صمتٌ آدمي قلق ومترقب، يشعر به نعيم عبر النظرات الحذِرة والأنفاس المشحونة. مؤكد ألا علاقة للأمر بأحوال الطقس، فأجواء الظهيرة معتدلة مع لسعة برد خفيفة، تقشعر من أثرها أهداب ذراعه ورأسه الأصلع، حيث لا يضع فوقها «كاسكتة» أو طاقية من أي نوع، وغالباً ما لا يتخلى عن قمصانه نصف الكم إلا مع اشتداد البرودة في نهايات الخريف وبشائر المطر، رغبةً في حرية الحركة والهرب من منظرٍ يوحي بنوع عملٍ أو حرفةٍ ما. تُلاحق عيناه السنجابيتان، من وراء زجاج السيارة نصف المفتوح، ندف السحب البيضاء والرمادية وهي تهرول بالسماء، يبصرها تُلاعِب الشمس وتخفيها في أرحامها أحياناً، فإذا ما أفلتت الأشعة من فجواتها كانت على شكل أنابيب متفاوتة الأقطار، تربط الأرض بالسماء عبر أنوارٍ شاهقة الارتفاع، ثم تولد الشمس كلها من جديد مرة، واثنتين، وثلاثة، و…، اللعبة بين قطيع السحب والقرص الأبيض الناري لا تنتهي. بدا له أن الصراع في الأعلى رهيفاً، لكنه حاسم، بين النور والظلام، بين السخونة اللاهبة والبرد الزمهرير، بين الهدوء الذي يوحي بالسكينة وقعقعة الرعد التي تُذكِّر بالنهاية.
المحطات تتوالى، ينزل راكب أو اثنين، ويصعد آخرون من المنُتظرِين على الطريق مكانهم. معلقاً بالسماء حيناً يرقب نعيم براحاً من نوع خاص، يربط نفسه بطائر يُحلِّق عالياً بالفضاء، حيث لا قيود أمامه ولا حسابات. يتمنى أن يصبح خفيفاً وذا جناحين كبيرين، لكن بوعيه الإنساني الآني، لا بوعي طائرٍ لا يُدرك عِظَمَ ما يحيا.. وحيناً تعود عيناه إلى داخل العلبة الحديدية مبطنة المقاعد بجلد تَمزَّقَ بعضه أو اتسخ.. الهواتف المحمولة تشد الصغار، تتحرك أصابعهم بين الألعاب ورؤوسهم محنية نحو الشاشة، أما الكبار فأنظارهم غالباً مصوبة نحو ما يحملونه باليد، أو يضعونه إلى جانب أقدامهم. لا فرق كبير بينه وبينهم، فكتبه التي اشتراها من المكتبة بعد انتقائها بعناية ساكنة في حقيبته فوق فخذيه، فرَّ صفحاتها لدقائق قبل أن تقلع السيارة، فجدد إحساسه بالفرح كونه على موعد مؤجل مع المعرفة والخيال. يختلس من أيامه ساعات قلائل للمطالعة، يتحمل في سبيلها كل مشقة العمل وطلبات البيت؛ كي يقعد في المساء على كرسي مكتبه، يُقلِّب الكتاب بين يديه بتأنٍ، يقيس طوله وعرضه بنظراته، يتنسم رائحته وهو يُقرِّبه من وجهه، يعاود قراءة عنوانه واسم مؤلفه ولوحة غلافه قبل أن يفتحه ويغرق بين سطوره.
هَجَرَ عادة القراءة داخل وسائل المواصلات رغم الوقت المتوفر له فيها، لا بسبب التطفل وحده، فعلى العكس من ذلك، الفُرَصُ غير المتوقعة تكمن غالباً في اللقاءات العابرة؛ تَعرَّف منذ سنوات على مثقفين ومتابعين وهواة كتابة الشعر والقصص في قطارات الدرجة الثالثة، وسيارات الميكروباص، وأتوبيسات النقل العام في المشاوير الطويلة، ربما كانوا يبحثون مثله عن مشاركة أفكارهم وعواطفهم، خلال هذه البهجة المقتطعة من لحن الزمن الشجي تُجْلَي مشاعره، يتجدد نشاطه العقلي وقدرته على المحاورة، يكتشف نقاط قوته وضعفه، لكنه بدَّل عاداته بعد أن صادف موقفاً لم يتوقعه رغم قراءته لشبيهه في الكتب.. كان يطالع رواية جديدة في القطار، فاجأته غمزة في كتفه ترافق معها رائحة كامدة تقترب من أنفه، أمال وجهه ورفع عينيه إلى جانبه، فرأى كهلاً مدبوغ الوجه يحتل الفراغ موجهاً له السؤال: «إيه معنى الشيوعية يا أستاذ؟». تمهل نعيم لحظات وهو يعيد النظر إلى ما حوله، كان يقف بطرقة القطار كثيرون، وفوق حوامل الحقائب يجلس أو ينام آخرون، اصطاد من نظراتهم أحاسيس متفاوتة بين الاتهام والتعجب والشفقة. رد ببداهة دفاعاً عن نفسه: «لا أنتمي لحزب شيوعي، ولا فكرة عندي عن الموضوع»، لا يعرف لم ارتجفت قدماه رغماً عنه، وجَفَّ حلقه، حاول التماسك؛ كي لا توقعه حركة مضطربة في أي فخ، لكن الكهل لم يدعه في حاله، صوب إصبعه نحو الكتاب وهو يميل برأسه ويرفع حاجباً، ضم نعيم دفتي كتابه قائلاً: «هذه رواية، يعني قصة حب ومغامرات أتسلى بها»، ثم لام نفسه بعد العودة إلى منزله على تخاذله. أقنعته نظرة إلى عيون أطفاله بأنه تصرف بحكمة واقعية. ثم انتقم ليلتها بطريقته؛ استعاد الموقف وهو متكئ على «الفوتيه» بالصالون، استحضر السائل ورد عليه أمام الجمع الذين شَكَّلهم من ذاكرته أيضاً: «يا حمار، أقول لك ولكل جهة تنتمي إليها: إن الحقيقة الكاملة لم يصل إليها أحد»، ثم صفعه على خديه بقوة صدمت الجميع، فتراجعوا أو انصلبوا في أماكنهم وأداروا وجوههم إلى الناحية الأخرى، ورغم إحساسه بمناقضة نفسه ما بين إيمانه بأن المناقشة ينتصر فيها صاحب الحجة القوية، وما بين رده العنيف المهين للآخر إلا أن أعصابه استراحت. اكتشف من جديد متعة الحديث إلى النفس، أو إعادة إخراج المواقف الصعبة بينه وبين الآخرين بطريقة مُرْضية له.
