سماءُ تلك الليلة كانت منسوجةً على الأرض، غاصت أقدامنا حتى الكاحلين في زُرقةٍ بديعة، أكانت بفعل أسطح شفافة تنفذ من تحتها إضاءة مُلونة، أم من تأثير أدخنة تدفقت في الشوارع المفتوحة من جهاز توليد السحب؟ لا أعرف السبب بالضبط، لم أَشْغل بالي حينها بفحص كل التفاصيل، لكنني بعدئذٍ لم أنسها قطُّ: كان فيها السرُّ والنجاة المُفتقدة، ليت عجلة الزمن المُهلِكة تعود للوراء عدة أيام فقط!
السماء الحقيقية أخفوها عن أعيننا بكشافات مُعلَّقة على الأعمدة، صار النظر لأعلى ليلتها ومع اللمبات المتوهجة مرهقاً، كففنا عن المحاولة، وانشغلنا بأنفسنا، لكن يداً خفيةً أمسكتنا. تجمدنا في أماكننا لحظات ما إن انكشفت المباني الوحيدة في هذه الناحية: مقابر ذات أقواس متدرجة الارتفاع قبالتنا بدلاً من بيوت الأمس، وإلى جوارها أرجوحة يتبادل طفلان الضغط عليها. تلفُّ أرجوحة أخرى كالساقية، يحمل كل صندوق حديدي فيها ثلاثة أفراد أو أربعة، وواحد منهم يفرد ذراعيه على شكل طائر مُعلّق بالأفق. أرجوحة ثالثة كانت أحصنتها وجِمالها وأفيالها البلاستيكية تدور أفقياً بسرعة كبيرة.
«مَنْ الذي نقل السيرك وألعاب الملاهي من وسط المدينة بالأمس إلى هنا؟! ومَنْ الذي جعل متعة الأطفال في التقاط صورهم محاطة بأقواس المقابر؟! ومَنْ جعل ماء النهر يفيض إلى الشوارع في حركة معكوسة للواقع؟!».
كان الفرار هو الحَلُّ الوحيد من هذه المفاجآت، لكننا واصلنا العمل.
قال رجل يلعب دور لص الآثار لائماً:
– هذا جزاء جهلنا بسيناريو الفيلم كله.
ردَّ رفيقه في السطو وحراسة المكان:
– لماذا تتعجبون من فوران النهر هناك؟ ألم يلفت نظركم أصلاً أن السماء اليوم هي الأرض؟
«أي منسق مناظر مجنون فعلها؟ والمخرج! أين المخرج الطليعي الذى كُتبت عنه الكثير من المقالات المادحة، وقالت إنه تَعلَّم السينما في بلاد «بَــرَّه»، وتأثر بمخرجيها، ومدارسها الطليعية، وهوجم أسلوبه كثيراً أيضاً؟». سألنا.
«بل أين السيناريو؟». سألت امرأة في منتصف العمر كانت تؤدي سابقاً دور سيدة أعمال بالمسلسلات التلفازية؛ لتمتُّع وجهها بجمال يمزج بين الفتنة والكبرياء. هي الآن تؤدي دور خادمة ريفية هربت من أهلها وزوجها الذي يعذبها، فيما حظيت الشابة الفاتنة، هاوية التمثيل، بدور البطلة العاشقة. تسأل الفتاة أيضاً وابتسامة واسعة على شفتيها:
– ما حدود الدور؟ هل هناك لقطات إغراء سيلومني عليها الأهل، أو سيقدمني المجتمع بسببها إلى المحاكمة؟.
نضحك، تمتلئ صدورنا بالرغبة من رقة صوتها، ولمعة عينيها، وتلك الدعوة الخفية المنفلتة من لسانها بالقُرب والمشاكسة، لكننا لا نحظى أيضاً بالإجابة..
