متحفزة ومرتبكة، تمضي خلف الحارس بخطوتين تقريباً، تحاول اللحاق به، لتمشي بمحاذاته، وتسأله عن سرِّ استدعاء الحاج لها للمثول أمامه، لكن الرجل التزم الصمت والخطوة السريعة، كأنه مأمورٌ بإحاطة مهمته القصيرة بالغموض والسرِّية. تستنشق رائحة الأرض الطازجة إثر مطر قليل في الصباح، لكنها لا تهنأ بها، ولا بذلك الصفاء النادر لهواء المدينة، تفكر كثيراً في عواقب اللقاء، وهي تراقب الحارس النحيل بزيِّه المكوي وحذائه الأسود اللامع وقد بللته الأرض، فأخذ نعله ينثر حبيبات صغيرة من الطين على الأرجل الخلفية لسرواله. تتحسس مواضع أقدامها رغم خطواتها المتسارعة. الأجواء حولها تنذر بالتقلب الفجائي؛ إما سيهطل المطر كثيفاً، أو ستشرق الشمس بعد تَفرُّق الغمام في السماء.
قُرب المكتب أبطأ الحارس من سرعته، ثم توقف على بعد خطوات من الباب، استدار نحوها بوجه مبتسم طيبٍ لم تتوقعه: “اطلبي من الحاج كل ما تريدينه. مزاجه اليوم صاف، وهذه فرصتك”.
شكرته بإيماءة، لم ترغب في مبادلته الحديث عكس ما تشوقت من لحظات قليلة.
كانت تتوقع عقوبة طوال الطريق، وها هي الآن تتلقى البشارة، تمهلت لتضبط هندامها ومشاعر فرحها بالمفاجأة.. أسفل عمارة الحاج ذات الطوابق العشر يكمن مكتبه، صعدت ست درجات متوسطة من الرخام، فانفتح الباب.
لا خوف عليها كامرأة في الخامسة والأربعين من عمرها، لم تعد هدفاً للذكورة الفوارة بعد امتلاء جسمها قليلاً عند الوركين، وتعكر الوجه الأبيض بتجاعيد دقيقة فوق الجبهة وتحت العينين، وانتشار حبوب بنية صغيرة على قمة الأنف وجانبيه عند الخدين، كانت تُحصي حبة جديدة كل يوم، تتضايق إذ تظن أنهن يغافلنها أثناء نومها، فيظهرن، ليصدمنها في الصباح وهي تفحص نفسها أمام المرآة، تحاربهن بكريمات التفتيح، وكلما وارتهن قليلاً هاجمتها مفاجآت أخرى. برزت عظمتا وجنتيها قليلاً خلال الأسابيع الماضية، توقعت أن يزداد هجوم الأشياء غير المرغوب فيها شراسة وغلظة، ما بين بروز إحداها أو ضمور أخرى، لتتلاعب بجمالها الباهر، حيث كانت تُباهي به رفيقاتها وقريباتها. بأي سلاح ستواجه العدو الكامن تحت جلدها؟! بأي وسيلة ستتغلب على أوجاع الظهر، والقدمين، والصداع شبه الدائم بالرأس؟! ليس ثمة وسيلة بيدها الآن سوى مهادنة الآلام، والتحايل عليها. يحاصرها القلق كلما حدق أحد إلى وجهها بنظرة باردة، خبا وميض العينين المدورتين أيضاً، احتلت مسحة من الحزن مكانهما. كأن الخمود والكأبة هما أصل الجسد ومآله، وما ذلك التوهج إلا كلمعة شهاب خاطف في الليل، بعدها يهدأ الحريق، ثم تنطفئ مصابيح الروح واحداً تلو الآخر، فيصير الإنسان ثقلاً تسحبه أقدامه المتعبة في الشوارع والحجرات، لا يجد السكينة حينها سوى في النوم والأحلام.
مد الحاج كفاً رطبة نحوها، بادلته التحية وابتسامة مُشهرة على وجهها، تثق أنها لا تزال مرغوبة رغم كل شيء، لا يزال الدفء كامناً بداخلها، تحس ذلك كلما جلست أو أطالت الحديث مع أحدٍ ما، تتصاعد موجات إعجابه شيئاً فشيئاً، تتلقاها ببراعة عازف يعرف كيف يرجح معجبيه على تدرجات النغم. ربما يصير هذا الشيخ ذا الوجه المُحيِّر واحداً من هؤلاء، انجذب إليها تلقائياً وهو يمر بمحلاته وورشه الكثيرة، حطت عليها عيناه الفاحصتان، حدثها واستمع لشكواها، حتى جاءت الفرصة. أصدقها إذاً؟!
