كل مكان يجتمع فيه الناس هو مصحّ
العدد 309 | 12 تشرين الأول 2026
فراس سليمان


لم يكن

 

أعطاهم فرصاً كثيرة

ليتحكّموا في حياته عن بُعد

الطيبون والأشرار

الأذكياء والأغبياء

هكذا كان يعيش حريته

بطريقة يصعب فهمها

الآن…

هو مجرد صورة على حائط

ولأن معركةَ نسيانٍ اندلعت

سقط الإطار

ثم سقطت الصورة

ثم سقط الحائط.

لا أعاجيب حدثت

لا الميت (حقاً قام)

ولا المستقبل ترك أي أثر

يدّل أن الرجل كان هنا

 

احتمالات نجاة

 

لا حاجة للاستعجال

العالم سبقك بأشواط كثيرة

لا حاجة للسفر

الأمكنة هناك ليست أحسن حالاً

لا حاجة للانتظار

القوانين العادلة

القوانين الجائرة

نظّمت كل شيء

لا حاجة للأمل أو اليأس

الخوف يعمل بدوام كامل

يكفي أن تملأ يومك بالصمت

أو بالموسيقى

ثم تذهب إلى النوم مصدّقاً

أنه على الحدّ الفاصل

بين المنام ونسيانه

تحدث احتمالات

وتحدث داخلها حياة

 

أمنية

 

أنت تمدح العزلة

لأنك لا تعرفها

لن أطلب منك أن تسأل السجناء

في زنازينهم الانفرادية

أو أن تسألني

كل ما أتمنى

أن تقضي وقتاً ممتعاً مع أصدقائك

عائلتك

أن ترتّب أشياءك ورغباتك الصغيرة

كموظف لفرط انشغالاته لا يفكّر بالموت

 

حب

 

الوردة

التي لا ضرورة لتأبينها

في كتاب

في لوحة

في أغنية

يكفي أنها

قضتْ حياتها القصيرة

سعيدةً في يدك

 

أعطها أي اسمٍ تشاء

 

هربت

ومضت بعيداً

لأنها رأت نفسها راعية في قصيدة قديمة

لا ترهق نفسك في البحث عنها

لن تجدها

فمن يستطيع أن يقبض على قطعة غيم

على طيف الوقت

على روح

 

هناك

 

يتوقف الأرنب البري

أتوقفُ

أنظرُ إليه

ينظر إليّ

يمضي

وأمضي

هنا الحياة سريعة وبطيئة

الذين لا يعرفون

أين وكيف أعيش

كأني أخبرهم عن فداحة الطارئ

عن حاجة الغموض إلى أرض

 

مصح

 

لأن عقولهم وأجسادهم

لم تعد تعينهم على إكمال الحياة

العاجزون عن المُضي قُدماً

الذي وُضعوا في الحجز

الذين يتلقّون رعاية مريبة

لا تسألهم

ماذا تعني لهم البيوت…

الأمس أو الغد؟

الممرضة

والتي أكثر ما تخشاه

أن ينتهي الفصل الأخير من أيامها

في المكان الذي تعمل فيه

أدركتْ عدم قدرتها على فهم الداخل والخارج

لذا ما إن تخلع ثوبها الأبيض

تتجه إلى بار قريب آملةً أن تتحدث مع غرباء

ربما لن يضيرهم الكلام

عن القسوة

عن الألفة

أو لتصمت…

لتنسى

لكن اليوم الرجل السبعيني

بعد أن تبادلا الكثير من الجُمل الناقصة

قبل أن يغادر قال:

لا تحزني يا صغيرتي

كل مكان يجتمع فيه الناس هو مصحّ

 

*****

خاص بأوكسجين

 


شاعر من سورية مقيم في الولايات المتحدة. صدر له العديد من المجموعات الشعرية منها: "المدينة التي أسكنها بعيداً" (1989)، و"رصيف" (1992)، و"هوامش" (1995)، و"امرأة مرآتها صياد أعزل" (2004)، ومجموعة قصصية بعنوان "الأشعث والرجل الضليل" (1996). صدر له عن محترف أوكسجين للنشر "كاميرا قديمة ما زالت تعمل" (2023)، وكتاب "صناديق بريد منسية – قصائد مخيم الزعتري" (2023) وهي قصائد أعدّها واختارها من ورشة كتابة الشعر التي أقامها في مخيم الزعتري للاجئين السوريين.