“من يتمرد يمكن أن يفشل. لكن من لا يتمرد فهو أصلاً خاسر” اقتباس لا بأس به للبداية مع زياد الرحباني، وله أن يمهلني بعض الوقت، لأستجمع نفسي أمام سيل جارف من الذكريات والأفكار الذي يجتاحني منذ 26 تموز/يوليو 2025، يوم وفاته.
أنتقل إلى الفقرة التالية، هذه التي أكتبها الآن، وكلّي أمل بأنها ستتيح لي الإمساك بتلابيب ما أود كتابته، فإذا بي أستعين مجدداً باقتباس آخر، وهو كما السابق لبرتولد بريشت: “إذا كانت الحقيقة في موقع دفاع ضعيف، يجب أن تنتقل إلى الهجوم”، نعم إنها الحقيقة التي تتطلب هجوماً متواصلاً ودائماً، وفيهما (الحقيقة والهجوم) أجد ضالتي مع زياد الرحباني. استخلاص الجمال والإبداع المغاير والمختلف من الخراب، اجتراح السخرية من هذا الأخير، استخلاص الحقيقة من سياقاتها الزائفة، التندر على الآني والمؤقت، وكل ما هو مضلل ومغيّب، وصولاً إلى تساؤلي: كم من الأكاذيب تطلب الوصول إلى كل هذا الخراب الذي نعيشه؟ كم من الحقيقة يا زياد احتجت حتى نجوت منه!
هجوم كاسح يا “كومندان”، بالمعزوفات والنوتات والأغاني والآلات الموسيقية، على خشبة المسرح، على الشاشة، من خلف ميكرفون في استديو إذاعي، بالكتابة، هجوم ما زال مستمراً ومتواصلاً، وليبدو الموت مدعاة للتندر، أضحوكة، نوماً فارقك كثيراً، وآن الآوان لتشن هجومك على الأرق وتصرعه.
أجدني جراء ما تقدم، أتحرر من السياق، وأترك نفسي أمضي مع السيل الجارف من الأفكار والذكريات، على شيء من التداعي الحر، مورداً الأفكار التي تتبادر إلى ذهني، متحرراً مما يعيق ذاك السيل الجارف الذي بدأت به، وها هو يأتي على هذا النحو:
- سأكون قنوعاً جداً مع موسيقى وأغاني زياد، أريد “تراك” بلا منتهى يجمعها جميعاً، وما إن ينتهي حتى يعاود من جديد، على شيء مما أحس به زياد حين شاهد فيلم بوب فوس “كلّ هذا الجاز” All That Jazz (1979)، وأمنيته بأن “يضل يقلب” أي كلما انتهى عرض الفيلم يعاود من جديد.
- زياد في الموسيقى مشغول بـ “الشكل”، بـ “كيف” وليس “ماذا”، وكل إبداع حقيقي هو تجريب بالشكل أولاً وأخيراً، فكل “الذين يحبون فنّهم يبحثون عن جوهر تقنيتهم” على رأي دزيغا فيرتوف، والتجريب إن غاب فهو الرضى بما هو قائم، وهذا الرضى هو التخلف وبأحسن الأحوال الجمود.
- شاغل زياد في المسرح مغاير للموسيقى، إنه مشغول تماماً بالقول، بـ ماذا ولماذا، لكنه في الوقت نفسه استخدم أيضاً الوسيط السمعي، الراديو، الذي صار إلى “كاسيت” ليقول الكثير، ليكون على اتصال مباشر ويسير مع كل الناس، كما في “شي فاشل” و”بعدنا طيبين قولوا الله”، وانحسر تقديم أفكاره كتابةً في بضع كتابات متفرقة أو عامودين صحفيين في جريدتي “السفير” و”الأخبار”.
- الفن والثقافة لا ينال منهما شيء، حتى في البلدان التي لا تؤمن لا بالثقافة ولا بالفن، هذه جملة اعتراضية، لها أن تتكرر ربما!
- ما لم تكن لبنانياً يا زياد، لكنت شهيداً أو معتقلاً أو مطارداً أو منفياً، بمعنى أن تكون أنت كما أنت في بلد عربي آخر غير لبنان، ما من حركة وطنية فيه ولا أحزاب يسارية أو شيوعية سوى الحزب القائد ومعه القائد الخالد أو في حزب شيوعي داخل الجبهة التقدمية، ولما أتيح لك حتى أن تقول “بعدنا طيبين…”
- حين سمعت حديثك عن المجتمع الاستهلاكي وأكياس الزبالة في “بعدنا طيبين..قولوا الله” كنت أعيش في سورية في زمن “المؤسسة الاستهلاكية” القادرة على التحكم بالاستهلاك وتقنينه اشتراكياً، وتوفير الاحتياجات الأساسية لمن لا يطلبون من الرب سوى “أعطنا خبزنا كفاف يومنا”، وكل ما هو استهلاكي بحق يأتي من لبنان مثل ذلك “الكميون” في “نقليات إلى الشام”.
