في المسبح التركي
وفي اللحظة الحاسمة تأتي ساعة المِشرَط. ويدخل الجرّاح (كان جرّاحاً في موطنه) على الحسناوات المستلقيات حول المسبح متأبطاً ذكورته، معتمراً قبعته برونزية اللون، مسلطاً الضوء من كشّافه ليفضّ أسدال الضباب. هل يريد أن يتقدم لخطبة إحداهن؟ أن يتعرّف على اسمها مثلاً؟ أن يتبادل معها أطراف الحديث؟ يتمنى وهو ينصت إلى غمغماتهن الشهية لو أنه استمع إلى نصيحة البومة الرابضة على ميزاب شقته ولم يترك رشاشه الأوتوماتيكي تحت سلّم المطبخ المشترك.
والآن تينع أمامه تراجيديا ثانية فيما يحاول إنقاذ ما تبقى من الأولى وكأنه يمسح آثار الجريمة. في جيب قميصه وردة تركتها معذّبته الراحلة قبل أن تنال منها ذئاب الوادي. هذا قدره. حقلٌ اختلطت فيه الأشلاء بالتوت. لا يريد أن يتذكّر. لا يقوى على النسيان. الوردة ذبلت مثل مشاريع الألفية وكأن الله نحت تفاصيل وجهه على مقاس جثّته بالضبط. لكن ليس هذا وقت النحيب. أتلفه الصبر على حافر المحراب.
وها كائنات المسبح التركي ينادينه ثانية (واحد عصير قصب!) وها ينتصب وينبري ملبياً النداء. دون أن يكوي قميصه. دون أن يلمّع حذاءه. دون أن يحلق ذقنه. دون أن يلعق كفّيه ويمسحهما على شعره. إنه على موعد مع القدر. فما فائدة التمائم التي فرشها والده على قفاه لكي يجعل منه حيواناً جديراً بالنميمة؟ سوف يشق طريقه الأعوج الذي يشبهه بأظافره التي تشبه الطريق. وإذا اتهمه أحدهم بالتسويف فما قوله إذن وهو يغرس رايته الإسفنجية على بلاط الحمام الشاسع، حيث السيدات الأثيرات يواصلن تمنعهن على مرأى من السابلة وهو الذي ما جاء لكي يرى بل ليفتك ولا يذر من فلذات الأكباد حتى الناصع الثمين. وهل نادينه؟ وكيف يجرؤن وهو الذي إن استفتح ذهب بالنصف منهن أو أكثر أدراج الرياح. شمس الظهيرة وحدها من تناديه. شمس الظهيرة حيث لا ظلال. تلك الشمس الضريرة حيث كلنا سواء. والآن تلك المعضلة الغابرة نفسها تعيد على خاطره نفس الشكوك. يا للحرج الأزلي. كاد الظلام أن يحلّ وانفضّ المجلس ولم يبق غيره بين الأضغاث. لذلك لا تراه يخرج مزهواً أبداً من مثل هذه الغارات، سواء أنجح في سحل إحداهن (وهذا لم يحدث أبداً) أم تخلّف وحده أنيس الضباب.
في غرفة نومه التي تتناءى عنه يوماً بعد يوم يحتفظ في خزانة من القيقب بإصبع مبتور وما يشبه ذيل سنجاب. يوماً ما سيعود إن كُتب له أن يعود إلى موطنه بما يكفي ليشيّد حماماً ليس أكبر أو أصغر أو أفضل أو أسوأ من هذا الذي يمضغ عصارة عمره على مهل. عامر بالفكاهة والأجفان الناعسة.