ماذا يهم الآن؟! وفَّى الرجل بوعده؛ هي الآن بين يديه.
صدمها اتساع المكتب وبساطته وهي تجول بطرف عينيها، إنه يقضي به أغلب نهاره، وجزء من ليله حسب ما يعرف أغلب العاملين لديه، رغم ذلك لا تحتوي الحجرة أكثر من الحد الأدنى للحياة: مكتب خشبي بني ضخم بلا زينة ملفتة، فوقه بضع أوراق ملمومة في جانب، وفي مقدمته مستطيل خشبي فاتح اللون محفور به اسمه. مستواها الدراسي الجيد أثناء صباها جعلها تحلم بمستقبل علمي مرموق. توفي أبوها في سنتها الدراسية الثانية بالجامعة، وجاء العرسان تباعاً، اختارت أمها أكثرهم ثراءً، زَوَّجتها سريعاً، لتفرغ لإخوتها الخمس الآخرين، وما بين الحمل السريع والولادة وأشغال البيت وثروة الزوج المتزايدة هجرت الجامعة، وهي تحلم مع زوجها بمشاريع تجارية ضخمة، ثم جاءت الخسارة المالية الفادحة، فتوفي الزوج إثر الصدمة.
خلف كرسي الحاج الجلدي الدوار ساعة مربعة الشكل، هي الشيء الوحيد اللافت للنظر، زجاج شفاف بين حواف عاجية ملفوفة يحمي حديقة خلابة الألوان، والعقارب الذهبية تمضي، فيتبدل حال المكان. أعادت النظر للتأكد من ذلك التغيُّر، أبصرت وريقات المجسم المتقن تَصّفر، وتتساقط، ثم تعود خضراء إلى أشجارها. لاحظها الرجل حين رفع بصره عن أوراقٍ كان يراجعها، فابتسم، لف رأسه عالياً نحو الساعة، ثم تحدث كثيراً عن أعجوبته التي اشتراها من محل تحفٍ أثناء رحلته إلى الهند. التقطت من كلامه “رحلة الهند”. قالت لتعزز ثقتها بنفسها: “بلد جميل جدا، وأهله عاطفيون”. نظر إلى وجهها بنظرة جامدة: “شَكْلِك مغرمة بالأفلام والمسلسلات الهندي”. انسحبت عيناها نحو أرجل المكتب، حيث تثب من أطرافه رأس أفعى معدنية. التفت قدماها حول بعضهما، تراجعتا خلف أرجل الكرسي الجلدي الأسود الذي يحتويها.
تخيفها الفئران، والثعابين، لا تجرؤ على نطق اسم أي منها وهي جالسة في مسكنها، تتصورها كامنة بحفر لا تُرى، حتى تسمع اسمها منطوقاً، فتنقض؛ لتدس سمها القاتل في جسد صاحب الفم الجريء، وتختبئ مرة ثانية قبل أن تطرف عين الضحية. في الأفلام والمسلسلات الهندية يُرقِّصون الثعابين بالناي، هذا السحر الذي تراه على الشاشة جعلها لا تغفل عن سد شقوق الشقة الأرضية التي تسكنها، وملء كرات صغيرة من القماش ببذور الشيح لتعليقها أعلى الباب الرئيسي والشباك المطل على المنور، تحمد الله أنه لم يهاجمها إلى الآن في الأحلام.
ليس بمكتب الحاج أشياء أخرى سوى أربعة مقاعد جلدية تجلس فوق إحداها، ومدخل مظلم تنتصب أمامه ستارة ثقيلة ملونة، إحدى جوانبها مرفوع، يبين من خلفه حجرة غارقة في الظل، يظهر فيها ظهر سريرٍ معدني عالٍ، وباب. لا بد أنه حمام. ربما يأخذ العجوز قيلولة في هذا المكان. رجل ثري، مجرب وناجح، تتحدث عنه المدينة كأسطورة، بدأ من الصفر تقريباً، كان صبياً يتيماً وشريداً.
