يصدر هذا المقال عن رؤية بسيطة للترجمة بوصفها فعلَ قراءة بالأساس، وكلّ قراءة في مفهومها الأدنى هي تحصيلُ معانٍ. فإذا كفّ عملُ القراءة عن الفهم، وجدنا أنفسنا أمام حالٍ من عطَب المعنى وتعطّله. فهل يمكن الحديث عن ترجمة حين يكون المعنى نفسُه في ذهن المترجم مُصابًا بالشلل؟ نعم يمكن ذلك إذا اندرجت الترجمة ضمن التيّار السرياليّ. وذاك ما سنعمل على توضيحه في هذا النصّ لإبراز ما غفل عنه أندريه بروتون في بيانه.
حين نشرنا في دار ميسكلياني رواية «حيث تركتُ روحي» للكاتب الفرنسيّ جيروم فيراري، اقترح عليّ الناشر الفرنسيّ «آكت سود» اقتناء حقوق أعمال روائيّة أخرى للكاتب نفسه، من ضمنها رواية «موعظة في سقوط روما» المتوّجة بجائزة الغونكور الفرنسيّة الرفيعة سنة 2012، وحين أعلمتُ بذلك بعض الأصدقاء ذكّرني أحدُهم بأنّ الدكتور شاكر النّوري الروائيّ والمترجم العراقي الكبير (66سنة) قد ترجم الرواية منذ سنوات وبأنّ ترجمته صدرت عن شركة المطبوعات في لبنان، ونصحني ربحًا للوقت والجهد بالاتصال بالدار اللبنانية واقتناء الترجمة، فرحّبت بالفكرة في سعادة عارمة واقتنيتُ نسخةً من الكتاب للاستمتاع بالترجمة وارتشافها ارتشافًا ما دام المترجم روائيًّا حاصلًا على الدكتوراه من جامعة السوربون سنة 1983 وهو بذلك يبزّ الفرنسيّين أنفسهم في لغة فولتير، لكنّ أندريه بروتون الملعون تلبّس بي وظلّ يُوجّه قراءتي على امتداد صفحات الرواية حتّى أخذتُ أتساءل حالما فرغت من الكتاب: لماذا غفل النقّاد عن إدراج جيروم فيراري ضمن السرياليّين الكبار؟ وسرعان ما عدتُ إلى النصّ الفرنسيّ الأصليّ لأضاعف مُتعتي من قراءة الرواية وأتعمّق في عوالِمَ سرياليّة لا عهد لي بها. ولشدّ ما كانت تلك المتعةُ عظيمة، وأنا أتأرجح كالطفل بين ترجمة النوري والنصّ الفرنسيّ الأصلي، ومن الأنانيّة القاتلة أن أنعم بها وحدي ولا أشرك فيها القرّاء.
1/ في قلب العنوان على ظهره بحرفٍ واحدٍ فقط:
ورد العنوان الفرنسيّ في انسجام تامّ مع المتن الروائيّ بوصفه خطابًا تأمّليًا في سقوط روما لا إخبارًا عن واقع السقوط: « Le Sermon sur la chute de Rome.»، وترجمته العربيّة بكلّ بساطة هي: «موعظة في سقوط روما»، فكلمة Sermon في الفرنسية، شأنها شأن الأصل اللّاتيني لها sermo لا تعني مجرّد كلام عن حدث، بل خطابًا تأمّليًّا، وعظيًّا، الحدثُ فيه منطلقٌ للتّفكير الأخلاقيّ أو الوجوديّ، أي أنّ «سقوط روما» هنا ليس موضوعًا تاريخيًا يُشرح، بل هو رمزٌ يُفكَّر فيه. ولنا في العربيّة جذور راسخة لهذا التمييز في مصنّفات كثيرة مثل «الكشف في علل الأشياء» للكندي، و»فصل في معنى العدالة» للفارابي، وإذا قال قائل إنّما تلك عربيّة قديمة مهجورة فيمكنه الاكتفاء بـ«رسالة في التوحيد» لمحمّد عبده. أمّا النوري فحاصل على درجة الماجستير في الإعلام مِن المدرسة العُليا للدراسات بفرنسا، لذلك قلب حرف الجرّ «في» إلى حرف الجرّ «عن»، وما الضير في ذلك؟ أليست حروف الجرّ إخوة؟ وهكذا صارت الرواية منذ العنوان مجرّد إخبارٍ عن حادثة السقوط وشرح لها، أسوةً بأقوال كثيرة مثل «محاضرة عن الديموقراطية» أو«بحث عن الهجرة». فإذا أضفنا إلى سيرة المترجم حصوله على الدكتوراه في السينما والمسرح من جامعة السوربون فهمنا إدراكَه قيمةَ الحَركة، إذ قلبَ العنوان على ظهره بحرفٍ واحد، وهو ما لا يقوى عليه كلّ أبطال الجيدو أجمعين. فما أفدح خسارتنا في بطل.
