أذكر كثيراً من حكايات الطفولة، حين كان الزمن يمضي بطيئاً كصديقٍ لا يودُّ المغادرة، والأرض كبيرة جداً مثل أعجوبة، لا تكف عن إدهاشك بالجديد كلما قطعت دروبها. العالم الكبير ببلدتنا الريفية بدا أيضاً في متناول اليد. كأنه مخلوقٌ لنا وحدنا. الشوارع الفارغة من الزحام مثلت ساحات لعب مجانية، لولا بعض العجائز المنزعجين من الصياح، أو اصطدام الكرة بجدران البيوت. نعقد معهم الصفقات أحياناً، فيقبلون بحلٍ وسط بعد أن يئسوا من احتواء طاقات الطفولة، ورغبتها في الانطلاق. نخفض أصواتنا حيناً؛ لتمرير الاتفاق، وضمان اللعب في مكانٍ آمن قرب دورنا، لأن الساحات الواسعة يشغلها كبارٌ وأشقياءٌ لا يودون اللعب ضمن شروط المنافسة، بل يأتي بعضهم خصيصاً لتفريغ طاقات عدوانية ضد الأصغر منهم، أو السطو على الكرة والهرب بعيداً. نجري مبارياتٍ بها في أوقات ملائمة، ثم نعود إلى عالمنا المحبوب.
نَمدُّ خطواتنا إلى مواضع جديدة كلما كبرت أجسامنا قليلاً، تحيط بنا حكايات الأمهات والآباء والأقرباء، تُلبس العالم ثوباً مغايراً لما تراه أعيننا الصغيرة، فرجل أو امرأة غريبة تقترب منا لتمنحنا بعض الحلوى ليست إلا لصة تسرق الأطفال، الليل مرتع لعفاريت ومردة ذوي مكرٍ وقوى خارقة لا يمكن الاحتيال عليها، لكنهم لا يُؤدبون إلا طفلاً عنيداً يشق وحده طرقاً بعيدة، القطط والكلاب السوداء أرواح شيطانية مجسدة، تستعد للانقضاض في الوقت المناسب، وهناك حياة أخرى تحت الأرض التي نمضي فوقها، إذا كنا غاضبين علينا ألا ننسى وجودهم؛ لأن دبدبة أقدامنا بقوة تطرق رؤوسهم، وهم وحدهم من سيحددون وسيلة الانتقام.
جعلتني هذه الحكايات أُلُفُّ نفسي بالغطاء من الرأس إلى القدم حين أرقد على سريري، تعودت التنفس في هذا الوضع، ففي ظلام الغرفة خارج هذه الشرنقة تسبح كائنات الحكايات وأطيافها المرعبة؛ لتنقض على الساهرين وحدهم من دون إخوتهم الغارقين في النوم، وكنت أنا ذلك الطفل المؤرق، حيث النوم جائزة لا أحصل عليها إلا بالمشقة. لم يخلُ الأمر من قصصٍ ساخرة في أوقات الراحة وخلو البال، وهي في مجملها عن ريفيين يتجولون بالمدينة للمرة الأولى، يبحلقون في فتياتها الجريئات ذوات الشعور الطويلة المنسدلة، والأزياء العصرية المنفتحة، وتَذُوقُ ألسنتهم طعامها. حكايات شيقة أيضاً عن جِنِّيات طيبات، وبطولات “الشاطر حسن” وبعض المغامرين إلى جانب أغنيات ليالي الزفاف المازحة.
كبرنا، وظلت قصص وأغنيات الطفولة كامنة في الروح، نُقلِّبها أحياناً بمرحٍ ونعيد إلقاءها على أطفالنا، أو نستعيد بها ألفة الراحلين عنا. انتقلنا إلى الكتب، حيث يقوم التدوين بدور الشرح والتحليل، أو التصنيف لروايات واقعية أو خيالية، استوعبنا اللون الذي أحبه أهلونا، عرفنا أن حكاياتهم تميل إلى الخيال والفانتازيا. فهمنا وظيفتها لديهم: الحفاظ علينا من خطر الغرباء، والمفاجآت المتخفية في الظلام، أو الطرق الوعرة وسط براح الأراضي المزروعة، والمقابر الساكنة على جانب منها كوحشٍ جاثم على الأرض، تحوى أحشاءه لغز الحياة كلها.
هل كانوا يؤمنون أنهم يحكون لنا حكايات واقعية وليست خيالاً محضاً؟!
الإجابة نسبية ما بين “نعم أو لا” حسب الراوي. تحتاج الإجابة القريبة من الدقة إلى خوض رحلة تخيلية إلى أجداد البشر الأوائل الذين سكنوا الكهوف والوديان الموحشة، حيث لعبت القوة دوراً أساسياً في تحديد المصير، حتى النباتات تكيفت؛ لتحافظ على بقائها، أشهرتْ بعض أنواعها أشواكاً، أو استطالت سيقانها، أو نفثت أوراقها رائحة كريهة بمجرد أن يلوك خضرتها حيوان جائع.