في فندق سميراميس
نحن هناك. في آخر المقهى. في الزاوية البعيدة تجدنا. وحيدون مثل قطيع من الكركدن. والطاولة جافة إلا من طبل مخروق وإستبرق التهمته السنون. حتى النادل هرب. طلباً للرزق قال. هنيئاً أم العيال. والسنجاب الذي كان يسلينا بهمهماته عن تاريخ الأوثان رحل. حمل حقيبته الصغيرة وجوازات سفره الستة ورحل. ولم يتبق لنا إلا سيجارة واحدة في العلبة. مخذولة مثلنا. أنا وصديقي الذي… أين هو؟ كنت ألتقي به ههنا، خلف الكواليس مختالاً كالهلال الوليد، أجرد إلا من برق يخطف ملامحه كلما تفوّهت بكلمة عن اقتصاد السوق. لم يعد معنا. لم يعد منذ عشرة آلاف سنة. الكؤوس فارغة. نُكّست الفناجين. والشماعة ترثي غربانها المرحّلين. هاجر الخلق وليس من يفتح الباب المغلق. والآن أفهم أن عيني تمرّ على نوائب اليوم مثل سحابة صفراء لا ينتظر خبرها أحد. إلا صديق السوء ذا الوجه المدلهم الذي تركني هو الآخر لكي أنظر في الأمر وحدي. وسوف أنظر في الأمر قطعاً. لقد غزلت سلاسلي من غدائر الأميرة وحملتها مع أمتعتي إلى مليك الجمال. لكن الملعون غاب أيضاً غيبته المعهودة ولم أظفر في بلاطه إلا بالحاجب الأمين، صاحب القبعة الوردية والأرانب. وكانت هذه مشورته على ما ترى. والآن تنفرج من دوني اللحظة كالبصيص. والعجب أن لا يهم. لا لأن أحداً لا يكترث (فأنا هنا، ثم من يدري كم طريقاً في الشعاب إلى الحفيد الأسطوري) بل لأن المروق إلى الخارج يستدعي عبور المسافة بين كرسي الأبنوس والإطار المذهّب، ومن هناك إلى السرداب ذي القناطر مسير ليلة وضحاها، ثم إلى ردهة الفندق بعتباتها الشاسعة والكاميرات الأنتيكة المعلقة من حبال المشانق. وما بالك بحلبات المصارعة المتعاقبة ومن بعدها الشوارع العامة العريضة المرصوصة ما زالت على أغلب الظن بضحايا الماراثون؟ متى سأصل إلى ذلك النهار إذا كان الواحد ومن بعد كل هذا العناد أبعد ما يكون حتى عن مزبلة المدينة؟ ومن يا ترى ينتظرني هناك، في حين كل ما عليّ فعله هو الالتفات إلى الوراء فيصعقني وقع الأقدام المتسارعة وضجيج الأسنان المصطكة وكأن كُتب عليها أن ترجف ملياً قبل أن تنبس؟
جاءت معذّبتي
تلك الجمجمة المجنّحة في آخر الرواق، حيث تخبو كل القناديل حتى الصفر، تمدّ إصبعها النحيف وتستدرجني: “اعطف عليّ أيها الأمير فأنا وحدي في هذا الظلام الفسيح. أنقذني. احنُ عليّ. آنس وحشتي.. يا صغيري.” لكني جئتُ إلى هنا لكي أقابل المليك! أين الذي يلفّ المدى بريشه العقيق؟ أنادي وليس إلا رجع الصدى. ورفيف الجمجمة منبوذاً هناك في مكان ما. أهو إذن الطلسم الموعود؟ هل حان الوقت أخيراً لأكتب رسالتي المنتظرة في الصداقة والصديق؟ وإلا فكيف لم يبق لي عود ثقاب أضيء به الطريق؟ أحد ما يجب أن يتغيّر لكي يندلق السطر التالي من السيرة. ومرة أخرى تغويني الجميلة. بعوائها الرقيق مثل جلدة العنب. جئتُ بمنظاري لكي أتشبع المشهد. هندسته المقدّسة. مربع الأرض. دائرة السماء. كباريه الأزل. متقمّصاً ما خفي من السنوريات. فالله لم يجُد على أمثالي بالأنياب في المحجرين. وكأنّي لا أعرف من ينتظرني في نهاية المزار. من غيرها تفاحة المهل؟ كيف أنسى لقاءنا الأول.. كنت أترنح من شدة التنكيل. أولاد الحي لم يتركوا في داخلي عظمة واقفة. كرامتي لا تسمح لي بأن أبوح بالمزيد. وكانت هي في زاوية البيت، في حضن قريني الأصمّ، الذي ما إن رآني حتى قذفها وراء السور الخلفي حيث بقايا الإطارات المحترقة وأبناء الجاليات يلعبون الكريكيت. ثم كان نباح الكلاب الضرير. ثم بكيت كم بكيت. كان ذلك قبل أن تنمو أجنحتها الثمانية الشبيهة بأجنحة الذباب. ومن يدري كيف كان شعور أمي حين أبصرتني أوسع الجدار لكماً كان قريني قد تبخر واحترق، قلت لها. بُعداً له، قالت. ثم يبدو أنها تبخّرت أيضاً. لكن الأيام أثبتت أني قادر على التسلق مثل أسمى القردة بل أفضل. حيث علمتُ نفسي بينما هم علمتهم البيضة الأولى. ولم أجد غزالة ترضعني في الغاب وتعلمني الأبجدية. للأمانة كنت أعشّ من التلفاز الذي كان يلعلع في المطبخ على مدار الساعة. في المطبخ حيث كنت أقضي أجمل ساعات الطفولة منضماً ثيمة سخيفة لهايدن بينما أخربش أخبار الساعة على طاولة الطعام. أعني تنبؤاتي بيوم القيامة. وأخيراً وقفتُ فوق السور المهيب. أستشرف الرمال التي تيبّست مثل وجه فرعون. وكان الأطفال بكراتهم الحديدية ومجاديف البوانيش المتهالكة قد رحلوا مخلفين وراءهم أبراجاً صغيرة من أكواب البلاستيك وما تبقى عليها من أشكال البرتقال قبل أن تحرقها الشمس. إنها الأطلال. وحبيبتي كالصّحيفة القديمة بين أقدام المارة ومدى قطاع الطريق المتربصين خلف حاويات القمامة. المدينة لا تعرف النوار إلا ليلاً. النهار عندنا مدعاة للنحيب. ويبدو أن الوزارات قد اتفقت فيما بينها على ترويضنا على أضواء الفلورسنت التي ستكون آخر ما نراه على أسرّة المستشفيات قبل أن يضغط موظف التأمين على الزناد. أما ما تبقى من مولدات الطاقة فلإضاءة الفترينات العملاقة وسط العاصمة. والشوارع لمرور الشاحنات المحملة بلحوم الكائنات الأليفة في طريقها إلى تزيين البوفيهات الملتفة حول عنق البحر الدفين. وجدتُ نفسي مهرولاً مع المهرولين. هكذا علمتني الحياة. وأذني تغالب الضجيج لعلها تميز صوت معذبتي بين زئير المحركات. كنت أعرف أن لا بد من اجتياز الخارطة قبل أن تتغير ملامح الأرخبيل كرّة أخرى. يحدث ذلك كل عامين إلى أربعة بالتزامن مع بطولات كرة القدم. وبالفعل تمكنتُ أخيراً من العثور عليها. لمحتها في أحد متاجر بيع الزهور وبطاقات التهنئة وراء آخر كابينة للجمارك وقد حوّلتها العاملة اليابانية إلى مزهرية ووضعت بذرة لوز في قمة رأسها. كيف حقّرتها؟ لم أعد أقوى على تخيّل المزيد من الفضائع. اشتريتها بما تبقى على ظهري من أسمال. وسرتُ بها عارياً على سواحل المحيط الهندي حيث تجرف أنهار الشمال شعراءها وأصدقاءهم بعد أن ييأس المؤذنون والحكماء من إصلاح حالهم. هناك سامرتها إلى الأبد تحت زخات الأمطار الموسمية. ولقنتني بعضاً من الأقوال المأثورة لدى قبيلتها التي كانت أول من شيّد معبداً حتى قبل أن تبني سقفاً يؤوي أطفالها الرضّع على سفوح الأناضول. كم جميل لو بقينا أصدقاء. لكن أجنحتها سرعان ما نمتْ على الجانب المظلم من سطحها الأملس. وصار لزاماً عليها أن تحلّق بعيداً. أقول تحلّق تجوّزاً فهي بالكاد قادرة على الارتفاع قدمين عن سطح الأرض. وقضيتُ عمري بحثاً عن مليك الجمال أرفع إليه شكواي. وأحسب أحياناً أنهما يتبادلان الأدوار وينصبان لي الشراك ببالغ الحنان. كمن يريد أن يعلمني حرفاً فأصير له عبداً.
رأس الأسبوع
الزحام ذاته على المعبر. الزحام ذاته على رصيف الميناء حيث يزدهر باعة الخمور.