2/ الفصل الأوّل أو حين تُستبدَل أملاحُ الفِضّة بورقٍ فضّي… ويصير الحِصنُ همسًا:
في الفصل الفرنسيّ الأوّل، يبني جيروم فيراري عالمه على صورةٍ فوتوغرافيّة: غيابٌ مُثبتٌ كيميائيًّا على الورق، وأمٌّ تُحدِّق فيما وراء العدسة، وأزمنةٌ تُقفَل وتُفتَح كما تُقفَل الأبواب في الليل. فإذا نحن قبالة عالم شديد الدقّة، حتى “الضوء” فيه له مقدار من الاضطراب، و“الصوت” له فرادته، وللنفي منطقه القاسي.
أمّا في الترجمة العربيّة، فإنّنا نغدو أمام فنٍّ موازٍ: فنّ قلب المنطق، وتبديل المادة، وإعادة توزيع الحواس، فيصبح الوصف في كثير من المواضع وصفًا لشيء آخر غير الذي كتبه المؤلف.
أ-النفي الوجودي يتحوّل إلى “شيخوخة طبيعيّة”: «لم تكن قَطّ» تصبح «فقدت منذ زمن»:
في الأصل الفرنسي، الجملة لا تقول إنّ الزوجة “كانت شابة ثمّ شاخت”، بل تقول شيئًا أبرد وأقسى: … زوجتُه لم تتغيّر لأنّها لم تكن قَطُّ شابّة ولا نضرة:
«… son épouse n’avait pas changé parce qu’elle n’avait jamais été jeune ni fraîche …»
أمّا الترجمة العربيّة فتقرّر العكس بكلّ حزم، إذ تجعل الشباب حالة سابقة ضاعت:
«ولم تتغيّر عليه ملامح زوجته بكل تأكيد، فمنذ زمن طويل فقدت شبابها ونضارتها…» ، ص 21. وهذا ليس “تنويعًا” ولا “تلطيفًا”، بل قلبٌ مباشر: ففي قوله: « لم تكن قَطُّ شابّة ولا نضرة” نفيٌ لوجود الشباب من الأساس. لكنّ المترجم الرحيم العامر قلبه بقيم المحبّة والجمال ينقلب على قسوة الكاتب ويكتب «بكلّ تأكيد» (ولا أعلم من أين تسلّل التأكيد إلى النصّ) «فقدت شبابها…» ليُثبت أنّ الشباب كان موجودًا ثمّ زال. وهكذا يمنح الشخصيّة ربيعًا متخيَّلًا وينقذها من بطش الكاتب اللّعين.
