مُؤَرِّخُ الرِّيح
سَأُخْبِرُكَ عَنِّي
لَكِنَّكَ سَتُحَدِّقُ
كَما لَوْ أَنَّ رَأْساً ثَانِياً نَبَتَ لِي
كانَ عَلَيَّ أَنْ أَكُونَ مُؤَرِّخاً
بِنَظَّارَاتٍ
وَكُرَةٍ أَرْضِيَّةٍ أُدِيرُهَا بِسَبَّابَة
لَكِنَّنِي مُتَوَاضِعٌ كَرَجُلِ إِطْفَاءٍ
بِخُوذَةٍ صُلْبَةٍ وَوَجْهٍ شَاحِب
كانَ عَلَيَّ أَنْ أَكُونَ
حَدَّاداً بِمِطْرَقَةٍ وَسِنْدَانٍ فِي أُذُنِ زَمَنٍ ما
أَوْ
صَيْرَفِيّاً بِحُزَمٍ مِنَ النُّقُودِ وَالْمُعْجَبَاتِ
لكنني
سُلَحْفَاةً تُبْحِرُ بِالطَّاقَةِ الشَّمْسِيَّة
كانَ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ أَكُونَ أَيَّ شَيْءٍ
أَوْ حَتَّى تَابِعاً لِلْأَنْبِيَاء
لَكِنَّنِي وُلِدْتُ جَائِلاً
وَعِظَامِي تَشِيخُ تَحْتَ شَجَرَةٍ
يَتَغَذَّى الْمَدْفُونُونَ عَلَى ثِمَارِهَا
وَتَحُطُّ الطُّيُورُ عَلَى جُذُورِهَا
سَأُخْبِرُكَ عَنِّي
ستحدق فِي مُجَرَّدِ فِكْرَة
فِي رِيحٍ تَهُبُّ على حَدَائِقِ الْعَالَم
فَتَتَسَاقَطُ الْمُدُنُ كَأَوْرَاقِ الشَّجَر.
وَجْهُ الْأَرْض
الطَّرِيقُ أَمَامِي يُشْبِهُ الطَّرِيقَ خَلْفِي
لَا مَخَارِجَ لَا عَلَامَات
رِيحٌ تَصْفِرُ مِنْ جَبَلٍ إِلَى عَرَاء
مِنْ جِيلٍ إِلَى جِيل
ثَمَنُ الْحَيَاةِ لَا السِّنِين
مَسْكَنُ الْغَدِ
ذِكْرَى الْيَوْم
الِاتِّجَاهَاتُ دَوَائِرُ
لَا يُمْكِنُنِي الْعُثُورُ عَلَيَّ أَوْ عَلَى مَكَانٍ
أَسِيرُ مَعَ شَعْبِي فِي دَوَائِرٍ
لَا أَتَقَدَّمُ لَا أَتَأَخَّرُ
عَابِرٌ
لَنْ يُنْسَى
لَنْ يَتَذَكَّرَ أَحَدٌ اسْمَهُ
لَنْ يَعُودَ أَبَدا
لَمْ أَسْتَمِعْ لِتَحْذِيرٍ
لَمْ أُكَبِّلْ مَعْصِمِي بسوار عقارب
لَدَيَّ وَقْتٌ مَتَى شِئْتُ سَيَتَوَقَّف
سَيَمُدُّ لِي يَدَهُ إِنْ طَلَبْتُ
بُسْتَانٌ تَنْمُو فِيهِ السَّاعَاتُ
عَقَارِبُهَا أَغْصَانٌ
وَالْنَّدَى ثَوَانٍ طَوِيلَةٌ
فِي عُوَيْلِمٍ يَلْتَقِي فِيهِ الرِّيفُ الْمُطَارَدُ
بِجُنُونِ الْعِظَمَةِ فِي الْمَدِينَة
لَمْ أَسْمَحْ لِلِسَانِ مُرٍّ أَوْ قَمَرٍ مُكْتَمِلٍ
أَنْ يُفْقِدَنِي صَوَابِي
كَالْخَطَأِ مَكْسُورٍ وَسَلِيمٍ فِي آنٍ وَاحِد
النُّقُودُ فِي جَيْبِي كَالْأَسْنَانِ الْمُتَخَلْخِلَةِ
الْفَقْدَانُ ثَلَاثُ وَجَبَاتٍ فِي الْيَوْم
أَصْبَحَ كُلُّ قَلْبٍ مَقْبَرَةً
وَكُلُّ دَمٍ اسْمُ إِن
وَخَبَرُ كَان
آمُلُ عِنْدَمَا يَدْفِنُنِي الدَّمَارُ
تَحْتَ شَجَرَةٍ نَاجِيَةٍ مِنْ غَارَةٍ
أَنْ أَرَى وَجْهَ الْأَرْض
مَنْحُوتاً فِي اللِّحَاءِ
يُحَدِّقُ بِي.