– أَيُّ منا سيكون مجرماً، وأَيُّ منا سيكون الضحية؟
– لا شيء يا جماعة، المخرج فلسفته واضحة، أفصحنا لكم اليوم عن الجزء المُقرر في جدول التصوير فقط، وفي الغد سنخبركم بجزئه المخصص، وهكذا. (قال مساعد المخرج وهو يطمئن على اللمسات الأخيرة).
– لكن هذا غريب، ربما ستغدو النتيجة مهزلة. (قلنا)
– أنتم قرأتم الشروط، ووقعتم على العقود، جزاء الانسحاب مُرّ، ستفضحكم الصحافة، وتُعرَّى تفاهتكم، وجبنكم الفني. (دعمه فريق التصوير بالحجة نفسِها).
– طيب.. أعطونا منطقاً لكلامكم حتى نفهم.
– يا سادة، لو عرَفتم أحداث الفيلم كاملة قبل أن تُجسِّدوه ستفضح تعبيرات وجوهكم كل شيء.. الحبيبة التي سيخذلها حبيبها لن تؤدى المشاهد الأولى للقائهما بالانسجام والأمل أنفسهما. المغدور ستفلت منه نظرات مستريبة إلى قَاتِله في بداية تعارفهما، وعملهما معاً. اللص سيرتجف لا شعوريّاً من المرور إلى جوار الشرطي المُتخفِّي الذى سيقبض عليه، وممثلو اللقطات المحدودة سيقل حماسهم وهم يؤدون مشاهدهم العابرة.. هل فهمتم؟!
«والله يا ناس أول مرة أشتغل بهذه الطريقة». همس الممثل الهَرِم ذو الحركة البطيئة، والوجه الآفل، واللازمة الساخرة، غير أن قلة المعروض عليه، واحتياجه الدائم للعلاج جعله يستسلم، ويحفزنا بينه وبيننا إلى بذل أقصى الجهد حتى ننهى هذا الأمر العجيب، وأنا قلت وقد دوّرت كلامهم في رأسي:
– هي فكرة ومغامرة جديدة، لن نخسر شيئاً، الأمر كله تمثيل في تمثيل، نحن نجتهد في شحذ أحاسيسنا وتعبيراتنا؛ لتناسب كل يوم.
لكن المطالب كانت فجائية كل مرة. ما نكاد نُنهى التصوير ونمضى، حتى نقضى وقت راحتنا في التساؤل عن أحداث غدنا. نستيقظ في الصباح والقلق عالقٌ بنا. تلك الليلة المقصودة كان الديكور يوحى بمشهد سريالي، أو حُلم في رأس البطل مع أن الاحتفال والمرح كانا يسيطران على الأجواء. في يوم آخر طُلب من المُطارَدين القفزُ من ارتفاع مترين إلى الأرض، والدخول بأنفسهم في معارك مع أعدائهم؛ لإكساب المَشَاهد حيوية وواقعية. لم يؤجروا بديلاً من خارج فريق التمثيل، ولا عالجوها بحيل المونتاج المدروسة.
كان المخرج بعيداً لوقتٍ ما، شغلهُ ظرف طارئ بعد أسبوع واحد من العمل، وأصرت الشركة المنتجة على الاستمرار خوفاً من الخسائر، واقتراب موسم العيد. قلنا: «أي عيد يناسبه مثل هذا الفيلم؟!».
كان الاتصال يومياً بمساعِده، وفريق التصوير، والديكور حتى عاد مرة أخرى على رأس فيلمه الجديد. وردَّ مصمم الأزياء المُطَّلع على أحدث مدارس السينما ذات مرة:
– لا تقلقوا، مثل هذا الأسلوب فعله مخرجون عالميون ونجحوا.
احتججنا:
– أي نجاح! إننا نريد نجاحاً كاسحاً في شباك التذاكر، والبرامج التلفازية التي ستُكرّمنا، والأدوار التي ستهبط علينا بعدها كالمطر.. لا نريد الشهرة بتلك المواضيع الخائبة في صحافة لا يقرأها إلا قلة قليلة ربما تدخر ثمن تذكرة السينما للعَشاء.