ب–الكيمياء تُستبدَل بالقرطاسيّة: «أملاح الفِضّة» تتحول إلى «ورقٍ فضّي»
يبدو أنّ روح الدعابة تعلو لدى المترجم كلّما تقدّم في النصّ، والدعابة ناتجة ههنا عن المفارقة الدائمة التي يحرص عليها المترجم حفظه الله بين ما قصده الكاتب وما فهمه السيّد نوري النشوان، فإذا أراد الكاتب أن ينقل لنا عمليّة إنتاج الصورة في فنّ التصوير الفوتغرافيّ بدقّة (وللكاتب رواية في هذا المجال بعنوان: على صورته) فهم المترجم أمرًا آخر وهو الضليع في هذا الفنّ، فحوّل ثرثرة الكاتب اختصارًا من باب الحرص على وقت القارئ الثمين. ففي الأصل الفرنسيّ يتحدّث الكاتب عن عمليّة كيميائيّة تتثبّت فيها الصورة الغائبة بفعل أملاح الفضّة: «… fixées ce jour-là sur le papier par le sel d’argent …» وترجمتها العربيّة: «… المُثبَّتةُ يومئذٍ على الورق بأملاح الفِضّة…»، لكنّ المترجم يعرف بداهة أنّ ورق التصوير الفوتغرافيّ يُسمّى «الورق الفضيّ» لأنّه مشبع بأملاح الفضّة، فيعالج جملة الكاتب الثرثار كي تصبح «… الغيابات التي وثّقها على ورقٍ فضّي…»(ص27). والمشكلة هنا ليست في “إمكان التسمية”، بل في تركيب الجملة الفرنسية نفسه، فالنص لا يصف نوع الورق، بل يشرح الوسيلة الكيميائية التي ثُبِّت بها الأثر على الورق. وعبارة par le sel d’argent لا تعني “على ورقٍ فضّي”، وإنما تعني: بأملاح الفضة/بفعل أملاح الفضة؛ لأنّ “الملح” هو العامل، لا “الورق” .
وبهذا التحويل الصغير يُمسَخ المعنى تمامًا، فنخرج من عالم التصوير الفوتوغرافيّ إلى عالم «القرطاسيّة» كأننا أمام ورقٍ معدنيّ لامع لا أمام أثرٍ يتكوّن ويثبت كيميائيًّا. لكن يبدو أنّ للمترجم رأيًا آخر مفاده أنّ «القرطاسيّة فنّ».
ج- المتراس يصبح “همسًا”: حين يتحوّل rempart إلى موسيقى خلفيّة:
النصّ الفرنسيّ يصف مارسل بأنه “حصنٌ/متراسٌ هشّ” يحفظ وجود الأسرة من العدم. وهي صورة وجوديّة صلبة: «… leur unique et fragile rempart contre le néant …»
لكنّ الترجمة تقفز قفزة بهلوانيّة: فتجعل “المتراس” سدًّا (قد تمرّ)، ثم تضيف ما لا أصل له، وهو الهمس: «… وكأنّه الآن السدّ الوحيد والهمس الوحيد الذي يفصل أسرته عن العدم…» (ص 19).
والمشكلة هنا ليست في “سدّ” (مع أنّها ليست دقيقة)، بل في “الهمس”. والهمس ليس fragilité،ولا هو rempart، بل ليس شيئًا في الجملة الفرنسية أصلًا. والنتيجة أنّ الصورة الوجوديّة الصلبة تنقلب إلى استعارة رخوة: الأسرة لا يحميها “حصن هشّ”، بل همس… وما أشدّ إعجاب المترجم الفنّان بالأصوات البُلبليّة.
د– “التعفّن” يصبح “تخميرًا”، أو حين تُعامل الجُمجمة كأنّها عنب:
في تشبيه الذبابة، لا يترك النصّ الفرنسيّ مجالًا للتأويل،فالذبابة “وُلدت من تعفّن جمجمة ملعونة”: «… née de la putréfaction d’un crâne maléfique …»
أمّا الترجمة العربية فتجعلها ناتجة عن تخمير جمجمة: «… ذبابة نتجت عن تخمير جمجمة لمخلوق شرير…» (ص 22)، وكلمة Putréfaction ليست “تخميرًا” بأي قاموس: هي تعفّن/تحلّل/نتانة. أمّا “تخمير” فمجاله: العجين، العنب، الصناعة الحيوية… لا الجماجم. وهكذا تتحوّل صورة الرعب في الأصل إلى صورة أرستقراطيّة فخمة قد تقدح في الذهن مشهد المترجم وهو يتلذّذ بعصير عنب حلال ويترجم على الورق الفاخر الذي استعمله بديلًا من «أملاح الفضّة».
