حدثَ ذات مرةٍ أن كتبت: ما عادتْ سينما؛ الحياة التي تقطّعت كشريط!
وباستعادتي لهذه العبارة الآن، أجدني قد اتبعتُ على الدوام مطمحاً، ميثاقاً، معياراً. فأنا بخير طالما أن الحياة أشبه بفيلم، ومتى غابَ هذا الشبه، أو تقطّع الفيلم أو تمزَّق أو اختفى، فأنا بلا أدنى شكٍّ لستُ بخير!
وهنا يحضرني ما نسمعه مراراً وتكراراً بأن الحياة أشبه بمنام، ساعياً إلى استبداله بالقول: إن الحياة أشبه بفيلم! ليس فقط لأن منطق الفيلم مماثلٌ لمنطقِ المنام، ويحتملُ التكثيف والتنقل بحريةٍ في الزمان والمكان، بل لتفوقِ الفيلم على المنام، لكونه يأتي نتيجة فعلٍ وإبداعٍ واعيين، وما جَعْلُ الحياة أشبه بالفيلم بجمالياته ومفاجآته ومغامراته إلا مهمة تتطلب الكثيرَ من الجهد المماثل للجهد المبذول للحفاظ على الأمل مقابل اليأس المتوفر بسهولة وكثرة، والحرص على تلقي جرعاتِ جمال لا تنضب، بينما يقتصرُ المنام على ما يصوغه اللاوعي.
بدايتي على هذا النحو شديدةُ الاتصال بهذا الكتاب، ولها أن تضيء على المقصود بعنوانه “الشاشة من أمامي والعتمة من حولي” فهو أولاً حصيلة هوسٍ سينمائي، هوس آتٍ من روائي يريد للحياة أن تكون حكايةً تُروى، ومستعد حياتياً لخوضِ غمار كل شيء لتحقيق ذلك، وقد كانت السينما أداة مدهشة في تعزيز قدراته وتوسيع آفاقه لينجز ذلك بما يرضيه، فإذا به من حيث يدري ولا يدري يغوصُ عميقاً جداً في السينما وتاريخها ونظرية الفيلم، اعتباراً من عام 2005، حين أسستُ الصفحة السينمائية في جريدة “الإمارات اليوم” في دبي، ولعلي في ما يلي أستقي بعضاً من جنون تلك الأيام الجميلة في الكتابة الصحفية اليومية عن الأفلام، وتغطية المهرجانات الدولية والإقليمية والكتابة عن الأفلام في عروضها الأولى، ومن ثم انتقالي إلى مهرجان دبي السينمائي الدولي، ودخولي عالم الصناعة السينمائية، الأمر الذي سرعان ما اكتشفت بأنني لم أُخلق له، فأنا في النهاية روائي وقاص لا يستطيع مواصلة العيش من دون كتابة، بما في ذلك الكتابة عن الأفلام، أو تأليف سيناريوهات الأفلام، بينما كان العمل في المهرجان أشبه بالعمل بمصنعٍ أو شركة، أي نعم شاهدتُ فيه مئات لا بل آلاف الأفلام، لكن الحياة كانت تتقطع كشريط.
وعليه فإن هذا الكتاب، وعلى نحو شخصي وفكري وإبداعي ونقدي، يمضي كشريطٍ متصل، مُمنتج ليعيد الزمن كمتواليةٍ من الأفلام، حين كانت الكتابة عن الأفلام عملاً يومياً، يتطلبُ مني مشاهدةَ كل ما يطفو على الشاشة، بما يوفر مادةً انتقائية لصفحتي السينمائية وهي تتطلب مني الكتابة عن السينما والأفلام لخمس مرات في الأسبوع، وعلى مدى سبع سنوات (2005 – 2012)، وفّرت لي الجريدة حينها بالتعاقد مع سينما في “بر دبي” فرصة مشاهدة أي فيلم معروض، مع إمكانية توفير عرضٍ خاص في حال تعذَّر عليّ حضور الفيلم في تواقيت عروضه الجماهيرية. لم ألجأ إلى هذا الخيار الأخير سوى مرة أو مرتين، إذ كنت قد نظمّت وقتي بأن أبدأ المشاهدة مع أوائل العروض أي في الثانية عشرة ظهراً، وهو توقيت غالباً ما تكون فيه الصالات فارغة في أيام الأسبوع، وهكذا شاهدتُ مئات الأفلام في صالاتٍ تحتوي مئات المقاعد ما من مقعد مشغول فيها سوى الذي أجلس عليه!
كان الأمر أشبه بعنوان كتاب للشاعر العراقي الراحل مهدي محمد علي “سماعٌ منفرد” في لعبٍ حصيف على ما يُعرف بالعزف المنفرد، إذ تحوّل العرض السينمائي لفيلمٍ إلى عرضٍ لمشاهدٍ واحدٍ فقط لا غير – هو أنا، ما حوّلني إلى “مشاهد منفرد” وليترافق ذلك مع تهويمات نفسية عجيبة، وأنا أجابه وحيداً شاشات هائلة الحجم مدججة بكل العتاد التقني من “دولبي” وصوت محيطي، بما حوّل الأفلام التي كنتُ فيما مضى أشاهدها في شرودٍ إلى مصدر تحفيزٍ وإثارة هائلين، مع قدرةٍ عجيبة على تصعيد الأدرينالين.
نعم لقد عاد الزمن ليكون متواليةً من الأفلام، تمشي بالتوازي مع الحياة، وأحياناً يتداخلان فلا أعود أميّز بينهما، وافتراقهما يعني أنني أعيش جرعةً زائدةً من الواقع ألحقتْ خللاً في هذا المسار الهانئ للعيش في السينما، والشاشة من أمامي والعتمة من حولي.
إنه كتاب أسسته على تناول تجارب عشرين مخرجاً، من دون أن أعرف وأنا أمضي في تأليفه لماذا عشرون وليس ثلاثين أو مئة! فإذا به يتخطى العشرين بالتأكيد طالما أنني حرصت متى أتيح لي وضع سياق لكل تجربة إلى تناول تجاربَ أخرى وتواريخ ومنعطفات سينمائية، وصولاً إلى استسلامي لغواية موضوع بعينه مثلما هو الحال مع “أفلام وجهة النظر” و”أفلام اللقطة الواحدة”، والغوص في عوالم من خاضوا غمار تلك الأفلام!
أعود وأكرر للمرة الأخيرة، لقد عاد الزمن ليكون متواليةً من الأفلام، ويا لها من متعةٍ أمضيتها مع أبواب هذا الكتاب الخمسة وفصوله العشرين، يا لها من بهجة سينمائية مترامية عساها تمتعكم وتبهجكم وتهبكم قطعة من أرواح سينمائية بمقدورها مصارعة الزمن والقول لكم: إنها سينما؛ الحياة التي تمتد وتترامى كشريط.
________________
مقدمة كتاب “الشاشة من أمامي والعتمة من حولي” الصادر أخيراً ضمن سلسلة إصدارات هيئة الأفلام السعودية “سينماء”.
*****
خاص بأوكسجين

