قيلولةُ الجاذبيةِ الأرضية
خَطَرَ للجاذبيةِ أن تستريحَ قليلا
أن تخلعَ حذاءَها الثقيلْ
وتنامَ في كهفِها السريِّ على قمةِ الأفقْ
الآنَ كلُّ الأشياءِ المؤجلةِ تصعدُ إلى الأعلى:
فواتيرُ وديون
مقاعدُ قاعاتِ الانتظارْ
أحذيةٌ ضاقت بأقدامِ الهاربينْ
وحتى الكلامُ الذي ابتلعناهُ خوفاً
يطفو فُقاعاتٍ سامةْ
لا أحدَ يسقطُ ولا أحدَ يصلْ
خرسانةُ المدنِ المسلّحة أُغْمِيَ عليها
تتطايرُ كعلبٍ كرتونية
خيوطُ الأوهامِ والإيديولوجياتِ
تبحثُ عن وَتَدٍ في السماءْ
في اللاشيءْ.. تصبحُ النجاةُ من المستحيل
مجرد نكتةٍ سمجةْ
نجونا من الموتِ لنعلَقَ في منتصفِ المسافةْ
بلا ترابٍ لخطواتِنا، وبلا غيبٍ يقبلُ تضرّعاتِنا
الهواتفُ الذكيةُ تفلتُ من الأيدي
تطيرُ كالعصافيرِ الإلكترونيةْ تغرّدُ بـ “إشعاراتٍ” قديمةٍ عن حروبٍ انتهتْ ولم يَدُرْ بها أحدْ
الموتى يخرجون من القبورِ الطافيةْ
يمشون على الهواءِ برؤوسٍ منكسةْ
الجاذبيةُ غارقةٌ في النومْ
وشخيرُها يحركُ أمواجَ المحيطاتْ
المتدليةِ فوقنا كحِرابٍ زرقاءَ مسننةٍ بالأبيضْ
الشركاتُ العابرةُ للقاراتِ
تلاحقُ أرباحَها المبعثرةَ في الفضاءْ
عاجزةً عن “الضغطِ” ثم “حذفِ الكلّ”
المصارفُ طرحتْ قروضاً طويلةَ الأجلْ
لشراءِ كيلوغراماتٍ من “الثباتْ”
بينما تقفُ الجماهيرُ في طوابيرِ الفراغ
تتدلى أمعاؤُهم الخاويةُ نحو الأعلى
ويشحذون غراماً واحدً من السقوط
ليموتوا بكرامةٍ على الإسفلت
الأمنُ يمنعُ الطفوَ العشوائي
والتجولَ في الفراغِ بلا ترخيصْ
يُسقِطُ عنك مواطنتَك في اللاشيء
فجأةً.. استيقظتِ الجاذبيةُ من قيلولتِها
ارتدتْ حذاءَها الثقيلَ بغضب
وفي لمحِ البصرِ انهارَ كلُّ شيءٍ نحو الأسفلْ:
المدن
الشركات
الأفكار
والجماهير
كلُّنا ارتطمنا بالقاعِ وتفتتنا كالفَخَّار
نظرتُ إلى جثتي المبعثرةِ على الرصيفْ
يقفُ على رأسِها روبوتْ يحررُ لي مخالفة:
الطفو بلا ترخيص
والارتطامُ بأرضِ الوطن
خطةُ الإنتاج
في ضاحيةٍ عشوائية
افتتحوا مصنعاً لتكريرِ الأرق
تُجمعُ الهالاتُ السوداءُ من تحتِ عيونِ الساهرينْ
تُضغطُ في أنابيبَ ضخمةٍ لتسييلِ حِبْر
تطبعُ به الصحفُ الرسميةُ أخبارَها السعيدة
الذين ينامون مبكراً
يُعتبرون هاربينَ من خدمةِ الإنتاج
والخوف..
الخوفُ لم يعد شعوراً غيرَ مرئي
إنه ينمو على جلودِنا بثوراً صفراء
نقشرُها ونقليها بالزيتْ عشاءً مقرمشاً للضيوف
في الصباحِ يطرقُ البابَ معتمدٌ من الحكومة
بحقيبةِ كوابيسَ ملونةْ
يبيعُها لنا بالتقسيطِ المريحْ
لأنَّ العقولَ الخاليةَ من الرعب
قد تفكرُ فجأةً في الطيران
أما الحبْ..ذلكَ الخطرُ البيولوجيُّ العريقْ
عبأتهُ البلديةُ في أكياس
كمسحوقٍ رخيصْ نغسلُ به ذكرياتِنا
لتبدو بيضاءْ مُصْمَتَةً بلا ملامح
في نهايةِ الشهرْ
زارني طبيبُ عامِّ النوايا
وضعَ سماعَتَهُ فوقَ ضميري
ونظرَ إلى عينيَّ بخيبةِ أملْ:
أرقُكَ مغشوشٌ بابتسامةْ
وخوفُكَ لا يكفي لقلي بيضةٍ واحدة
عندما غسلنا أعماقَكَ بمسحوقِ الحبِّ
لم ينظفْ ذاكرتَكَ
طفحتْ منك رائحةُ حرية
من عصرِ ما قبلَ المصانع
ختمَ تقريرَهُ:
غيرُ صالحٍ للاستهلاك
يوصى بإعادةِ التدوير
وألقى بي في شاحنةِ النفايات
لأنّني أفسدتُ خطةَ الإنتاج
للشاعر بلادٌ لا يعترفُ بها أحد
في سورية لا يَموتُ الشُّعراءُ مبكّراً
يرحلونَ إلى كوكبِ رياض الصالح حسين
يرحلونَ
تَضيقُ الأرضُ أكثرَ
ومَنْ يُعمِّر منهم يتعاطى النّسيان
وما أجملَ شعراء سورية
ما أجملَ تمّام هنيدي خلفَ حُجُبِ الكلماتِ الواضحة
فِي السَّكَتَاتِ بين السُّطور
في تلويحة يدٍ..
صورةٍ لم يَمَلَّهَا أحدٌ
لَمْ تقاتل وَحشاً
لَمْ ترمِّم جسراً نسفته الغُربة
حملتَ بين يديك نسخةً مِنْ بلادٍ لا يعترف بها أحدٌ غيركَ
لم يكنِ المرضُ عدوَّك.. المسافةُ كلَّما التفتَّ إلى الوراء
والبيتُ معلَّقٌ في الهواء
غيمةٌ لا تمطرُ
عندَ موتكَ سكتَ الموتُ عن ضجيجه
سحبكَ بخفَّةِ خيطِ حريرٍ من ثوب الساعات
وتركنا نتدبر أمر العيش بملابس ممزَّقةٍ
في سورية يرحلُ الشُّعراءُ فِي عمرٍ صغيرٍ
كبيرٍ بما يكفي لخلود قصائدهم
*****
خاص بأوكسجين