كانت الطبيعة وحشاً آخر، بل وحوشاً كثيرة غامضة: الحر اللاهب أو البرد القارص، الجفاف أو الفيضانات، الزلازل أو البراكين، البرق والرعد، رحلة الشمس بالسماء، فيما اُخْتص الإنسان وحده وبقدرة عقلية مهيأة للنمو والتطور على السؤال؛ للبحث عن الغاية، لكن لأن أدوات اكتشاف الإجابة كانت غائبة، فقد حلّت الحكاية محلها؛ أضحت وسيلة لاستيعاب التقلبات.
الحكاية الشفاهية إذاً ذات وظيفة تفسيرية، محاولة من القدامى لوضع العالم المحيط في إطار مفهوم، لمواجهته. لم يكن الأمر فناً خالصاً؛ بعض علماء الأنثروبولوجيا يخبروننا أن الرسوم الأولى على جدران الكهوف كانت بغرضٍ دينيّ، أو لرغبة امتلاك روح القوة في الحيوانات، لاعتقادهم أن نحت صورها يعني حبس روحها والسيطرة عليها، وهي وظيفة مبكرة للفن، فالرسم والحكاية الشفاهية أو التدوين تعني السيطرة على الشيء من خلال فهمه، بل واللعب معه.
سنمضي معهم وهم يشكلون قرى ومدناً كبيرة، يؤلفون الأساطير كأسطورة “إيكاروس” مثلاً، وهو شاب يوناني يقرر مع أبيه الهرب من الجزيرة التي يعيشون عليها، فيصنع لكل واحد منهما جناحين، ثم يحلقان عالياً بالهواء، لكن الزهو والغرور يسيطر على الشاب حين يرتفع عالياً، فيتجاهل نصيحة الأب بالابتعاد عن الشمس، حتى إذا اقترب منها إلى الحد الخطر ذاب الشمع الذي يلصق الريش بذراعيه، فيسقط في البحر.
أو يؤلفون ملاحم البطولة أو مآسي الأقدار أيضاً مثل ملحمة “جلجامش” في بلاد الرافدين، حيث الرحلة إلى أقاصي الأرض ومغاراتها العميقة، وسيلة للعزاء والمعرفة. أو يوقِّعون بالشعر والنثر خطوات الجماعة البشرية في حروبها، وعلاقاتها التي تتشكل على هدي قيمٍ وعاداتٍ تترسخ حيناً، حتى تأتي تجارب كبرى، فتزيح جزءاً من تلك العادات وتبدلها بأخرى. نصل إلى تراثنا الشرقي المُدوَّن، البعيد والقريب، لدى المصريين القدماء – البابليين – الآشوريين – الفينيقيين وغيرهم، نلاحظ القصص والأشعار وهي تبدو ذات وظيفية تعليمية، أو دينية، أو تأكيداً للهوية القومية، فإذا تقدمنا من النقطة البعيدة إلى النقطة الأقرب حيث سعت الثقافة العربية إلى توحيد شعوبٍ مختلفة الأمزجة، والتراث، والهويات رأينا كيف تضافر ذلك وتطور إلى حكايات السيرة، والأنساب، والحكايات الشعبية التي حملها التجار عبر الصحارى والبحار من بلد إلى آخر، كل ذلك ظل محفوظاً داخل العقول، تتناقله الألسن، فتُعِمل به بعض التصريف، حتى وصلنا إلى تدوينه أيضاً، فثبتت تفاصيل متفق عليها، وأزيحت أخرى.
هكذا نكتشف أن الحكايات المنطوقة عبر الأزمنة لم تكن أصلاً، ثم تلتها تلك المدونة، بل كان هناك ارتباط بعد البدائية الأولى بزمنٍ كبيرٍ بين الاثنين. صار هناك متنٌ مدون على ألواح الصخر والبرديات تمتح منه أذهان العامة لأساطير الأبطال، أو صراع الصالحين والأشرار داخل وديان مليئة بكائنات لا تُرَى، فتزيد عليه، أو تُغيِّر بعض تفاصيله، لتناسب مكاناً أو زماناً بعينه. ومن التجربة والتفاصيل يولد المثل الشعبي، تتناقله الألسن مع ما تتناقله من تراث الأجداد للعبرة، أو لنقل العادات والتقاليد، أو للعب والمرح والتخويف.
هكذا يصبح الأدب الشفاهي الشعبي رافداً أساسياً للإبداع، فهو المادة الخام لثقافة الشعوب، وقيمها، وأحلامها المنقولة عبر الذاكرة الجماعية. انتبه الشعراء والكتّاب والمفكرين منذ بضعة قرون إلى ما فيه من قوة إبداعية، فبدأوا جمعه وتدوينه في كتب تحفظه من النسيان أو التجاهل خصوصاً بعد تحول المجتمع من النمط الزراعي الإقطاعي أو التجاري البسيط إلى المجتمع الصناعي الحديث. قرأنا عن الأوربيين وهم يجمعون الحكايات الشعبية لبلدانهم مثل “حكايات الأخوين غريم” بألمانيا. بعدها جُمعت “ألف ليلة وليلة”، فصارت نهراً فياضاً غذى وألهم عدداً هائلاً من الكتاب كـ بورخيس، وغيره من الكتاب الأجانب، إضافة إلى الكثيرين جداً من الكتاب العرب سواء من خلال أسلوبها الفني (حكاية داخل حكاية)، أو من خلال رحلات أبطالها العجيبة، وخيالها الساحر الدال على أفكار وأحلام الناس في عصور إبداعها.