هـ- نشوة السكر وفوضى الأمكنة:
هل كان المترجم واعيًا حقًّا وهو يترجم هذا العمل؟ نطرح هذا السؤال مجازًا، لأنّنا إزاء حالة شبيه بحالة السكر وما يخلّفه من نتائج أبرزها الضياع في الزمان وفي المكان، ويبدو أنّ نتائج التخمير قد انتقلت إلى الأمكنة، فإذا قال الكاتب بالفرنسيّة: «… une mine de sel en Basse-Silésie.» وترجمتها بالعربيّة: «في منجم ملحٍ في سيليزيا السفلى»، قال المترجم: «في منجمٍ للملح في منطقة «باس سليمي»» ص8. وهكذا صارت «سيليزيا السفلى» ««باس سليمي»، ولعلّها المنطقة التي سافر إليها المترجم ولم يسافر إليها النصّ، ومع ذلك على الكاتب أن يشكر المترجم لاجتهاده البيّن فلم يجعله «جيروم مرسيدس» بدلًا من جيروم فيراري.
و- اليد المدلّاة وتأرجح المعنى:
في خاتمة الفصل الأوّل يرد حديث عن العلامات غير المرئية لانهيار العوالم: «… la main fine et abîmée d’une jeune femme …»، وكلمة abîmée هنا، تعني: متضررة، منهكة، مخدوشة، قاسية عليها الحياة. لكن الترجمة العربيّة الرهيفة تقول: «… يد رقيقة، مترهلة لامرأة شابة…» (ص 28). وعبارة «مترهلة” ليست “متضررة”؛ إنها صفة جسدية تُحيل إلى الترهل والارتخاء. ولكن هل يجوز لمجرّد إصلاح خطأ أن ننزع الرحمة من قلب المترجم الحنون؟ فلْتسقط روما… ولْتَسقط كلّ المعاني، فالمهمّ هو الرقّة والارتخاء وأصوات البلابل الناعمة. والحمد لله أنّ المترجم لم يكن مراسِلا حربيًّا وإلّا لجعَل طائرات الغزاة ترشق العشَاق بالبلابل والورود.
3/الفصلُ الثاني: من سقوط روما لجيروم فيراري إلى تهذيب الأخلاق لميسكويه:
في الفصل الفرنسيّ الثاني يكتب فيراري عالمًا لا يرحم: ألسنةٌ جارحة، أرقامٌ محدَّدة، وأوصافٌ قاسية تُبقي القارئ داخل مزاج النصّ. أمّا في العربيّة فلدينا فنٌّ آخر يتقدّم بثقةٍ لا تعرف الشكّ، فالشتائم تُهذَّب حتى تفقد وظيفتها، والاثنا عشر تُصبِح أحد عشر بلا سببٍ سوى نزوةٍ حسابيّة، والقُبح يُترجَم جمالًا، وتبلغ الترجمة ذروة الإبداع حين تتحوّل عبارةٌ فاحشةٌ واضحة إلى ملاحظةٍ تشريحيّة عن حجم الكتف، كأنّ النصّ لم يكن يُريد شتيمةً بل تقريرًا طبّيًا سريعًا.
