وحدَك مثلَ فكرةٍ راسخة

قبلَ أن يأتيَ مجهولون

أشخاصٌ لن تلتقيَهم

يحاصرون عالمَكَ بفهارسَ وببليوغرافيات

لا وجود لها إلا في عتمةِ “الإنترنت”

 

لو كان صوتي شاهقاً بما يكفي

لتَسَلَّقْتُ قمةً وصرخت

لَتَرَدَّدْتُ كصدى في المدنِ والأرياف

ولما توقَّفَ العالمُ أبداً عن سماعي..

إنْ كان بإمكاني أنْ أُسْمَعَ.. فسأُسْمَعْ!

ومع هذا لديَّ كلمات

لا تستطيعُ الحفرَ ولا التَّسَلُّق

لكنَّها تستطيع الدَّوَرَانَ حَوْلَ الكَوْكَب

 

بالأمسِ كان الوقتُ والمكانُ فقط

وقتٌ أَدْرَكَ فيه الله

أنَّ الأرضَ مكانٌ حزينٌ للغاية

لم تكنْ خُطَّتُهُ أُحكمت

وكان وحيداً

حتى أنه خَلَقَ لنفسِهِ جمهوراً من المشجعين.

*****

خاص بأوكسجين

 


شاعر من عُمان مقيم في المغرب. صدر له عن محترف أوكسجين للنشر "جيش من رجل واحد" (2023). من إصداراته "فَرْق الهواء" (1992)، كما نشر مجموعتين شعريتين إلكترونياً نهاية التسعينيات، هما توالياً: "حرَّاً كالخطأ" و"أخطر الألعاب أو غرام."