– “يتعارض العقل مع العاطفة في الرؤوس الغبية فقط”، اقتباس لا بأس به لترميه عليّ، وها أنا أعدّ الرؤوس الغبية.
– الأفضل أن تواصل العد، أرجوك واصل العد فقط!
– هل أشمل نفسي بهذا الإحصاء؟
– هذا عائد لك!
– سأنام إن واصلت العد. بدت الرؤوس الغبية رؤوس خرفان وعدها أسلوبي الوحيد للتخلص من الأرق.
– نم إذن!
– أريد أن أرمي ببعض العبارات.
– الأفضل أن تنام، لا أريد أن أسمع مواعظ وترهات.
– تذكرت ما قلته لي يوماً!
– ماذا قلت؟
– عندما تبدأ بالوعظ فاعلم أنك في كارثة.
– لا أتذكر ذلك، لكن هذا ينتمي للحقيقة!
– لم أصل الموعظة بعد، هناك مشايخ كثر يعظون ولم أشعر..
– لم تشعر بأنك في كارثة؟
– أنا أستخدم العقل!
– العقل معطل، العقل لا منفعة له في أيامنا هذه، “منفعة الشيء تجعله قيمة استعمالية”.
– ما الذي يعمل؟ ما الذي يستعمل؟
– الأدرينالين القيمة الاستعمالية الوحيدة، مستعمل بكميات هائلة في كل ثانية ويكاد لا ينفد أبداً! الأدرينالين لا يواجه المجزرة إلا بمجزرة! لتبدأ المجزرة بملاعق المطابخ، مهما كانت العتمة فإننا سنتخبط بها وفي أيدينا مشاعل تمزقهم إرباً، سنقتلهم جميعاً، سنكدس الجثث، سنصل فيها السماء، سنكون برج بابل الموتى.
– أكثر من خمسين سنة مرت ونحن مدفونون، ماذا تريدنا أن نفعل، نعم سنقتلهم جميعاً، سنمرغ بآلهتهم التراب، قتلونا ويقتلون ونحن سنقتلهم ونحرس صعودهم إلى جهنم، إنهم السفلة ولا أحد غيرهم.
– “ترفعون العقيرة ضد الشيوخ الأفاضل، وهم الذين بعد الآلهة فرضوا الخوف عليكم وإلا لأكلتم بعضكم بعضاً”.
– أتحسب نفسك كريولانس!
– نعم! شرط أن تقبل أن تكون إلهاً!
– لا لست إلهاً!
– ها أنت تحتكر جهنم!
– أنت في الجنة!
– كيف لك أن تعرف؟
– لست من القتلة، ليس لك أنياب لتغرزها في لحمنا. لم تسطُ على وطن بأكمله وتريد تدميره كاملاً لأن هناك من قال لك “لا”، لست ممن لا يقبلون القسمة على أحد، وأنا أيضاً لست كذلك، لست إلا ضد هؤلاء القتلة، وكل الصفات التي يتجملون بها كاذبة، هم قتلة فحسب، ولنأكل بعضنا بعضاً لكن دون خوف، المهم أن الخوف قد لقى حتفه، الخوف الذي أمضوا أربعين سنة يكدسونه علينا.
– نعم إنهم قتلة، لكن هناك كثر يصادقون على القتل، ماذا سنفعل بكل هؤلاء؟ هل نقتلهم أيضاً؟
– كل يتحمل مسؤولية موقفه!
– لا مانع من قتلهم؟
– ليكن ..هذه حتميات ومسارات لا يد لأحد بها، يدي ويدك لا تقرر، الأيدي تفعل فقط.
– هذا مخيف!
– الخوف رفاهية ليست بالمتناول!
– لا يمكن أن يكون ذلك باسم وطن.
– أنت من يعظ، أنت من في كارثة، أما أنا فلا! أنا أعيش اليقين، يقين محاربة الظلم والانتصار للحرية، وليكن ذلك باسم أي شيء، بسم الله والشيطان والسفلة.
– الله والشيطان اسمان لمدلول واحد.
– ليكن..
– اليقين كارثة أيضاً!
– أنت لا ترى إلا الكارثة، تفكيرك انهزامي، أما أنا فلا أرى إلا الحرية، الحرية لدرجة العبودية لها إن شئت.
– هناك دجل كثير حاصل، هناك سعار نحو التطهر من خمسين سنة بالكلام فقط، بالعواء الافتراضي، بممارسة متطابقة مع ما نثور عليه، بمدرجات مليئة بالمشاهدين وجمهرة من الأبطال يموتون كرمى لعيونهم الدامعة.. أكره الببغاوات ولا أريد أن أكون غراباً، لا أريد ان أكون عراب الدم، لا أريد أن أدفعهم للموت وأقتات على دمائهم، أكره الكلام حين يمسي ذكراً حكيماً دموياً، أكره النسخ المشوه عن نسخٍ مشوهة، والشعور الذي يهبط فجأة على أحد ما بأنه ملاك وكل من معه ملائكة وهو ممرغ بالوحل، أكره من يحبون الاضراب عن الطعام وهم يزدادون سمنة، أكره –
– هل هذا كل ما تراه؟
– لا.. أبداً، هذا ما يجدر الانتباه إليه أيضاً.
– ألا ترى الولادة، هذا هو المخاض فقط..
– أوافق، هذا مخاض، هذه آلام بحجم الخمسين سنة، هذا كل ما نحن عليه، قتلى مصادق على قتلهم على بياض، عرايا أمام المرايا للمرة الأولى، لكن ما من أحد يفكر بما سنفعل بهذا العري، كيف سنمضي كل الشتاءات المقبلة ونحن عرايا، البطولة فقط لا تكفي، التضحيات فقط لا تكفي، وخوفي أن تتحول إلى احتفال جنوني بهذا العري.
– لننتصر على القاتل والقتلة أولاً ثم نفكر بما تعظني به!
– ما قلته لا يعيق ذلك!
– بل يعيق!
– لا أريد أن يحولنا القتلة إلى قتلة مثلهم!
– المظلوم ليس قاتلاً، المظلوم لا يشبه الظالم أبداً!
– “يتعارض العقل مع العاطفة في الرؤوس الغبية فقط”
– أنا غبي إذن.
– أكره الغباء والأغبياء.
– تحالف مع الأعداء إذن كما فعل كريولانس!
– أنا أوصّف فقط!
– اسكت واخرس ولا تنطق بحرف واحد إذن!
– ها أنت إله مجدداً!
– ليكن. أنا إله وآمرك: اصمت فتصمت!
– كن فلا يكون.
– كن فيكون.
————————-
نشر هذا النص سابقاً في أوكسجين وذلك ربما في عام 2012، ولم أغيّر سوى “أربعين سنة” بـ “خمسين سنة” ياللمفارقة! وهو كما غيره من مواد في الأعداد من 1 إلى 137 لم نتمكن من استعادتها بعد تعرض أوكسجين في 8 شباط/فبراير 2016 لأعنف عملية قرصنة شهدَتها على الإطلاق، حيث أُزيلت بأكملها من على الإنترنت. جميع العبارات الواردة بين علامتي اقتباس مأخوذة عن “مأساة كريولانس” لشكسبير.