لكنه فاجأها قبل أن يستكمل حكاياته عن أسفاره، أمرها بغلق الباب، وهو يسحب حقيبة كبيرة من مكان ما قرب قدميه، فتحها أمامها، فبرقت عيناها بما تراه.. يا ألله! كان جوف الحقيبة كله ممتلئاً برزم من مئات الجنيهات والعملات الأجنبية، قبل أن تهدأ أنفاسها وتسأل ما علاقتها بذلك طلب منها أن تعبئ حقيبتها كلها. أمطرت الدنيا ثلجاً فوق جلدها، وانتفض قلبها، حتى شعرت بمزيج من اللذة والاضطراب وهي تحاول ضبط أنفاسها وحركات أطرافها، تراجعت قبل أن تلف الحبل بيدها حول عنقها، فاندست مكانها وسألته:
– ما المطلوب مني مقابل ذلك؟
ضحك الحاج من غير صوت، ربما كان لفمه المتسع صوتاً ضج به المكان كله، لكن طنين أذنيها كان عالياً، فلم تنفعل سوى بصورته الصاخبة وهو يضرب كفاً بكف. كل شيء فيه الآن كان متوسطاً ومحيراً: جسده، ووجهه، وصوته، وانفعالاته. لا ليونة ولا حِدة. غير أن عينيه كانتا تبرقان بقوة نجمين قريبين، عينان مخيفتان بهما طاقة لا تغفل على الناظر نحوه، لا شك أنه يتغذى ويتداوى جيداً، ومزاجه رائق والدنيا مفتوحة أمامه، لماذا لا تساوى طاقته خمسة رجال؟! عرفت شباناً عجائز في عمر الثلاثين، بنظرات كسيرة، وظهور محنية وأيادٍ يابسة مشققة، الضحكة في وجوههم نادرة، والحزن هو الأساس المكين.
ربما عرضت عليه أخريات أنفسهن بأقل مما يدفعه لها الآن. آخر عرض زواج جاءها من أرمل خمسيني متدهور الصحة، لكنه ميسور الحال، سيضمن لها سكناً دائماً ويتكفل بأولادها، كانت تماطله للحصول على أعلى مكسب لتأمن شراسة أبنائه، أو لدفع حبيبها إلى الارتباط بها، ذلك الكهل الذي يساويها في عمرها تقريباً، صاحب زوجة وأولاد، لم يغامر بوعد، لكنها متعلقة به، يُذوِّبها كلامه، ويدوخها حضنه، يرحل بالأسابيع، ثم يعود إليه متحججاً بأشغاله. لن يتزوجها أبداً إلا إذا حدثت معجزة، وهي لن تشتري لذتها بمستقبلها. تريد رجلاً وأماناً، وها هو الحاج يسقط صريع حبها من اللقاء الثاني. انتفخ صدرها باللذة، وعادت ثقتها بنفسها كأنها بنت العشرين حين كانت تُحلِّق فراشة تسعى القلوب تحت قدميها، لا تزال وردة مرغوبة، تحفظ الكثير من العبق والأسرار، لديه زوجتان: أم أولاده، وامرأة أصغر منها قليلاً، يقولون إنها لا تنجب، ربما رآها بعين غرامه أبهى منهما، أعادت سؤاله متشجعة، وهي تنتظر الرد حيث تبدأ اللعب، فأجابها:
– المطلوب منكِ أن تفرحي، وتحققي أحلامك.
عجيب أمر هذا الشيخ، كان يسخر منها من لحظات؛ لتعلقها بالأفلام والمسلسلات الهندي، فيما هو الآن لا يجسد مشهداً هندياً مبالغاً فيه فقط، بل يسافر بعقلها سبعين عاماً للوراء، إلى فيلم عربي ساذج يدفع فيه أحد المليونيرات مبلغاً هائلاً لفقير حتى يحقق أمنياته. انطوت في مقعدها حائرة، تود ألا تغادر الآن حتى تطلع على سرِّ ما يفعله، في الآن ذاته ترغب بالفرار من المكان كله، لتعود إلى بيتها، تختبئ بحجرتها وتعيد حساباتها.
سَخِنَ الهواء بحجرة المكتب، ووراء زجاج الباب “الفامية” رأت السماء متقلبة، هجمت كتل من السحب، وتكاثفت بالأجواء مرة ثانية، قالت:
– طلبني للزواج رجال كثيرون. عرضوا عليَّ مالاً وتأميناً للمستقبل. وهبني الله الجمال والأصل، لكن حظي سيء، مات زوجي وتركني بابنيه، فتاة وولداً، وأنا أريد الستر.
– لماذا تتحدثين كثيراً، وتطلبين تبريراً وتفسيراً؟!
بوغتت برده القاسي، غير أنها شجعت نفسها حتى النهاية، إنها فرصة العمر وقيده أيضاً، الحياة والموت كامنان في الحقيبة أمامها، بأي وجه ستقابل جيرانها؟! كيف تخفي أموالها أو تظهرها؟! كيف تبرر لأولادها فعلها؟! من يدريها بنوايا حبيبها وتطلعاته للمال؟! سيخترع مشروعاً وهمياً ليسرقها ويهجرها، والجيران سيشم الرائحة بعضهم بالتأكيد، خصوصاً فئة الرجال والنساء الذين يلصقون أعينهم بالرائح والغادي، قد تُذبح ذات ليلة من الوريد للوريد، فتخسر ثروتها وحياتها.