أ- حين تُغسَلُ السُّوقيّةُ في “مغسلة الآداب”، يصبح المنيوكون تافهين:
هل يمكن الحديث عن الجمال بمعزل عن الأدب؟ لعلّ هذا السؤال هو الّذي ظلّ يتردّد في ذهن فتى عراقيّ شابّ مؤدّب وخجول ينقل لنا في زمان غير زماننا نصّ فيراري ويداعب ربطة عُنقه المتناسقة مع ألوان البيجاما التي يرتديها بين الفينة والأخرى، لذلك حين يصرخ فيراري بالفرنسيّة: « Vous êtes une bande d’ivrognes et une bande d’enculés,» يهمس النوري في لباقة وأدب: « أنتم عصابة من السكارى والتافهين.» (ص 34)
والترجمة هنا لا تحتاج إلى ذائقة ولا تأويل؛ لأنّ كلمة «enculés» ليست “التافهين”. فـ“التافه” شتيمةٌ اجتماعيّة باردة تصلح لخلافٍ على دور في الطابور، أمّا «enculés» فسبّةٌ سوقيّة فاحشة تُستعمل لتُسقِط هيبة المخاطَب في لحظة، وتكشف طبقة المتكلّم ونبرته وحرارته. وحين تُستبدَل هذه الفحولة اللغويّة بـ“التفاهة”، لا نخسر كلمةً فحسب؛ بل نخسر شخصيّة المتكلّم، وحدّة المشهد، ودرجة الاحتقان التي يريدها المؤلف. والصواب في العربية — ما دام المقصود نقل الشراسة لا كتابة منشور تهذيب سلوك — أن تُقال العبارة بما يعادلها في الفحش والازدراء، مثل: «أنتم عصابةُ سكارى… وعصابةُ منيوكين.» أو «زمرةُ سكارى وزمرةُ منيوكين.» (بحسب مستوى السوقيّة الذي يقتضيه السياق). أمّا “التافهون” فعبارة حريريّة ناعمة في هذا الإطار، تذكّرنا بمترجم عراقيّ مؤدّب وخجول يُداعب ربطة عنقه المنسدلة على بيجاما ناعمة من القطن.
ب- من اختلس «الألف يورو» من النصّ؟:
إذا ظنّ القارئ لحظةً أنّ بطش المترجم حكرٌ على الكلمات دون سواها، قفزت أمامه الأعداد لتبثّ شكواها، فقد ورد في الترجمة العربيّة: «… وعندما أعلنت ماري–أنجل أنّها تطلب أحد عشر ألف يورو سنويًا…» (ص 53) فإذا عدنا إلى النصّ الفرنسيّ وجدناها: «… douze mille euros annuels…» أي «اثنا عشر ألف يورو سنويًا». فأين ذهبت الألف يورو الناقصة؟ لست أدري تحديدًا، لكنّني أرفض رفضًا قاطعًا كلّ تخمين سيّئ قد يقول: لقد ذهبت إلى طالب عربيّ كتب لشابّ عربيّ مؤدّب وخجول رسالة دكتوراه بالفرنسيّة بدلاً منه، فليس ذلك إلّا محض تخمين وافتراء، تفنّده الوقائع والأرقام، لأنّ الرسالة نوقشت سنة 1983، والألف يورو المختلسة ضاعت سنة 2014 عند صدور الترجمة العربيّة.
