أنوريكسيا سياسية وموسيقا
العدد 309 | 12 تشرين الأول 2026
علا صالح


أتقيأ الأخبار وذاكرتي السياسية قبل كل حصة موسيقى. يشرح لي أستاذي البناء العاطفي للأغنية، أهز برأسي، فأنا أفهم التركيب الكيميائي لهرمونات السعادة. القليل من الدوبامين والإندورفين مع الأوكسيتوسين والسيروتونين، وفوالا. أفهم الفرح جيداً، كما ترون.

يرتطم هذا الفهم بغشاء شفاف، مرتداً خارجه إلى ثقب أسود معلّق فوق صورة الأب فرانس[1]. فأصرخ الأغنية كأطفال البعث يرددون الأناشيد العروبية، كببغاوات خضراء صغيرة.

“لا، لا، جدي الصوت في بطنك وادفعيه للخارج. ادفعي، ادفعي بقوة، ادفعي. نعم، هكذا”.

يخرج مولود يعرج مع خلع ولادة. “لا بأس”، يطمئنني ويحثني، “يجب أن تحبي مولودك هذا”.

يبدأ المخاض الثاني: مولود مع نقص أكسجة. الثالث، الرابع، الأربعون. تولد طفلة “سبيعية”، «والذي أجرى دموعي عن دَمَا[2]».

تشرق نجمة الصبح[3] بين مجزرتين ومنفى، فأبكي وجداً. تقول صديقتي إني في حالة عشق دائمة للحياة. أنوريكسيا سياسية مع نيمفومانيا للحياة. الله الله.

إسرائيل تقصف قرية في ريف دمشق. خبر كافٍ لنقلي إلى الطوارئ. «يا جارة الوادي[4]» تُنقَّط في دمي مرتين في اليوم لمدة أسبوع. أقف على قدميّ من جديد.

تباً. قطط وكلاب شاردة وأنا، في مشهد كافكاوي نعانق سلمى في مقبرة شامية. «كذا طبع الملاح[5]»

أستاذي ساحرٌ دون قبعة، مهذب ولطيف ومرح، وأنا وحشية ساخرة وزاهدة أبيقورية. لكن لا بأس، نستطيع أن نجد مساحة في هذا العدم، «فالمرجع والمآل والكلّ إليه، عُرْبٌ وعجم[6]».

بلادٌ خَلَقَتْ صوتي ويداها صوَّرتا أعضائي، تَشْرُقُ نقيّ عظامي وتغرسها أساسات لمدرجات طيارات خاصة في المزة.

إيه يا وطن، «ما لي عمل يصلح للعرض عليك[7]».

أُهرِّبُ عوداً اشتريته في الوقت المستقطع بين طُغيانين، من باب شرقي إلى بيروت. «ما احتيالي يا رفاقي[8]». طريقٌ عسكري وحجر أساس لمستوطنة في كليتي اليسرى.

اشربي الكثير من السوائل. ربما يجب أن تجربي إلهاء الألم.

أحزم حقائبي وأقفز من مطار لآخر. صرت أكنّى ببنت بطوطة. صاحت السودانيات وجداً بحب بلادهنّ، وصاح السوريون: «عوي ولاك».

المقارنات، المقارنات، الفعل الأكثر سورية.

أربعة عشر عاماً من الهروب إلى الأمام، الثيرابي بلغة أجنبية، والاندماج، وقصص الحب الموسمية، أعادتني إلى اغتيال الحريري واغتيال ما كان يمكن أن يكون: صانعة أعواد، عازفة، ودودة كتب، ربما كاتبة أيضاً.

مشكلتي مع النظام شخصية، نعم، شخصية جداً.

تخيلوا، تخيلوا: حراكٌ مخفي وثورة، تحقيقات في الأفرع الأمنية وشهداء. تكميم أفواه وقطع أرزاق، مجازر ومقابر جماعية. تعاملت مع هذا كله، لكن مشكلتي الشخصية لم يحن دورها للآن.

أقف أمامها وجهاً لوجه بمشهد درامي من «غلادياتور»، لكن هذه المرة ينضم إليّ في الساحة فرسان وحكماء يؤمنون أن «الحبّ هو السر[9]».

حسناً، أفرقع أصابعي وأستل ريشتي. دولاب.

فلاش باك: الأخضر الإبراهيمي[10].. دولاب.

دولاب راست واحد.

آااخ، الحجر في الكلية.

دولاب راست اثنين. فيضان مخيم الكرامة.

دولاب راست ثلاثة. عودة معتقل سوري من سجون الاحتلال بعد عام على اعتقاله.

دولاب راست أربعة. الحجر، الحجر.

أُنقَلُ إلى قبو جراحي في الكولا[11]. يقول لي الجراح: «الحجر ليس في كليتك اليسرى».

ماذا؟ وهذا الألم المبرح؟ والثّقَل في خاصرتي؟!

الحجر، استعصاء في المخيلة التحررية. هو عدوى فيروسية يمكن شفاؤها بالمضادات الحيوية والابتعاد عن مصادر العدوى.

هل تعني أنني… هل تعني أننا… هل تعني… «ولا أقول لك، ما علينا، سأكون في حالي والسلام[12]».

————————–

[1] قُتِلَ الأب فرانسيس فاندرلخت مؤسس الأرض في حمص بعد رفضه محاولات عديدة لإجلائه من قبل السلطات الهولندية

[2] موشح أندلسي

[3] قطعة موسيقية من تأليف أسامة عبد الفتاح

[4] أغنية من تأليف أحمد شوقي

[5] سليمى – أغنية من تأليف نوفل الياس

[6] توشيح ديني لأبي المواهب الشاذلي

[7] Ibid

[8] موشح

[9] أغنية الشارة لمسلسل نهاية رجل شجاع

[10] المبعوث المشترك للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية إلى سوريا، أيضاً لقب استخدمه عناصر نظام الأسد في المعتقلات للإشارة إلى استخدام الكرباج الأخضر في جلسات التعذيب

[11] حي في بيروت

[12] مقطع من موشح منيتي عز اصطباري

*****

خاص بأوكسجين