الباب الزجاجي مُغلق، لا يمكن لأحدٍ الدخول دون إذن الحاج، الحارس على مقربة، ينظر في ثلاثة أرباع دائرة، ويتجاهل ربع الدائرة التي يكمن فيها المكتب، ربما تمطر الآن؛ لأن لسعة البرودة تسربت إليهما من فتحات صغيرة هنا أو هناك.
– لا أقصد التبرير، لكن لكل شيء في الدنيا ثمن، حضرتك سيد العارفين. أنا لا أمانع في الزواج من رجل محترم يصونني، ويحمي أولادي.. أي امرأة تتمنى الارتباط بك.
– أي رجل سيكون محظوظاً أيضاً بالزواج منك، امرأة جميلة وبنت حلال.
لسعتها المجاملة اللطيفة، فالرجل لا يعرف بمغامراتها، وسعيها للارتباط بالرجل الذي تحبه. احتدت على حبيبها في لقائهما الأخير متهمة إياه بأنه حولها إلى عاهرة بهداياه التي يجلبها لها في كل مقابلة، والفسح التي ينطلقان فيها بعيداً عن العيون، أقسم له بأنه يعشقها ولا يطيق الحياة دونها، حاصرته من جديد طالبة منه وعداً بالزواج، تريد استقراراً، وقد يسقطهما هذا الجموح المجنون في فضيحة لن يتحملاها. راوغها مرة أخرى.
فاض قلبها بالقلق والأسئلة، تضرعت للحاج وهو غاطس في كرسيه يحدجها بنظراته:
– هل تعرض عليَّ سلفة؟ أتسمح لي أن آخذ جزءاً صغيراً؛ لأسدد ديناً، وأقضي بالباقي حاجة لابنيَّ؟
– المال كله أو لا شيء. نطق الشيخ بحسم.
– هذه الحقيبة بها أكثر من مليون.
ثم طفرت الدموع في عينيها، سألته بنبرة متهدجة:
– لماذا أنا بالذات؟!
الحياة متقلبة، ولدت طفلة مدللة، شربت الحنان من أبويها، ذاقت طعم الدنيا الحلو في طفولتها وصباها، لكن العالم ضاق كثيراً حين كبرت وحين رحل الكثير من أحبابها. أفاقت على ضحكة عصبية محيطاً حقيبته بيديه:
– هذه أكثر من عشرة ملايين، لكن لا تقلقي، لن يطاردك أحد، سأحميك.
“كيف؟! إنه لا يعرف شيئاً عني. ربما يختبرني، أو يتسلى بي، أو هي نوبة جنون سيفيق منها، وأدفع ثمناً غالياً. أغنياء المدينة المشاهير لا يدفعون بسخاء إلا مقابل أن يحظوا بلحمك وعمرك؛ كم ارتجف بدنها على وقع الحكايات”. قالت لنفسها، ثم انكمشت في مقعدها ترتجف من البرد وقسوة الاختيار.
– هذه فرصة أخيرة.
استعجلها، لتفيق من أفكارها، وتعلن قرارها.. انتظر دقيقة حتى ترد، فتجلت أمامه امرأة مصفرة الوجه مرتعشة الأطراف حائرة، سحب الحقيبة من فوق المكتب، ثم نقل أمواله كلها إلى الخزانة المعدنية على يساره، وأغلق عليها.. كانت ابتسامته الباردة إشارة وداع لم تخطئها عيناها، غادرت مقعدها ووجهها في الأرض، اندفعت نحو الخارج، لا تود أن تنظر وراءها مرة أخرى، تراقصت المرئيات بالشارع أمام عينيها الدامعتين، لم تكن فرحة ولا حزينة، هذا إحساس جديد لم تختبره من قبل، يكمن في تلك المسافة بين الشعور بالدهشة والإحساس بالندم.
أحيطت المدينة بقبة رمادية كثيفة، جثم على الكون كله ركام غمامٍ قاتم، لا شك أنها ستمطر كثيراً؛ لأن لسعة البرودة أيضاً تضاعفت، والرياح اشتدت مرة واحدة. في يوم ما ربما ستسمع حكاية عن فرصة كتلك لرجل أو امرأة، وكيف أنهم استثمروها حتى لو كان الحاج هازلاً، سيتشبثون بطلبه، ويدفعونه إلى زاوية لا رجوع منها، ليصبحوا في القمة. هل من حقها الشكوى بعد الآن؟! كانت تمد خطواتها، تتطلع إلى مظلة قريبة، أو موضع آمن تلم فيه جسدها المشتت؛ لتحتمي من رعد يقعقع بالسماء، ومطر آخذ في الهطول بغزارة.
*****
خاص بأوكسجين