مَلَل
كُنْتُ إِلهاً
لكنني مَلِلْت
تركتُني في أماكنَ لَنْ أعودَ إليها
تَبَعْثَرْتُ نُسَخاً لَمْ أُلَمْلِمْها
أليسَ مِنَ المفترضِ أنْ أكونَ لا نهائياً
عِشْتُ قروناً
تتزاحمُ في تجاعيدِ جبيني
عظامي تَعْرِفُ السومريّة
وألفَ صورةٍ هيروغليفيّة
قَدَمَايَ تتحدثانِ “مُورْس”
وأصابعي “بْرَايْل”
عمودي الفقريُّ يُسَلْسِلُ توقعاتٍ أُهْمِلها
إلى أنْ تباغتَ صدري
إنْ كانَ لا بُدَّ مِنَ العودةِ فاحْرِقِ الجسور
الماضي بلدٌ لا تَحْمِلُ جِنْسِيَّتَه
كُنْتُ إِلهاً
أتسلى برَمْيِ النيازكِ والمذنبات
اعْتَدْتُ أنْ أَعْصِرَ الغيوم
والآنَ أتبخرُ مثلَ بِرَكِ المطر
أتقيأُ مِنَ الحروب
وأتظاهرُ بأنهُ ارْتِجاعُ المَرِيء
اسْتَبْدَلْتُ المعرفةَ المطلقةَ بتصفُّحِ”التيك توك”
والصواعقَ
بِوَلّاعَةِ Bic أَفْقِدُها باستمرار
اعْتَدْتُ أنْ يُصَلَّى لي
الآنَ أدعو ألّا يتمَّ تجاهلي
ألا يُخْتَرَقَ حسابي على الانستجرام
فتضيعَ خطواتي المكنوزة بينَ المنازلِ المهجورةِ
حيثُ ماتتِ الكلابُ وبقيتِ اللافتاتُ تحرسُ
ألا أهان ككلماتِ مرورٍ أَنْساها
أدعو أنْ أتذكرَ سببَ خروجي مِنَ البيتِ
أو دخولي إليه
أتواصلُ بالعينِ مع النسورِ
تحومُ في حلقاتٍ مفرغةٍ كالتواريخِ
فوقَ جُثَثٍ لا أَرى
مِنْ أينَ بدأتْ أو أينَ تنتهي
أشمُّ رائحةَ الإعصارِ لَيالٍ قبلَ أنْ يضرب
فأدورُ عكسَ عقاربِ الساعة
أعرفُ مَنْ سيتصلُ بي قبلَ أنْ يفعلَ
ثم لا يفعل
أتبعُ الصوتَ في القيعان مع الأسماكِ العمياء
أحياناً أطفو كطوقِ نجاةٍ
لكن في المحادثاتِ السريعةِ فقط
أغادرُ جسدي يومياً مرةً على الأقل
عندما أعْبُرُ الشارعَ كما لو أنهُ خيارٌ
وألوحُ للغرباءِ كما لو أنني مُحْتَضَرٌ
يطلبُ الاستماعَ إلى كلمتِهِ الأخيرة
كُنْتُ إِلهاً ذاتَ يومٍ
الآنَ مُسَرْطَنٌ بسيرةٍ ذاتيةٍ
جُلُّها دماءٌ متفحمةٌ وجيناتٌ لمْ أَرِثْها
أبحثُ عن كُتُبٍ شعريةٍ
تعالجني بالصدماتِ الكهربائية
فوضويٌّ مستقيم
أفسرُ أحلامي الملونةَ
بالأبيض والأسود
مهووسٌ بالاكتشافاتِ لكنها لا تحدثُ
إلا في أخبارِ الموت
وما زلتُ أبحثُ عنِ الدهشة
أسمّيها الآنَ آلياتٍ للتكيفِ
كُنْتُ إِلهاً
والآنَ أمشي مِنَ الغضبِ علامةَ تعجبٍ
بقدمٍ واحدةٍ
أو علامةَ استفهامٍ كأحدبٍ منبوذ
أظنُّ أنني سألتقي أنبياءَ غيرَ الذين يمشون على الماءِ أو يصعدون إلى السماءِ
لذا أُبْقي عينيَّ مفتوحتينِ على المعجزاتِ
لكن يغلبني النعاسُ
مضمارُ الخيلِ خالٍ
لا طَقْطَقَةَ حافِرٍ
أسمعُ صدى الرهاناتِ وحَسْب
لا شيءَ
كلماتٌ ليستْ سوى
غنائمِ حربٍ في رأسي
لا شيءَ هو لا شيءَ آخَرُ
لا أحدَ هو شخصٌ ما.
*****
خاص بأوكسجين

