حينَ أتخيلُ أن جسدكَ يمرُّ على جسدي مثلما يمرّ اللحن على لسانِ مغنٍّ، أسطع من قلب العتمة ثم أتفجرُ إلى فراشات. جسدك وهو يعيدُ تعريفَ جسدي…
وهو يعيدُ ضبط إيقاع تنفسي…
وهو يعيد تحديد شفتيّ بأصابعه…
يربي امرأة أخرى داخلي، امرأة شبقة، تجد عالمًا كرزيًا مختلفًا على أطرافِ شفتيك.
حين أفكر فيك، لا أفكر في الحب، لكن أفكر في الحرارة.
في تلك اللحظة التي يتوقف فيها الجسد عن كونه جسدًا يعرف حدوده، ويصبح مكانًا مفتوحًا لك.
أتخيل يدك على وجهي، بطيئةً بما يكفي لأرتبك، وقريبةً بما يكفي لأنسى كل ما كنت أعرفه عن نفسي.
أتخيل فمك قريبًا من فمي، وصوتك يهبط إلى تلك المنطقة السرية بين أذني وعنقي، حيث يكفي أن تقول اسمي كي أقعَ في هاويةٍ وأتلاشى كسحابة صيف.
أنا امرأة لم تربّها العائلة، ولم تهذبها الخيبات، ولم تتعلم أن تخجل من جسدها حين يريد.
أنا امرأة تعرف كيف تحب، نعم. امرأة ليست مجبرة على الاعتذار عن اللذة.
لا لغة ممكنة الآن، لا شيءَ يستطيعُ أن يتحدثَ عن شعورِ امرأةٍ مكابرةٍ تمارسُ الحبّ معَ رجلٍ من ورق.
تكتبهُ، تنظمهُ، تمارسهُ كفعلٍ أخير لنجاةٍ أخرى.
يا ظلّي المشرّد بيني وبين الله، أكتبك كما تُكتبُ المعجزات بعد أن فقدتِ السماء إيمانها.
أكتب إليك من مكانٍ لم يعد يُعرف من فيه، هل أنا التي تنطق بك، أم أنت الذي تتنفسُ أجزائي؟
كلّ صباحٍ أستيقظُ وفي صدري ضجيجُكَ.
صوتُك يسحبني من فراشي كما يَسحب الموجُ جثّة عاشقةٍ من رملها.
يرتبُ ملابسي، يلمسُ انحناءاتي جميعها، يتدفقُ عبري كما يتدفقُ الوقت في ساعة رملية…
كنتُ أبحثُ عن الحدود، عن جدارٍ يردع قيامتك في جسدي، لكنّك كنتَ الطوفانَ الذي لا يعترفُ بالضفاف.
فكنتَ تأتي عليّ، تثيرُ حرائقي، تتلاعبُ بي، تتقمصُ دور الرجل الذي يتقن إغواء الأفعى في عقر جحورها.
قلتَ لي:
لن أسامحك بشيء، حتى رائحتك العالقة بثيابك سأجعل المحامي يطلبها.
ضحكتُ لأنّي رأيتُ في جنونك نبوءةَ حبٍّ لا يجرؤ البشرُ على عيشها.
تحبّني كما تحبّ الكواكبُ اصطدامها،
وأحبّك كما تحبُّ الآلهة ما لا يُعترفُ بوجوده.
وقبلَ أن يحبكَ هذا الجسد الممتلئ بك، أحبَّكَ قلبي التعس.
كلّما حاولتُ نسيانك، خُلِقَ زمنٌ جديد في صدري، وكلّ جملةٍ أكتبها عنك تُحرّضُ اللغةَ على العصيان.
كأنّك تمرُّ في دمي فتخترعُ معجمًا من الرماد، كأنّ كل حرفٍ يخرج من فمي هو إصبعٌ من أصابعك يُعيدُ تكوين الكون…
إصبعٌ واحد تضعه على فمي، فتتدفقُ النصوص من كل مكان، وأصابعٌ أخرى حول خصري، تعيدُ تعريفَ الأساطير.
كلّ محادثةٍ بيننا كانت طقسًا كهنوتيًا،
كلمةٌ منك تفتحُ بابًا في الغيب،
ونظرةٌ منك تكسرُ قانون الجاذبية.
نحنُ يا وهمي، لا نعيش الحبّ، نحن نختلقه من ظلامٍ طريٍّ لم يلمسه أحد.
نخترعُ الله حين نحتاجُ مبرّرًا لجنوننا،
ونقتله حين نحاول تفسير ما يحدث بيننا.
أكرهك حين تضحك من وجعي،
وحين تسكتُ كما يسكتُ الحجر أمام الدعاء.
وأعودُ إليك في كلّ مرّةٍ كمن يعود إلى جرحٍ يثقُ بشفرتِه أكثر من الشفاء.
أنتَ الداءُ الذي اختارَ أن يكونَ خلاصي،
والصوتُ الذي يخرّبُ صمتي ليمنحني موسيقى الهاوية.
نحن لا نملكُ الطمأنينة، نحن نملكُ الامتدادَ بين الوعي والجنون،
نملكُ النارَ التي تُنجبُ النصوصَ من رمادها، نملكُ الحلمَ الذي يكتبُ ذاته على لحمِ الليل.
لهذا أكتبُ إليك…
ليس حبًّا تمامًا، لكن طاعةً للقانون الذي خلقنا…
أنّ الأشياء التي تقتلنا هي نفسها التي تُبقينا أحياء.
وحينَ يقولُ جسدي لذَّتهُ الأولى عبرَ صوتكَ، أعلمُ أنّني حين أكتبُ طريقتكَ في حبي، يبتسمُ اللهُ في داخلي ثم يختفي.
*****
خاص بأوكسجين