استفاد المبدعون العرب إذاً من التراث الشرقي بخاصة والإنساني بوجه عام (من الأساطير، الملاحم، السير والحكايات الشعبية، النكت والأمثال وأغاني الزفاف التراثية). سأقف عند مثالين لهذا الاستلهام، فأبدأ بـ نجيب محفوظ، حيث كان واعياً لما في التراث الشفاهي من قدرة على كشف نفسية الشعب وآماله، وما فيه من مادة قصصية خام وشخصيات متعددة، كل منها تدلل على نمط بشري، فتعامل معه في أكثر من رواية، منها مثلاً “ملحمة الحرافيش” التي كان اسمها دالاً على صياغة ملحمة بطولة شعبية اتساقاً مع مضمونها؛ ومع شكلها الفني الذي يميل إلى تدوين سيرة متخيلة لآل عاشور الناجي، وثمة رواية أخرى كان لها ذلك الطابع الملحمي، حيث السفر مرادفاً للمعرفة وهي “رحلات ابن فطومة”. ضَمَّن محفوظ أيضاً روايته “ليالي ألف ليلة” أجواء الليالي، وجلب عدداً من شخصياتها الخيالية، ليعيشوا في حارة معاصرة، غير أنه لم يتوقف عند استلهام أسلوب السيرة والحكاية الشعبية والملحمة كطريقة للبناء الفني، ولا للاستفادة فقط من شحنتها الدلالية، لكن لتصبح هيكلاً رمزياً لمعاني إنسانية جديدة تتماهي مع سمات البشر الأساسية في الماضي والحاضر معاً.
التعامل الآخر مع التراث كان بواسطة استلهام أسلوبه اللغوي القابل للإلقاء عند يحيى الطاهر عبد الله مثلاً، حيث صاغ قصصه بلغة شاعرية، وحسٍ شفاهي، أو استلهم من الحكايات الشعبية نفسها بعض مواقفها في مجموعته القصصية “حكايات للأمير حتى ينام”، و”الحقائق القديمة صالحة لإثارة الدهشة” وأجوائها، والكاتب خيري عبد الجواد، وكذلك خيري شلبي\ الذي كانت رواياته أرضاً براحاً تنطلق عليها الشخصيات الشعبية بثقافتها وسلوكها، أو بالتماهي مع بنية الحكاية الشفاهية في كثير من أعماله، ولا يزال ذلك الأدب بكل تشكيلاته منبعاً مهماً لكثير من الأعمال الإبداعية المكتوبة.
الحكاية الشفاهية لها طبقات، تشبه ذلك الساحر النحيل الذي رأيته في حفل مدرسي، كنا صغاراً نتطلع إلى يده وفمه وهما يضاعفان كرة بيضاء صغيرة إلى مجموعة كبيرة من الكُرات، ويطلق من شرائط ملونة عصفوراً يُحلِّق أمام عيوننا، أو يملأ إناءً كبيراً بماء ينبثق من قمعٍ فارغ. كدت أشق الصفوف حينها بعينين مذهولتين، وقلب يخفق رغبة في الحصول على نقود كثيرة من قطعة معدنية صغيرة بجيبي، وعدة كرات للعب لا يقلقني ضياع إحداها، لكن الزحام كان شديداً، والتلاميذ الأكبر منتفخون بالزهو، هؤلاء الذين يربطون شارات الشرطة المدرسية على أكتافهم، يدفعوننا بعيداً، كي نقف عند حدود المشاهدة.
لم أصدق مُدرّستنا حين عدنا من الحفل، كانت تشرح لنا بحسٍ نقدي مبكر أن هذه مجرد ألعاب سحرية، فكل ما ضَعَّفه الرجل أمامنا كان موجوداً بحوزته، وكل مهارته تقوم بإظهار شيء وإخفاء أشياء، حتى يأتي وقتها. لم أحب ذلك التفسير، رغم ثقتي بصاحبة الحكايات الرائعة في حصة المطالعة. كان الرجل الذي يشبه الحكاية الشعبية موجوداً دائماً في المُخيِّلة، ينتج أشياء باهرة من شيء بسيط، هو كالحكاية الشفاهية، يبدو بقوة خارقة رغم نحافة جسده، مليئاً بعالمٍ كبير رغم تلقائيته، وطبقات لا نراها إلا إذا ركزنا جيداً إلى ما وراء الظاهر، وبدأنا تدوين قصصنا.
للتعرف أكثر على أعمال فدوى روحانا زوروا: https://fadwarouhana.com/
*****
خاص بأوكسجين

