لم يحدثِ الأمر دفعةً واحدة كما يليق بالانهيارات الكبرى،
لم أسقط كمدينةٍ تحت قصفٍ مفاجئ، ولم تُفجرني عبوةٌ لغوية ناسفة، ولم أنتهِ في مخيمٍ يعاني نقصاً حاداً في الاستعارات.
لقد تفككتُ ببطءٍ دقيق، كأنّ أحدهم كان يفكّ أعضائي فكرةً، فكرة، أو هو يعيدُ برمجةَ إنسانيتي وفقَ الألم الحديث.
يُطفئُ قطعةً صغيرة في كلّ مرة، ويعيدُ تشغيلَ العالم من جديد.
وكنتُ أصفّق لهذا الخراب كأنّه خلاص، أصفقُ للمسرح اليوناني الذي يقيم في عينيك، وللأسود التي تريد طحنَ خاطري، وللبؤسِ الذي غمرتني به وكأنك سانتا كلوز يريدُ أن يُبهج ما تبقى من طفولتي.
كنتُ إنسانة كاملة قبلك، لم أكن كاملةً.. لا..
كنتُ ممتلئة..
ممتلئةٌ بالارتباك كفتاة عذراء لم يلمسها رجل، ممتلئةٌ بالضحكات على نكاتكَ المثيرة للشفقة، ممتلئة برعشةِ ما قبل الجسد.
كنتُ أخطئ دون أن أتحوّل إلى خطأ، وأحبّ دون أن أختفي.
ثم جئتَ…
ولم تأخذني كما أنا،
نظرتَ نحوي بعينيّ رجلٍ تدربَ على سلخِ من حوله بأرفع سكينة ممكنة، وأعدتَ ترتيبي بطريقةٍ لا تشبهني.
في ذاكرتي، ينامُ جسدكَ داخلَ جسدي، ويروقني كيف تنسجم القطعُ الناقصة مع أشيائك.
يروقني كيف كنتَ تلهثُ كحيوانٍ بريٍ وكيف كنتُ أتعرقُ عن كلينا.
يروقني صوتكَ وهو يخرجُ ملهوفاً من حنجرتي، ممتزجاً بلغةٍ لا يفهمها سوى العشاق.
لكن.. كان لا بد من أن تتركَ بصمتكَ على خرابي..
فبدأتَ من أبسط الأشياء، سحبتَ دهشتي من القصص الصغيرة، ثم نزعتَ الطمأنينة من صوتي،
ثم أقنعتني أن طيبتي عبء، وأن نقائي سذاجة، وأن عليّ أن أكون أقلّ إنسانية كي أبقى.
وتفككتُ..
في البداية لم ألحظ، كنتُ أظنّ أني أنضجُ!
أنني أتخلّص من الزائد الذي يخيفكَ في،
لكن ما كنتَ تفعله لم يكن تهذيبًا، أظن أنه كان تجريدًا.
فلقد جرّدتني من نفسي، طبقةً بعد طبقة،
نصاً تلو نص وقصيدة حتى النهاية.
هل تعرف كيف يصبح الإنسان حجرًا؟
حين يمنح فيها قلبه، ويُعاد إليه كجثة.
حينَ يظن أنه أعطى، ولكن لم يعد يُدهش..
أنا لم أعد تلك التي تعرفها، لم أعدْ أعرفني، فقدتُ طريقتي في الجلوس وحيدة، فقدتُ وجه المرأة الجميلة في المرآة، فقدتُ رائحتي وغريزتي وحاستي السادسة، وطريقتي في الكتابة.
لم أعد تلك التي كانت تلمعُ من الداخل، لم أعد أرتبك حين أحب، ولا أرتجف حين أشتاق، ولا أكتب لأنني أشعر…
أنا الآن أكتب لأنني أتذكّر كيف كان الشعور.
هل تفهم الفارق؟
أن تتحوّل من إنسانة تعيش، إلى ذاكرة تحاول أن تتذكّر الحياة.
لقد نجحتَ في صناعة نسخةٍ حجرية مني، نسخة لا تنكسر، نعم،
لكنها أيضًا… لا تنبض.
نسخة لا تُخدع، لكنها أيضًا لا تُحب.
نسخة لا تبكي، لكنها فقدت القدرة على الفرح.
كنتُ أظن أن أسوأ ما قد يفعله الحب هو أن يُحطّمنا،
لكنني اكتشفت أن الأسوأ…
أن يُعيد تشكيلنا على نحو لا نعرفه.
أن نستيقظ يومًا، ونجد أنفسنا غرباء داخلنا.
أنا لا أكرهك، فالحجارة لا تكره.
ولا أحبك، فالحجارة لا تحب.
أنا فقط…
أنظر إليك الآن، كما ينظر تمثال إلى نحّاته دون أيّ امتنان.
أن اليد التي صنعت هذا الصمت داخلي، لم تكن يومًا تفهم معنى الصوت.
وأفكرُ… في تلك الزاوية التي لطالما جمعت حطامنا:
هل كانَ ذلك الحب، يستحقُ هذا العناء؟
*****
خاص بأوكسجين