دائرة المعارف
نعيش في دائرة أليفة. نحن وسلالاتنا المتحدرة من عريش الطحالب. من الأعماق. قبل أن يخلق الله القبلات العابرة على الشفاه ليبتلينا. نعرف جيداً كيف نطمر. ذلك سرّ البقاء. نحن وعيالنا المطرّزون بنياشين المعتدين. عندنا أيكة منها نقتات: تُرُنْجٌ واثق متزن. وخيارة يومية نقرضها على مهل. كل الأزمنة وضعناها في قفّة السعف الملونة. نتسلى بها بعد نشرة الأخبار. نتلاقفها فيما بيننا ونحسب النقاط آخر الأسبوع. اللعبة تعلمنا درساً في الفضائل الجمهورية. الحظوظ ههنا متكافئة. بالأمس فازت إحدى البنات. لا يمكن أن نتركها بدون علقة تعلمها قيمة اللقمة. الحياة الكريمة تستدعي درساً في الانصياع. أي أن العين لا تعلو على الحاجب. وفوق كل ذي علم عليم. وحتى فوق برلمان الرومان الروم ألم يرعف الإمبراطور؟ وإلا انفرط العقد وضاعت الحسبة. لا مفرّ من التكيف. وعموماً لا مفرّ. كل نقاط الدائرة سيان. والمركز قبل كل شيء. منتصب كالمنارة.
كم جيل توارث دائرتنا الأليفة بمراياها المفروكة القصدير. أبي دائماً معنا وجدي الأكبر الطنبور. لن نترك هذا العشّ أبداً. ولن نترك مخلوقاً مما وراء الجدار على قيد الحياة إن حدث وتراءى في مرمى البصر. عندنا الضبّ المرسال يأتينا بالأخبار من الماوراء. أمزّقها بمخالبي قبل أن أنثرها مثل مشموم العيد على رؤوس العيال.
انظروا كيف عاقبة المسرفين. بعضاً من الامتنان يا أشقياء. أم تريدونها حياة عاهرة مع أصناف الذئاب؟ أن تغرسوا الأقراط في حلماتكم مثل رعاة البقر مثلاً؟ واحسرتاه على عمر قضيناه نعتصر الدم من الحصى لأجل عيونكم. وكبيرنا السحيق، البطريق المسربل بالأحزمة الناسفة. صياد الماموث. حفيد المومياء. الرعيل الأول. جيل العظماء. وهذا الوبر الحنون المرصع بأظافر الأمهات. بيتٌ يحضننا جميعاً مثل شرشف من الكتّان يا جُحدة. والآن ماذا؟ تريدون أن تصيحوا من العطش لكي يسمعكم الجيران؟ سوف تضجّ الدائرة بصياحكم حتى تصمّ آذانكم وتتدلى الحلوق. أما نحن فسوف نكون بالانتظار وفي أيدينا المرهم والزرّاقة. وسوف نحلبكم إلى الأبد.
في انتظار يوم القيامة
البجعة المتشردة على قارعة الطريق والمحاطة بالمحاقن والجبال المطاطية
وأعزائي باعة الذرة المشوية المتراهنون يومياً على النشرة الجوية يجسّون نبض قنوات الصرف تحت الإسفلت المعروق مثل وجه عربيد
وأكياس السوبرماركت الفاضية ترفرف فوق الأسطح
والكلّ مجرد من السلاح
والكلّ مرتعش وبليد مثل جرادة فاجأها الطشت
رِيا على مذبح الإله
يوم اندلق اللبن من ضرعها في فنطاس الكون، استلّ كبير الحشم قارّة فسيحة من جعبته واستعدّ لطقوس الهتك: “بُعداً لها. إنها القمر في دوام سَيَلانه. أما آن للمطحنة أن تزهو أخيراً تحت ترسانة الشمس؟” ثم نزل أسفل الفندق وأشعل غليونه المعبّأ بأيام الأسبوع. لطالما تفكّر: “كيف لأفّاق مثلي أن يهشّم العَجَلة؟ كيف للحاجب أن يزلزل العرش؟”
رفع رأسه وتأمل الحلمة تلفح شقائقها في وريد الأزقة. لم يبق أحد في المدينة. نُكّست الكراسي في الحانات. لكن غداً تنتعش الأبواب بالمقابض وكرّة أخرى يبدأ الفخّار بالصهيل:
هات الشعير لنسقي الغاب بالجرثومة!
هات المسمار لندوزن التعزير في حضن الحجر!
هات الأفق لنطويه على جناح بعوضة!
أكَلة اللحم. مولجو اللحم في اللحم. وفي غضون ذلك:
قيثارة ونشيد أرمد في رثاء إقليدس.
ينبوع الشقاء المتفجّر مثل عين مفقوءة — من أجل ماذا؟ حنجرة وعل أملس وطقطوقة.
