الحياة ديليفري
العدد 309 | 12 تشرين الأول 2026
زياد عبدالله


 

“الحياة ديلفيري”.
التفتُ إليه.
انتظرتُ أن يكمل!
أخذ جرعةً كبيرة من قدح البيرة المتعرق أمامه، ولم يُلقِ إليّ بالاً.
بدا صامتاً تماماً، مركّزاً على القدح أمامه، بما يوحي بأنه لم ولن ينطق حرفاً، وأن أحداً غيره من نطق بتلك العبارة. احتسى القدح حتى الثمالة، وحين وضع الساقي القدح الثاني وأخذ جرعةً كبيرة جعلت ربع ما في القدح في جوفه، سمعتها مجدداً:
“الحياة ديلفيري”.
وكما في السابق حافظ على مظهره الثابت في تجاهله التام لنظراتي، ثم عاود وقال كما ليؤكد أنه هو وما من أحد غيره يقول:
“الحياة ديلفيري”.
استولى عليّ الفضول. قلت لابدَّ لي أن أخرجه من تكرارها، وأضع حداً لكونها لازمة فقط، أكرهها في القصائد فكيف في الحياة، فقلت:
“يعني أنها توصيل وتسليم!”
استغرق وقتاً ليوحي أنه سمع ، فكررتها، فالتفت إلي، نعم أخيراً التفت، وابتسم معقباً:
“بل طلب وتوصيل”.
ورفع كأسه، واجتاز الكرسيين الفاصلين بيننا وقرع كأسي، كما لو أن خلاصه كان مرتبطاً بأن أقول شيئاً وألا أكتفي بحدجه بنظراتي.
كان سنديب (هذا اسمه) من كيرلا، على مشارف الستين ربما! ثيابه مجعلكة على نحو يدفع للاعتقاد أنه خرج للتو هو وثيابه من الغسّالة، يتخلل سمرة وجهه ويديه بقع بيضاء، حسبتها بقايا مسحوق الغسيل وليست بهاقاً استوطن بشرته.
وكما لو أنه انتبه إلى استغرابي جعلكة قميصه وبنطاله، فقال:
“أستطيع أن أفعل كل شيء إلا الكوي!”
ضحكت، ولئلا يسترسل أعدته إلى تلك اللازمة التي قطعتُ دابر كونها لازمة:
“دعنا من هذا! ولماذا هذه الحياة ديليفري؟”
لم يحر جواباً، أشار إلى وجهه وأراني يديه:
“هذا هو الشيء الوحيد الذي جلبته معي من دبي إلى هنا”.
وحدثني كيف أمضى خمس عشرة سنة في دكان صغير في حديقة على البحر، يبيع البسكويت والكرك والقهوة:
“كانت هذه أجمل سنوات عمري!”
“ولماذا جئت هنا؟”
“اكتفيت من التأمل. تأملت في كل شيء وآن أوان الثرثرة”.
لم أحتج أن أعيده إلى “الديلفيري”. عاد هو وأطلق العنان لتوضيح مقاصده:
“القدرة على أن تطلب شيئاً، فتتلقاه، هذا كل ما أفعله وتفعله ويفعلونه. هذه هي الحياة، تسعى إلى شيء وتنتظر أن يصلك. وصوله يعني أنك نجحت، والعكس صحيح، التوقيت جوهري، والتأخير منهك وقد يكون مدمراً! أنا مثلاً حلمت طيلة حياتي أن أكون بستانياً لكنني لم أقلم غصن شجرة حين كنت في تلك الحديقة على شاطئ البحر! حققت أمنياتي هنا لكن جسمي لم يسعفني، عملت لسنة واحدة رافقتني فيها موسيقى طقطقات مفاصلي وآلامها. هذا استطراد لا معنى له! على كلٍّ، ربما لم يصلني “ديلفيري” مقلّم الأشجار فاكتفيت بالجلوس أمام البحر! دعك من هذا الهراء!”