في ليلة أخرى دخلنا ساحة باذخة الأضواء، بعضها مُقسَّم إلى حجرات بواسطة حواجز خشبية، لم نعرف أنها ساعات التصوير الأخيرة، سألنا عن سيناريو اليوم، فأعلن المخرج في الميكروفون أن اليوم Free.
– فِرِي؟ يعنى ماذا نعمل؟!
– أليس لديكم خيال خلاق يا فنانون؟!
أسكرنا اللقب، نحن الهُواة الذين رافقهم الحظ للنجاح في الاختبارات من أول مرة، كانت اختبارات للذكاء، وحسن التصرف أكثر منها اختبارات للتمثيل والأداء، والشعار المُعلن وقتها: «لا نريد محترفين. أجورهم كبيرة وأداؤهم لن يناسب هذا العمل». القدامى معنا هم ممثلو الأدوار الثانية، و«الكومبارس» الذين صاروا ملاذنا من الحَيرة، وقد تَجلَّت على ألسنتهم حكمة الحياة بعد أن أُشبعوا ضرباً وتنمراً في الأفلام القديمة.
لكننا تخبطنا ساعة في الأسئلة فور أن ملأت آذاننا كلمة Free. أنجتمع معاً قبل الانطلاق؛ لنرسم مسارات منطقية تلائم ما صورناه سابقاً في السيناريو، أم يفعل كل واحد منا ما يريده؟!
الذي شجعنا على اتخاذ الطريق الثاني أن أجواء التصوير كانت مختلطة بين مدارس عدة. كل يوم نكون حائرين في اتجاه الفيلم: أهو واقعى، أم سياسي، أم اجتماعي؟ رمزي، أم سريالي؟ ولأن أحداً لم يُرحنا بالإجابة فقد انطلقنا بكل ما في القلب من لهفة، وما في الجسد من رغبة، وما في الروح من تشوف لمعانقة المستحيل.
أوقفنا الممثل المسنُّ الخائف من فقدان الدور، وبقية الأجر:
– أنتم تخرجون عن النص.
انطلقت هستيريا الضحك باتجاهه، زعق محتداً:
– حتى لو كنا نعمل اليوم بدون سيناريو، ألا يوجد عقل يوجهنا للتصرف المناسب؟!
رد عليه أكثرنا:
– لن يأخذ المخرج كل حركة وكل حوار مما نتكلم به كما هو، سيجتزئ منها ما يلائم هدف الفيلم، ورسالته.
انطلق الممثلون إلى جوار عشيقاتهم خارج السيناريو، من البؤر المظلمة ترامت إلينا تأوهات الفعل فأشعلتنا، بحلق ممثل في وجوهنا منبهاً:
– هذا ليس فيلماً فاضحاً يا فنانون؛ لتنطلقوا وراء غرائزكم!
أمواج الضحك والجموح سيطرت علينا، وأسكتته..
– لو لم ننل الممثلات الجميلات اليوم تحت ستار الفيلم، فمتى يا سُذج يتحقق ذلك؟
– لكن هل يكون للخيانة حساب، ومحاكمة؟
– داخل السيناريو، أم خارجه؟!
– إذا لم يكن لهذا اليوم برنامجٌ خاصٌّ، ألا تعرفون أن هناك علاقات مشروعة داخل الفيلم، وأخرى غير ذلك، وإلا سيفقد العمل أسلوبه ومنطقه؟
– ربما هذا ليس آخر يوم، قد يفاجئنا المخرج بمسارات جديدة غداً، تعالوا نرد على الجنون بجنون.
– أهذا تمثيل أم حقيقة؟
– لو تهجم علينا ناس من خارج الديكور ماذا نفعل؟
– ومن قال لك إن أي شخص سيأتي إلينا من خارج الفريق؟!