يتمطى الصمت في المساحات الفارغة من العربة، لا عجب! أصبح اعتزال الآخرين عقيدة داخل المواصلات والأماكن العامة، لا تُفرِج الشفاه الشاحبة المضمومة عن ألسنتها الحبيسة إلا إذا دعت الضرورة لراكب يطلب النزول، أو بقية الحساب. كاد ينتهي كل شيء اليوم لولا أن فاجأه جاره بالكرسي العريض خلف السائق، كان شاباً عشريني العمر، بذقن حليق وشعر مشذب، يرنو إليه بعينين جامدتين والعربة تمر إلى جوار المصنع المغلق قائلاً: «أترى يا أستاذ! مصنع كان يكسب ملايين الجنيهات، فأغلقوه». نظر نعيم إلى أسطوانة من الحديد شاهقة الارتفاع وقضبان المخازن العرضية تحت ألواح من الصاج الممزق، والحجرات الفارغة، فرد بدافع الاحتياط: «لازم فيه سبب في الأمن الصناعي أو ضرر على البيئة»، لكن الشاب ضحك هازئاً، وأشاح بيده معلناً كالعارف بدقائق الأمور إن المصنع عومل كأي شيء ناجح بالبلد ليس تحت قبضتهم، إما أن يغلقوه أو يخرّبوه.
كان كلامه مُرتَّباً وذو نبرة واثقة، يواصل الحديث إلى نعيم وحده، ربما دفعته رؤية الكتب وهو يفرّها من عشر دقائق تقريباً، أو أنه يستنفر وحوشاً كامنة داخل آخرين للمشاركة فيما يقوله. قفزت أمام عيني نعيم صوراً كثيرة شاهدها بالأفلام القديمة، أو تخيلها إثر حكايات عن جيران وزملاء بالعمل، اقشعر جسده من تصور الظلام الخشن في حجرات ضيقة ومعزولة عن الدنيا، والحشرات التي تلتهم الأحلام والأعمار بلا سبب سوى الاندفاع بالآراء وسط الآخرين. متلهفاً على العودة إلى أسرته قال إنهاءً للحوار: «أغبى حكومة في العالم لا يمكن تقفل مصنع ناجح إلا لسبب قوي يؤثر على البلد وأهلها»، وجدها الشاب فرصة، فعدَّد له قضايا أخرى مستعجلاً رده طالما يدافع بهذا اليقين والحماس.
قال نعيم لنفسه: «لو غامرت فمَنْ يطعم أطفالي وزوجتي ويُعلِّمهم؟! من يراعِ والدي المريضين، ويدافع عن سمعتي من شماتة الشامتين»، صمت طويلاً حتى يدلي الشاب بكل ما عنده وينتهي، حتى لو كان يتحدث برأيه الحقيقي، فالمؤكد أن بالعربة آذاناً تتلهف على كل كلمة شاردة. وسائل المراقبة ليست في الآذان المنصتة فقط، لكن في الهاتف المحمول الذي بيديك، لذلك يُبعد نعيم هاتفه عنه حين يشتط خياله في الشقة وهو يعكف وحيداً؛ لأنه يجادل أطيافاً بالهواء، وقد يسبها، أو يلكمها بيديه وقدميه، لكنه حَاذَرَ من انفلات أعصابه الآن، ضغطت عليه تفاصيل حياته، فعاود الإحساس بالفشل والمذلة، خصوصاً وهو يكدح طوال عمره في أعمال شتى، ويتبع الأصول والتعليمات وما يجب وما لا يجب، وفي النهاية لا يكفي ما يتقاضاه لتغطية ربع مصاريفه، ومع ذلك فالظلام هناك قاسٍ. لم يحتمل أكثر من ذلك، رفع كفه: «هِنا يا أسطى.. محطتي»، التفت خلفه بعد مغادرة السيارة شاكراً للظروف أن الشاب لم يهبط وراءه؛ لأنه اشتبك في اللحظات الأخيرة مع راكب آخر في أحاديثه. سكن نعيم قليلاً حتى ابتعدتْ العربة بركابها، ثم أكمل مشياً بمفرده طريقاً طويلاً إلى محطته.
*****
خاص بأوكسجين

