إذا أردنا أن نعرف ماذا في تورنتو يجب أن نعرف ماذا في اللاذقية
العدد 308 | 25 آب 2026
زياد عبدالله


 

أحب من المدينة طقسها:

اليوم مطر وغداً مطر أيضاً

والصيف مسخرة

وأغسطس مدعاة للتندر

أما كلمة “قيظ” فهي خطأ إملائي بلا ريب.

أحب من المدينة حاناتها، وصديقي ماتييو لا يقبل أن أخرج من حانته إلا مترنحاً!

يروي لي حكايات عجيبة عن مدينته “غوادالاخارا”، ويسقيني نهراً من البيرة لا يقف في وجهه أعتى السدود، وجدولاً مترقرقاً من التكيلا يمسي الرافد الرئيس لذاك النهر الجعوي.

وضع ماتييو حداً لرحلاتي التسكعية في أرجاء تورنتو، كنت أستقل المترو، وأختار محطة أخرج منها إلى ظاهر الأرض، أمشي هنا وهناك، شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، وكلما أعجبتني حانة اتخذت استراحة في ثناياها؛ مع حانة ماتييو لم أعد أجرّب الحانات، ولم أدرجها كاستراحة، بل أصبحت وجهة.

نشأت صداقتي مع ماتييو مع أول كأس بيرة سقاني إياه، وترسخت مع التكيلا حين قلت له:

“لابد أنها عظيمة بما أنك مكسيكي”.

“كلارو كي سي”. أي “بالتأكيد”.

وراح ينوّع منها ويشرح لي عن كل صنف وخصائصه ويحدثني عن مدينة “تكيلا” في ولاية “خاليسكو” ولاية مدينته “غوادالاخارا” أيضاً، وأنا أبدي فهمي لكل ما يقوله بأن أتجرع ما يصبه، متبيناً بجهد جهيد صنفاً واحداً أعرفه هو “خوزيه كويرفو”.

وانهمرت الحكايات اعتباراً من زيارتي الثانية، نصفها مِنْ نسج خياله ونصفها الآخر لا أعرف مِنْ نسج مَنْ أو ماذا! وإن استعاد واقعة حقيقية، سواء من حياته أو حياة أمّه أو حبيبته، فإنه سرعان ما يضيف إليها شيئاً من مخيلته ويمضي خلفه ناسياً القصة الأساسية، كما لو أن مللاً شديداً يحل عليه إن روى الأمور كما حصلت.

فهو إن حدَّثني عن حبيبته، يبدأ بالحديث عن حشرة نادرة تتواجد في مدينته، إن عضت أحدهم نمت مكان العضة كتلة عظمية تصبح جزءاً من الجسد، فحبيبته على سبيل المثال تلقت عضة تلك الحشرة في كاحلها فظهرت عظمة دمّرته، وصار إن قبّلها تحدث في أعماقه نشوة تعادل ممارسة الجنس عشرين مرة، وهذا ما تشعر به حبيبته أيضاً، وهكذا صارت تلك العظمة وردة الحب العظمية، ومرتع اللذة ومركزها، وكملاحظة كاثوليكية عقّب قائلاً:

“تلك الحشرة تتناسب مع حياة الرهبنة وتغني عن ارتكاب المعاصي”.

وجدت في ماتييو شيئاً من خصال أولاد حارتي في اللاذقية، أصحاب المخيلة الخصبة، وخاصة البحّارة منهم، إذ كان يكفي أن يمضي أحدهم على متن سفينة ويعود حتى يمطرنا بوابل من الحكايا العجائبية والوقائع الغريبة أو “الخرط” مسمّى أهل اللاذقية لمن يسترسل في خياله!

وترسخ هذا التشابه حين استغل فرصة خلو حانته من الزبائن، ودخن معي سيجارة في الخارج وصار يتبادل التحيات مع هذا ويمازح ذاك، تارة بالإنجليزية وأخرى بالإسبانية، وصارت عباراته تترجم في خاطري: “أهلين أخوي” و”شايفك” وعبارات لاذقانية قحة،  كما لو أنني بصحبة واحد من أولاد حارتي، ممن كانوا يقفون على ناصية الشارع، يلاعبون سلاسلهم الفضية ويبرزون علب دخانهم من جيوبهم الخلفية وهم يتبادلون التحية مع هذا وذاك، يخرطون وينكتون ويضحكون.

بالأمس شاهدت فيلماً[1] عن صياد من شعب “الإيونت” اسمه تيفي، يؤخذ من جزيرته وخيمته وعائلته وكلابه وثلوجه إلى مصح في مدينة “كيبيك” ليتلقى علاج مرض السل في خمسينيات القرن الماضي، لا هو يفهم الفرنسية، ولا أحد هناك يفهم لغته، وكل تفكيره ومخاوفه منصبةٌ على عائلته وهو يرى أنها ستموت جوعاً ما لم يصطد لها.

على كلٍّ، يروي تيفي في الفيلم حكاية جميلة تقول إن قبيلة كانت تسكن جزيرته يسمونهم “اللامرئيين”، لا يمكن أن ترى منهم سوى آثار أقدامهم على الثلج، ولا يصبحون مرئيين إلا حين يموتون. وتقول الحكاية أن أحد الرجال اللامرئيين وقع بغرام امرأة عادية مرئية، والتي بدورها أصبحت متيمة به حين نام معها، فأصبحت كلها فضول أن تراه وتعرف هيئته، فانتهزت فرصة تأكدها من جلوسه إلى جانبها وهي تنصت إليه وغرزت سكينا فيه، فظهر وتبدّى شديد الوسامة لكنه ميت.

رويت هذه الحكاية لماتييو على أنها حدثت في مدينتي اللاذقية ولم أحتج سوى أن أستبدل الثلج برمل الشاطئ حيث تظهر آثار أقدام اللامرئيين.

أنصت إليها بكل جوارحه، وعقّب قائلاً:

“حكاية جميلة، لكنها لا تصدّق!”

وأردف:

“اليوم يوم المسكال سينيور زياد”.

حدّقت في عينيه، فلم يتمالك نفسه ولا أنا، وضحكنا ضحكاً صاخباً جعل كل من حولنا يسألنا أن نقاسمهم ما يضحكنا.

——————————

[1] عنوان الفيلم: The Necessities of Life / Ce qu’il faut pour vivre

 


كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحترف أوكسجين للنشر. صدرت له العديد من الروايات: "سيرة بطل الأبطال بحيرة الانكشاري ومآثر أسياده العظام (1984 هـ)" – (2019)، و"كلاب المناطق المحررة" (2017)، و"ديناميت" (ط1: 2012. ط2: 2018)، و" برّ دبي" (ط1: 2008. ط2: 2018). وله في القصة القصيرة: "سورية يا حبيبتي" (2021)، و"الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص" (2016). كما صدر له شعراً: "ملائكة الطرقات السريعة" (2005)، و"قبل الحبر بقليل" (2000). من ترجماته: "محترقاً في الماء غارقاً في اللهب-مختارات من قصائد تشارلز بوكوفسكي" (2016)، و"طرق الرؤية" لجون برجر (2018)، و"اليانصيب وقصص أخرى" لشيرلي جاكسون (2022). وله أيضاً كتاب مختارات من التراث العربي بعنوان "الإسلام والضحك- نواضر الخاطر في كل مستطرف باهر" (2018)،  و"لا تقرأ هذا الكتاب إن لم ترَ من السماء إلَّا زرقتها" (2023) الصادر عن محترف أوكسجين للنشر.