– فعلاً الحدود معروفة، موقع التصوير مؤمن بعلامات.
لكن عركة قامت، فأصيب ممثل بقطع في جبهته.. انتظرنا، لم يتدخل أحد ممن يقفون خلف الكاميرات، جرى بعضنا نحوه، اضطررنا إلى إسعافه بأنفسنا.
– علاجاً حقيقياً أم تمثيل؟
– هل هذا سؤال عاقل والرجل ينزف دماً حقيقياً؟!
ثمة مجنون كان يعانى من خلافات زوجية سابقة، اشتعل دمه بالغضب، فقطع شريانه؛ كي ينال التعاطف، لكنه ارتمى على الأرض يتلوى ويصرخ، ثم أخذوه بعيداً.
– داخل إسعاف حقيقي. صح؟!
الحبيب قال لحبيبته: «دعي نفسك على سجيتها»، فردت عليه لائمة: «لو تركت نفسي لكنت الآن أماً لدستة عيال».
شكرنا المخرج في النهاية، ارتمينا على الأرض، تشبثنا بالديكور، انفتحت شهيتنا في المشهد الأخير الذي لم نتوقعه.
مُنحنا أجرنا، وصُرفنا دون أن نطمئن على مسار الفيلم، قالوا: «المادة كلها لدى المخرج، سيدعوكم إلى مشاهدة النسخة التجريبية قبل طرحها على الجمهور». بسذاجة فرحنا بكوننا صرنا ممثلين جدداً، وسرقتنا السواحل شهراً دون مكالمة هاتفية واحدة، حتى هجمت علينا المصائب دفعة واحدة.
أُعلن العرض الأول في الجرائد، ووسائل التواصل. لم يكن ثم وقتٌ للعودة، حجز كل منا كرسياً للمشاهدة، هناك من تجرأ فدعا زوجته، أو أبناءه، ومن كان ماكراً مثلى فذهب وحده ليشاهد، حتى هطلت المفاجآت كالمطر. اختبأت بركن الكرسي، ظلام السينما هو الحائط الذي أنقذني من الضرب بعد سماعي تلك اللعنات، والسخريات، والسب بكل ما أطلقه الجمهور بحقنا، حلمت حينها أن أتحول إلى حشرة لا تُرى.
في ثورة عارمة اكتسحنا شركة الإنتاج صباحاً؛ لإيقاف المهزلة، صعد أحدهم بعد أن يئس من فض الاشتباك على مكتبه وصاح:
– كل ما تفعلونه دون فائدة، الفيلم سيعرض غداً أيضاً في ست سينمات خارجية جديدة على الأقل.
«المخرج! أين المخرج؟». كأن ذلك النداء أعاد إلينا الاتجاه الصحيح، فررنا قبل أن تداهم الشرطة المكان، لكننا لم نعثر عليه أيضاً. الذين أخذناهم من شركة الإنتاج كرهائن قالوا لنا وآثار الدموع في عيونهم:
– لن تصلوا إلي نتيجة من وراء ذلك.. كل مرة يفعلها، ويختفى عن الأعين، حتى يأخذ الفيلم نصيبه الكامل من العرض، والهجوم والدفاع.
– لماذا لم تخبرونا بذلك قبل التوقيع؟!
ردُّوا علينا:
– ألستم راشدين تعرفون مصلحة أنفسكم؟!
السماء كانت مفروشة على الأرض في اليوم الثاني للتصوير، وأقواس المقابر مفتوحة، والأطفال يأخذون صوراً تذكارية بينها.. كنا نتذكر الآن، ونحن نمضي برأس منكسة، وأكتاف متثاقلة تئن تحت حجرٍ لا يُرى، فيما نحلم بالعودة إلى تلك الليلة.. لن نغادر ساعتها أ
قواس المقابر أبداً في اتجاه السيرك والأراجيح إلا بعد معرفة كل شيء.
*****
خاص بأوكسجين