ج- حين تعمل الترجمة كوكالة سفر:
لعلّ الطريف في هذه الترجمة، هو أنّ السيّد شاكر نوري لا يتوقّف عن إدهاشنا بمعارفه الموسوعيّة فلم يترك مجالًا واحدًا لم يُبهرنا بإلمامه به، لا الحساب ولا أصناف الورق الفاخرة ولا الجغرافيا ولا الموسيقى، فحين يقول النصّ الفرنسيّ: «… faire venir des DJ du continent …»
يسارع السيّد نوري لاستعراض معارفه فيترجم الجملة: «… استخدام فرقة «دي.جي» الشهيرة من أوروبا لتقديم الموسيقى…»، وهكذا يصبح «دي.جي» أي«منسّق الأغاني المسجّلة» فرقةً شهيرة مستقدمة من أوروبا، في حين أنّ le continent في سياق كورسيكا ليس أوروبا، (فكورسيكا أصلًا في أوروبا)، بل هو البرّ أو فرنسا القارّية في مقابل الجزيرة، فالترجمة هنا لم تُخطئ في كلمة واحدة؛ بل بنت مشهدًا مختلفًا: وجعلت “الدي جي” فرقةً (مع أنّ النص يقول «des DJ» لا «un groupe»)، وجعلتهم “مشهورين” (وهذا غير موجود)، وجعلت “القارّة” “أوروبا” (فتبدّل البعد المحليّ الدقيق إلى تعميم جغرافي رخْو). والصواب العربي السليم: «… وأن يستقدم من البرّ الرئيسي منسّقي موسيقى…» أو «… وأن يجلب “دي جي” من القارّة…» مع إبقاء المعنى المحليّ الذي قصده المؤلف. لكن كيف ستقنع وكالة الأسفار حرفاءها إذا لم تجعل منسّقي الموسيقى فرقة، وكيف ستبرز لهم قيمة هذه الفرقة إذا لم تُضْفِ عليها نجوميّة مجانيّة فتجعلها شهيرة؟ ومن قال إنّ الكذب في وكالات الأسفار عيب؟ أليس الفنّ كذبًا جميلًا؟
د- أزرق اليمامة و«ساحرات الجمال»:
يقول المثل الروسي «إن لم تكن تملك إلّا مطرقةً، فسوف ترى كلّ شيء مسمارًا»، فما ذنب السيّد نوري إذا كان لا يرى في العالم غير الجمال والسحر والنقاء، وهل يسمح للكاتب الشرّير بأن يعكّر صفو روحه وصفو العالم؟ مرّةً أخرى تأتينا الإجابة من النصّ بنفي قاطع «لا، وألف لا». يقول الكاتب:
«les villageois condamnés à l’insomnie pouvaient voir à travers leurs persiennes le gérant, entouré de filles à l’allure épouvantable…»
وترجمتها الحرفيّة البسيطة: «وكان القرويون المحكوم عليهم بالأرق يستطيعون أن يروا عبر مصاريع نوافذهم مديرَ (الحانةِ)، محاطًا بفتياتٍ ذوات هيئةٍ مروّعة».
أمّا الترجمة فتخبرنا بأنّ أهل القرية يرون «مدير الحانة محاطًا بمجموعة من فتيات ساحرات الجمال…» (ص 55)
وهذه ليست مبالغةً ولا اختلافًا في الذوق، بل عكسٌ صريح للمعنى. فعبارة épouvantable تعني مُروِّعًا/مفزعًا/بشعًا/فظيع الهيئة. ولا تمتّ إلى “ساحرات الجمال” بصلة، بل هي نقيضها المباشر. وبذلك يتبدّل المشهد جذريًا: النصّ الفرنسي يسخر من البؤس والانحطاط (مديرٌ يجرّ خلفه فتياتٍ بهيئة مُخجلة)، والترجمة تمنحه موكبًا من الحسن كأنه إعلان عطر. والأنسب: «… محاطًا بفتياتٍ بهيئةٍ مُروِّعة/فظيعة…» أو «… بفتياتٍ مُقزِّزات المنظر…» بحسب قسوة العبارة المرادة، مع الانتباه إلى أنّ الوصف هنا جزء من سخرية النصّ لا من مديحه. ولكن ما العيب في ذلك؟ ألم يكن العرب يسمّون الأعمى بصيرًا، وبصيرٌ هي صيغة مبالغة تفيد قوّة النظر؟ فما ذنب المترجم إذا كان يرى على مسيرة ثلاثة أيّام؟
هـ- بحثًا عن الزمن الضائع:
لا يرضى العبث في هذه الترجمة بأن يبقى حبيسَ القاموس وما فيه من “مترادفات”، بل تمتدّ مغامرته إلى التقويم الزمنيّ نفسه. فالمترجم ههنا لا يترجم النصّ فحسب، بل يُعدّل النظام الشمسيّ على هواه. فإذا ورد في النصّ الفرنسيّ: «… au début du mois de juillet…» وترجمتها: «في بداية شهر يوليو» جعَلها السيّد نوري: ««في بداية شهر يونيو…» (ص 60) كأنّ الزمن مجرّد كلمة قابلة للتهذيب مثل الشتائم. والأسوأ أنّ الكاتب يبني إيقاع الصيف على درجاته: بداية/منتصف/نهاية… فإذا انتزعنا يوليو من موضعه صار الصيف نفسه يقرأ الرواية وهو يسأل: أيّ صيفٍ تقصدون؟
و- الترجمة بالعلاج الطبيعيّ:
لا شيء يبرّر النشاز الدلاليّ أو تهافت الأضداد وتبدّل الزمن غير اتّساع المخيّلة، وما أعظم مخيّلة السيّد المترجم إذ يخرج بنا دون أيّ إحساس بالذنب من اللّغة إلى العظام، ومن المعنى إلى قياس محيط العضَلة.
