عمرو بيومي والسيناريو المستحيل
العدد 303 | 5-1-2026
زياد عبدالله


قلتَ:

“اكتب السيناريو يا زياد!”

فكّرتُ بالأمر حينها، ووجدته مستحيلاً!

الآن يمسي الأمر أكثر استحالة، طالما أنني سأبدأ من النهاية يا عمرو، من النهاية التي لا يحبها أحد. سأحاول، أعدك، وها أنا أكتب:

داخلي. غرفة نوم – ليل

رجل رقيق في أوائل الستين –

داخلي. صالون بيت – ليل

مخرج رقيق متمدد على الأريكة، منهك، وقد انتهى للتو من إنجاز فيلمه الوثائقي الأخير-

كلما حاولت بدا الأمر أكثر استحالة!

كيف لي أن أكتب سيناريو موت مخرج. موت فنان، صديق، قاهري حتى النخاع، عرّفني على القاهرة التي عشقتها برفقته وهو يحمل حقيبته على ظهره ويتنقل فيها كما لو أن قدميه لا تلامسان الأرض.

كيف لي أن أكتب عن موت صديقي عمرو بيومي!

داخلي – غرفة كاتب – ليل

زياد يتصل. يجيب عمرو.

(…)

عمرو

انتهيت للتو من فيلم عن تاريخ اليسار المصري.

زياد

خبر عظيم.

ملحوظة: لا عمرو ولا زياد يعرفان أن أحدهما سيموت، ولا كان الثاني يعرف شيئاً عن حالة الأول الصحية، لا هو أخبره ولا ذاك سأل، أخذتهما أحاديث السينما، فهذا الذي اسمه زياد طلب من عمرو المشاركة في مشروع سينمائي “نظري” يمتد لثلاث سنوات.

عمرو

لا أعرف ماذا ستكون عليه مشاغلي على امتداد ثلاث سنوات!

سيقطع زياد هنا، ليقول لصديقه إنك تظهر في مطلع فيلمك عن اليسار المصري، ثم وأنت واقف على شرفة بيتك تقول (فويس أوفر): “لمّا اتعرض فيلم (الكرنك) سنة 1975 كان عندي 14 سنة. تأثير الفيلم عليّ لما شفته بالسينما كان تأثير عاصف. خلاني أفكر بحاجات أول مرة أفكر فيها، وحتفضل شغلاني الحاجات دي بعد كده، وبوسط أحداث الفيلم اتولد جواي تعاطف خاص مع الطالب اليساري اللي مات في المعتقل بضرب الشوم من السجان. اهتمامي بأفكار اليسار في الفن والثقافة وفي التاريخ السياسي والاجتماعي لبلدي مصر تراكم مع العمر وأصبح انحياز واعي، لكني عمري ما حاولت انضم لحزب أو تنظيم سياسي يمكن ما كانش عندي شجاعة احتمال المحتمل من التعنيف في المعتقل…”

عنوان الفيلم: “مجنون أمنيات – وجوه من تاريخ اليسار المصري”

وهذا جعل من الذي اسمه زياد صديق مخرج هذا الفيلم الذي توفي قبل أن تنقضي هذه السنة بثلاثة أيام، في مأزق وهو عالق في مطلعه، من برولوغ عمرو سالف الذكر إلى مشهد جلسة يسارية غنائية وصولاً إلى عنوان الفيلم (دقيقتان ونصف)، وهو يعيده مرة تلو الأخرى.

طبعاً لم يحصل هذا مع زياد حين شاهد “رمسيس راح فين” (2019)؛ ولا “خلف حاجز اسمنتي شفاف” آخر ما شاهده لصديقه وهو يطلّ فيه على القاهرة من شرفة شقته في حي السكاكيني أثناء جائحة كوفيد، ولا حتى في “الجسر” (1997) و “بلد البنات” (2008)، حين كان عمرو يصنع أفلاماً روائية.

قلتَ:

“اكتبْ السيناريو يا زياد!”

أفكّر بالأمر الآن، لا أجده مستحيلاً، لا بل هو بمتناول اليد! كما لو أنني أقتبس مسرحية صلاح عبد الصبور “ليلى والمجنون” إلى السينما، مشروعك الذي لم تصوره، فمطالبتك لي بكتابة السيناريو كانت متعلقة بروايتي “برّ دبي” التي تعرفت إليك من خلالها وقد عقدت العزم على تحويلها فيلماً، وحينها لم يكن مضى على فروغي منها سوى سنتين، وكان ذلك في عام 2010، وعلاقتي محض أدبية معها.

لكنك كنت حريصاً على روايتي أكثر مني، فأحضرت سيناريست محترف بحق، لكن لم تعجبك معالجته لأنها غيّرت أو “حرّفت” الرواية كما قلت، ثم توقف كل شيء مع الثورة المصرية وهنا عليّ الاختلاف مع ما تورده في “مجنون أمنيات” والقول: لقد كان في كل ما فعلته أثناء الثورة شجاعة تقبل كل الاحتمالات… كنت على أتم الجهوزية لأنك “مجنون أمنيات” بحق.

مضى زمن طويل الآن وأستطيع تحويل “بر دبي” كما لو أنها رواية من تأليف كاتب آخر! أقول وأكرر نعم أستطيع، أقول لك ذلك وأنا كلّي ثقة في أنك في مكان أفضل من هذا الذي أنا فيه.

 


كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحترف أوكسجين للنشر. صدرت له العديد من الروايات: "سيرة بطل الأبطال بحيرة الانكشاري ومآثر أسياده العظام (1984 هـ)" – (2019)، و"كلاب المناطق المحررة" (2017)، و"ديناميت" (ط1: 2012. ط2: 2018)، و" برّ دبي" (ط1: 2008. ط2: 2018). وله في القصة القصيرة: "سورية يا حبيبتي" (2021)، و"الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص" (2016). كما صدر له شعراً: "ملائكة الطرقات السريعة" (2005)، و"قبل الحبر بقليل" (2000). من ترجماته: "محترقاً في الماء غارقاً في اللهب-مختارات من قصائد تشارلز بوكوفسكي" (2016)، و"طرق الرؤية" لجون برجر (2018)، و"اليانصيب وقصص أخرى" لشيرلي جاكسون (2022). وله أيضاً كتاب مختارات من التراث العربي بعنوان "الإسلام والضحك- نواضر الخاطر في كل مستطرف باهر" (2018)،  و"لا تقرأ هذا الكتاب إن لم ترَ من السماء إلَّا زرقتها" (2023) الصادر عن محترف أوكسجين للنشر.