هذه المرة سوف يميط اللثام عن رقصة البجع. لم ينصّبه إخوته كبير الحاشية لمجرد أن يفرّغ كهرمانته في أحشاء الحيزبونة: “سيكون لهذه البرنيطة شأن في آتي الأيام. سوف يرفع قوم البحار اسمي فوق كل صنم. سوف يوقن الجرذ الغابر حين أبتهل لنفسي أمام المرآة بأن القدر نحت لي مصيراً أكبر من مصير جرسون.” وراح يعرك قناعاً على هيأة وجه الشمس لعامله الموعود. ويصهر صفيحة من البرونز في صورة خوذة عملاقة. ويغزل عمائم من شباك العنكبوت. ويفرش مائدة يسيل من على أطرافها الشحم ليغري الأباطرة بالانصياع.
هكذا أعدّ الرقعة في غمرة انشغال سيدة الزمان بالترجّل من بركة المحاق وقد كفّ ثدياها عن الانبجاس. ثم تسلّق جدار الزقّارة قبل أن يوشي بها الشعاع. ومن على سطحها (في ظلّ خزّان المياه) مدّ ذراعه المسنونة كالمحشّ وجرّ الغزالة إليه من كعبها. ثم كان السفاح المقدّس (دأبه) مراراً تحت صرير المِفصلة.
المغادرون
عدنا أرض السواد. مداد البحر. ملحه البلّور المخذول المبذول عرقاً عناقيدَ عناقيدَ. عدنا نحيي وسط فخّار وقرميد. ومقابر الجدود. عدنا جدائل بناتي على مسرح السعف وخناجر الأفخاذ حول المسبح المَضيف. عدنا أيها النصل يا عدل الفاتحين. عدنا لم أعد أدري هل الباب مفتوح؟ الفندق والخندق سيان. وفاجعة النفط وهجٌ على الخدود. صديقتي الحيّة ضاعت في الغبار. أين سردابي. أين الملاذ بالعنق عن شهوة السيّاف؟ بُعداً لك من ربع كمين. رمالك أجدى من وعد العقال. أسدّ بها الخيشوم ريثما الأرض تميد. وعدني الباب العالي وعدني بجلباب مكتنز بالكمثرى يسرّ الناظرين. وعدني أم خلته والآن انحشر الخبز في الحلقوم. أتخمني الركون. ووريقة التين. وحرائق الزيتون. وغزّة. وجنين. عظمة أخرى للكلاب. كبدي هذه الجيلاتين. أأرجحها أمامكم لعلكم تمضغون. أنشرها على حبال الغسيل. شفّافة مثل عزاء الجبناء. سائق تاكسي في حارات فيينا. يتهجّى الألمانية. يشتم السياح وأمّه التي أنجبته في فلسطين. كفر بالله وآمن بالحسين. وأنا أهرش فروة رأسي حتى تسيل الدماء. يا نضال، رحماك حتى مدرج المطار. وجهي هذا لن يلطخ مرآتك الخلفية بعد اليوم. يا ريّس احنا آسفين. سوف تنساني شوارع أوروبا إلى الأبد. لست جديراً بهذا الانحناء. مثلي يتقن المماطلة والعويل. سوف أعود أدراجي وأتلاشى بين سماسرة الساعات المزيّفة وتجار القروض. أعدك سوف أختفي بين أرداف الناطحات. سوف أعود إلى بيتي القديم بيت الطفولة الذي صار ملجأً لسائقي الطلبات. أعدك سوف أصعد أدراجه الخفية. إلى البلكونة حيث مخزن الكتب القديمة. والزجاج الهشيم. وكمامات الغاز. وأقنعة البهلوان من عيد ميلادي السادس. السابع. السادس. سيارة ذهبية خبّأها أبي هناك كالقضاء. مثل بقية من ماء الطوفان. سأكون هناك بين كثبان البلاستيك والزركون. كيف أعينك وفراشي على بعد خطوات من بيت السفير؟ وأنت أغنى وأنا المستجير. كفاك مني هذا الثغاء. البوابة الأولى إلى ستين داهية. إلى الجحيم.