يقول الكاتب: «Il a vraiment l’air d’un gros con»، فيردّ عليه المترجم: «« كان كتفه يبدو كبيرًا.» (ص 60). في الأصل الفرنسيّ، الجملة واضحة فظّة كما هي، وgros con ليست “كتفًا” ولا “ترقوةً” ولا “عضلةً شبه منحرفة”؛ إنّها شتيمة صريحة تعني: أحمقَ كبيرًا/غبيًّا فادحًا/حمارًا كبيرًا (بحسب درجة الخشونة التي يحتملها السياق)، لكنّ المترجم المؤدّب الخجول لم يتحمّل الشتيمة، فقرّر -بدافع الرحمة على الألفاظ- أن يكتب تقريرًا سريعًا في العلاج الطبيعيّ. فهل كان ليبيرو يُجري اختبار قبولٍ في نادي كمال أجسام؟ مهما تكن الإجابة فليس من حقّك الضحك، بل يجب عليك أن تتذكّر أنّ المترجم قلب عنوان الرواية على ظهره بحرفٍ واحد فقط، وهنا عليك أن تتساءل بصدق: هل كان يمكنه ذلك لولا الكتفان العريضان؟
4/ الفصل الثالث: حين يصبح المثير للاشمئزاز ساحرًا وتتعلّم الأنهارُ الصراخ:
في الفصل الفرنسيّ الثالث يرسم فيراري، على عادته، مشهدًا لا يهادن: جبالٌ “تسدّ” الأفق، وبحرٌ يبدو ــ من فرط الانغلاق ــ كبحيرةٍ كبيرةٍ راكدة “مُثيرة للتهكّم”، وعالمٌ تتراكم فيه “عُكارة” الأشياء ورطوبتها وتعفّنها حتى يصير الركودُ خطرًا وجوديًّا لا مجازًا تزيينيًّا. هذا الفصل قائمٌ على نبرةٍ واحدة متماسكة: نبرة ازدراءٍ حزينٍ للثبات، ووعيٍ بأنّ الأحلام لا تُولد من رومانسية المناظر بل من صراعٍ يوميٍّ ضد “جمود” العالم.
أمّا في العربيّة ــ كما تظهر في مواضع عديدة من هذا الفصل ــ فالمترجم يبدو كمن قرّر أن يفتح نافذةً في غرفة فيراري المغلقة… لا ليُدخل هواء المعنى، بل ليُدخل “هواءً سياحيًّا” يلطّف قسوة الكاتب، ويجمّل البشاعة، ويبدّل وظائف الكلمات، ثم يخرج مطمئنًّا إلى أنّه أنقذ البحرَ من التحقير، وأنقذ النهرَ من العكارة. وهذا نزر قليل ممّا جادت به قريحة المترجم.