- الكتاب الذي شكّل منعطفاً في حياتي هو كتاب أنجلز “أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة” والذي قرأته في مجتمع “المؤسسة الاستهلاكية”، ولم أقرأ ماركس وانجلز، وصولاً إلى ألتوسر ومهدي عامل وسمير أمين، إلا حين عشت في “مجتمع استهلاكي” بحق، في “رأسمالية طرفية”، وهنا بدت أدوات مقاربة الواقع تاريخية مادية جدلية، مكنتني، وهبتني القدرة على التحليل، وتكشفت لي أدواتك يا زياد، وقدرتها في الوقت نفسه على منح فضاء إنساني حر، بعيداً عن السائد والمروج له من الحديث عن الجمود العقائدي أو الدوغما ونحو ذلك مما تسيد المشهد الفكري والثقافي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وصولاً إلى الفن وأنا أجده حراً ومدهشاً وتجريبياً واستثنائياً مع الرفاق برتولد بريشت ودزيغا فرتيوف وسيرجي ايزنشتين.
- يبدو لي الحديث عن زياد الرحباني من دون ماركسيته أمراً مضحكاً، أشبه باعتبار لينين نوعاً من أنواع الفودكا، وكاسترو علامة تجارية لسيجار كوبي، وأن غيفارا لم يكن سوى طبيب أرجنتيني.
- مقولات تافهة تم تداولها هنا وهناك بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية مثل: “ما لم تكن شيوعياً وأنت شاب في العشرينيات من عمرك، فأنت بلا قلب. وإذا ظللت شيوعياً وأنت في الثلاثينيات من العمر، فأنت بلا عقل” ولي أن أعقب على هذه المقولة بأنها هراء بهراء، وأنها تنتمي إلى عبارات جاهزة تغري شعوب وسائل التواصل الاجتماعي، أو الشعوب التي ليس بمقدورها سوى أن تكون افتراضية.
- ثمة كثر أعرفهم صاروا شيوعيين في سورية من دون أن ينتسبوا إلى أي حزب شيوعي، ولا أن يسمعوا بـ “رابطة العمل الشيوعي” في تسعينيات القرن الماضي، وهي تقمع وقد أصبح كل منتم إليها (وهم من محبيك وكثيراً) إما معتقلاً أو مطارداً أو هارباً. آمنوا بلينين وماركس وأنجلز، وراحوا يرددون كما سمعوا منك يا زياد “الله يرحم ترابك يا كارل ماركس شو كان مخك كبير”، ومقولة لينين “من لا يخطئ هو الذي لا يفعل شيئاً”، وهم بدورهم لم يفعلوا شيئاً ولم يخطئوا، إذ في ثمانينات وتسعينات سورية لم يكن متاحاً أن تفعل شيئاً والغلطة بكفرة، لكنهم اكتفوا بك يا زياد الرحباني فأنت – محرفين أغنيتك – “الأمل الذي لن ينقطع بهاليومين”.
- أصدقاء كثر أعرفهم تأثروا بك يا زياد، وصاروا يقلّدونك في كل شيء، يتكلمون مثلك ويسخرون من كل شيء، ويتندرون على هذا وذاك، منهم من يلقي علينا نكاتاً بايخة، وقلة أتقنت جيداً جوهر سخريتك، منهم من هو سطحي وتافه، ومنهم من هو عميق وفهيم، منهم من كان ببغائياً وهذا بمقدوره أن يكون طائفياً ورجعياً وأعمى لكنه حفظ كل ما قلته، ومنهم من وجد في ما أخذه منك معبراً ليكون منيعاً وتحليلياً وتقدمياً. هذا هو ما يسمى “التلقي”، أليس كذلك! فالإنسان حيوان أيدلوجي!
- يتطلب اجتراح مصطلح أصيل لفن زياد الرحباني إلى بحث عميق، فهو لم يتح له أن ينظّر لذلك، أو أن يتحدث عن “منهج”، فهذه رفاهية فنية غير متاحة في هذا الشرق البائس! لا بل إن فعل ذلك يفترض أن يكون متروكاً لآخرين أو نقّاد، غير خائفين أو متشنجين، أي أحرار ومتخلصين من ركب موجة السائد والمتفق عليه، وفي ذلك مطالبة مستقبلية ربما!
- الفن والثقافة الحقيقيان لا ينال منهما شيء، حتى في البلدان التي لا تؤمن لا بالثقافة ولا بالفن، ها أنا أكررها لكن مع التأكيد على الحقيقي، وأختم بها، وإن غداً لناطريه قريب.