صادقت على أنه هراء بحق! وانتقل إلى أحاديث أخرى، جميعها خلاصات على هذه الشاكلة، وبعد ساعة أو أكثر عاد إلى “الديلفيري” وأخذ منحى آخر وجده لدى “عمّال التوصيل” بوصفهم رسلاً، وراح يعمّق نظريته بنقلها إلى مستوى ميتافيزيقي، معتبراً أن أول طلب أطلقه الإله رسّخ بما لا يدفع للشك “الديلفيري”، وهو يتلقى يومياً مليارات الطلبات في الأدعية والصلوات، ويستجيب لعدد محدود لا يتخطى المليون. ثم فتح آلته الحاسبة في هاتفه وغرق بالأرقام والعمليات الحسابية وتوصل إلى أن قدرة الإله على تلبية طلبات البشر تقتصر على 1,227,433,476 طلباً في اليوم، ونحن نتحدث عن 8,32 مليار نسمة…
شرح لي الآلية التي اتبعها في حسبته، فلم أفهم شيئاً، فأعادها ولم أفهم شيئاً، وأحسست بأن المكواة بدلاً من أن تكوي ثيابه، استقرت في دماغي وراحت تمسح تلافيفه.
خرجنا من الحانة، وتمشينا من “دانداس ويست” إلى محطة “يونيون”، وطيلة الطريق راح يحدّثني عن هنري دانداس، وأنه ليس كندياً بل اسكتلندياً من القرن الثامن عشر، وكان وزير الداخلية ومن ثم وزير الحرب البريطاني ، وأن صلته بـ جون سيمكو الحاكم العسكري لكندا أو نائبه دفعت هذا الأخير إلى تسمية الطريق العسكرية حينها باسم دانداس.
” دانداس هذا ساهم في تعطيل إلغاء تجارة الرقيق 15 سنة، والآن غيّروا اسم الساحة إلى (سانكوفا) اسم قبيلة أو شيء في غانا، يعني قلبوا الآية، وصار الاسم مرتبط بالمستعبَدين وليس المستعبِدين، لكن لا أحد يعرفها إلا بـ (دانداس)، وكذلك محطة المترو التي صارت (تي أم أيو). وهذا يا صديقي كلُّه من الديليفري فحين يصلك شيء وأردت إعادته فهناك شهر أقل بقليل أو أكثر بقليل لتعيده، فكيف إن كان وصل منذ أكثر من 200 سنة!؟”
حين وصلنا “يونيون”، قلت له سأواصل المشي، فعانقني وقال لي:
“إياك أن تحسبني مجنوناً!”
فنفيت ذلك بشدة، وصرت أمشي خبط عشواء، وهبطت علي أغنية مارسيل خليفة “ما بعرفن/ما شايفن /لفوا وجهن بالقهر…” فتراءى لي أنه يقصد “عمال التوصيل” وليس الشهداء، وقد انقسم البشر بين طالبين وموصّلين، والحياة ديليفري بلا ريب.


كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحترف أوكسجين للنشر. صدرت له العديد من الروايات: "سيرة بطل الأبطال بحيرة الانكشاري ومآثر أسياده العظام (1984 هـ)" – (2019)، و"كلاب المناطق المحررة" (2017)، و"ديناميت" (ط1: 2012. ط2: 2018)، و" برّ دبي" (ط1: 2008. ط2: 2018). وله في القصة القصيرة: "سورية يا حبيبتي" (2021)، و"الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص" (2016). كما صدر له شعراً: "ملائكة الطرقات السريعة" (2005)، و"قبل الحبر بقليل" (2000). من ترجماته: "محترقاً في الماء غارقاً في اللهب-مختارات من قصائد تشارلز بوكوفسكي" (2016)، و"طرق الرؤية" لجون برجر (2018)، و"اليانصيب وقصص أخرى" لشيرلي جاكسون (2022). وله أيضاً كتاب مختارات من التراث العربي بعنوان "الإسلام والضحك- نواضر الخاطر في كل مستطرف باهر" (2018)،  و"لا تقرأ هذا الكتاب إن لم ترَ من السماء إلَّا زرقتها" (2023) الصادر عن محترف أوكسجين للنشر.