مهرجان التسوّق
ها البؤس يغطّي صلعتي ثانية بقلنسوته الشهيرة رطبة الملمس. حدث أن جفّت كلّ أقلامي. يحدث ذلك بين الفينة والأخرى. ولم تبق قرطاسية في البلد إلا وأغلقت أبوابها في وجهي. حتى هؤلاء يريدونني أن أتوقف عن خداع نفسي. الاقتصاد القومي مسخّر ليمنعك عن الحياة. حراس الأمن يوجهونني الواحد تلو الآخر إلى بوابات السوبرماركت. وحيثما أولّي وجهي سوبرماركت. هو سوبرماركت واحد ينوء بثقله فوق أقاليم الإمبراطورية. يمدّ أطرافه يوماً بعد يوم حيثما وجد شبراً من الأرض لا يشغله موقف سيارات أو صراف آلي. من البيت إلى الصراف ومن الصراف إلى السوبرماركت ومن السوبرماركت إلى البيت. وهبْ أني أردت أن أستقطع من رأسمالي الخاص لكي أستثمر في قطاع الثقافة والفنون — أن أشتري قلماً يغري بالكتابة مثلاً — عندها لن أعثر إلا على الفستق والزبيب. والموز. وأدوات التنظيف. والخبز. والجبنة البيضاء. والزيتون. ودبس الرمان. وباقي الأجبان. والأكواب البلاستيك. والأكواب الزجاج. والأباريق البلاستيك. والأباريق الزجاج. وباقي الأكواب والأباريق. ومساحيق الغسيل. وأكياس الشبس. وأكياس البفك. وألواح الشكولاتة. وأكوام الحلوى. والمثلجات. والمشروبات الغازية. والحليب. والعصائر. واللحوم المدخّنة. والمعلبات. ورمل القطط. والألوان المائية. والدفاتر. والأقلام — بلى لكنها ليست الأقلام التي أريد. ليس بهذه الطريقة. والدجاج الطازج. والدجاج المثلج. ولحم البقر. ولحم الضأن. ولحم الجاموس. والهمبورغر. والعدس. والقمصان الاستوائية. وشورتات السباحة. والسجاد. والصابون. والشامبو. والجوارب. وباقي الأزياء. وأدوات الحلاقة. وطلاء الأظافر. ومزيل طلاء الأظافر. ومزيل العرق. ومعطرات الجوّ. والمبيدات الحشرية. والبنّ الحبوب. والبنّ المطحون. والقهوة السريعة. والقيود. والملح. والسكر. والبهارات. وإطارات الصور. وآلات التصوير. وصلصة الصويا. والشطّة. والطحينة. وباقي الصلصات. والأسماك الطازجة. والأسماك المعلبة. والأسماك المثلجة. وسجادات الصلاة. وبوصلات القبلة. وبوصلات الكفار. ومطهرات اليد. والأدوية. والتفاح. وبقية الفواكه. وبقية الخضروات. والسجائر. والولاعات. وأكياس الفحم. وأقنعة التزلج. وأقنعة السطو المسلّح. وأحذية الجيش. والسكاكين. والملاعق. والشوكات. ومعاطف الأطباء. ومعاطف التعذيب. والقدور. وأدوات الخياطة. والروزنامات. وأدوات التنجيم. واللمبات. والصحف. والحليب المجفّف. والحليب المركّز. والحليب طويل الأجل. والبيض. والزعتر المستورد من وسط المستوطنات.
يدي تكتب
يدي تكتب. خرجت عن السيطرة. وطريح الفراش يهجو المقبرة. فتحتُ الثلاجة. أخرجتُ قنينة فارغة. مرّتْ أناملها على السطح الأملس. أوحتْ إليّ بظلّ جناح مديد. يصعد. يصّعّد. ثم يخور. ثم قالت لي نقراً على الزجاج: ألا عِم صباحاً أيها الطلل البالي. ومن أين لي أن أدرك الصبح. عقبالي. عيناي تحملقان في جثّة الأرملة وحلمتها المتفحّمة. وكان أبرهة واقفاً كالساطور خلف أسطول من الدروع البشرية. وكنتُ أحاول جهدي ألا أتحرك كيما لا أثير شبهة العدسة الخنفساء. وكلنا نعرف حجم هذا الكابوس الحميم. إنه الصابونة والشامبو. وأذكار المساء. وبشاعة اللقمة بين الفكّين. والزعنفة الراجفة في الماء. وزنّة المكيّف. والستائر المسدلة. وسلّة الغسيل. وشريط الأخبار بين حشد المقعدين. ورتابة الأكفان على مدّ البصر. وخيوط الذهب على أستار الكعبة. وإكليل الشوك. ومقام إبراهيم. ومعبر رفح. والمجاعة. وتلك التي هجرتْ مضجعي ووضعتني في المهبّ فقط لكي تنفض ما علق بين أصابعها من قشور الترمس. عودي إلى رشدك يا صغيرتي. الكأس فارغة من دونك. هذا أضعف الإيمان. سوف أبقى في انتظار القنبلة. وجوفي المتخم لن يعرف طعم السكينة.
*****
خاص بأوكسجين