أ- من الهجاء المُرّ إلى الغزل الرقيق:
يبدو أنّ البحر، في قاموس هذه الترجمة، لا يملك حقّ أن يكون موضعَ سخريةٍ ولو مرّة؛ فالمترجم هنا لا ينقل وصفًا، بل يفتتح مكتبَ إرشادٍ سياحيّ على الشاطئ، ويوزّع على اللغة منشوراتٍ ملوّنة عن “سحر المكان” و“ألفة المشهد” و“روعة الأجواء”. يكتب فيراري ببرودةٍ متعمّدة: «… la mer ressemble à un grand lac, paisible et dérisoire»؛ بحرٌ يشبه بحيرةً كبيرة، هادئة… ومثيرة للسخرية، كأنّ البحر نفسه هنا فقد هيبته وصار “أصغر من أن يُؤخذ على محمل الجدّ”. أمّا العربيّة فتستقبل العبارة كما يستقبل موظّفُ فندقٍ زبونًا من الفئة الأولى: «… كأنّه يشبه بحيرةً كبيرة، وديعة، مألوفة وساحرة.» (ص 85). هكذا، في جملة واحدة، يُسحَب من المشهد موقفُ الراوي ويُستبدَل بمزاج كُتيّبٍ دعائيّ: الأصل يقول لك إنّ البحر “هادئٌ… ووضيع الأثر”، والترجمة تُمسك بيدك قائلة: “اقترب… لا تخف… البحيرة مألوفة وساحرة”.
والمصيبة أنّ dérisoire ليست كلمة زينةٍ تُعلّق في آخر الجملة للتلطيف؛ إنّها الشفرة التي تشدّ الوصف إلى مرارته: تافه/مدعاة للسخرية/واهٍ/مهين. والأقرب، كي يبقى البحر بحرًا لا إعلانًا: «… والبحر يشبه بحيرةً كبيرة، هادئةً ومثيرة للسخرية.» أو «… هادئةً وبلا هيبة.» لأنّ البحر عند فيراري لا يراد له أن يكون “ساحرًا”؛ بل أن يُقال له، بلا مجاملة: أنت هنا… بلا مجد». إنّه مُبتذل الهيبة، لا يوقظ في النفس فتنةً بل يُشعرها بسخف المشهد.
ب- صوفيّة الترجمة والتحام الحواسّ:
لا يكتفي العبث هنا بأن يُبدّل كلمةً بكلمة، بل يُبدّل العضو الذي نقرأ به. في الصفحة 85 تقول الترجمة: «حتى مياه الأنهار تبدو صاخبة…»، بينما الأصل الفرنسيّ لا يرفع صوتًا ولا يطرق طبلًا، بل يصف ما يُرى لا ما يُسمع: «… même l’eau des fleuves est trouble …»؛ أي: «حتى مياه الأنهار تبدو مُكدّرة…»، لأنّ كلمة trouble تعني: عَكِرة/مكدَّرة/غائمة. ويزداد المشهد وضوحًا لأنّ الكاتب يرصّ فوقه روائح المستنقعات والعفن والرطوبة والركود؛ عالمٌ ثقيلٌ لزج، لا مهرجانُ ماءٍ ولا كرنفالُ هدير. لكن الترجمة -بشهامةٍ سمعيّة- تقرّر أنّ الماء إذا تعكّر صار “يُحدث جلبة”، وأن الركود إذا نتن صار “صخبًا”، وما حاجتنا إلى ماءٍ صاخب في سياقٍ يصف العفونة؟ وهكذا، بدل أن ترى النهر مكدّرًا كما أراده فيراري، تجده في العربية نشيطًا يصفّق ويهتف، ونرى من ورائه المترجم مترنّمًا وهو يخاطبه ببيت الشاعر الصوفيّ محمّد الغزّي: «سأهتف في النّاس باسمك حتّى/ تراكَ يَدي وتشمّك عيني»
ج- من غيّر اللافتة كي يضيع السائق؟
لا شيء “عاديّ” في هذه الترجمة، حتى رغبات الشخصيّات لم تسلم: تُذكر في الفرنسيّة «… les poursuivre jusqu’à l’École normale et encore au-delà …»، أي متابعة الدراسة حتى دار المعلّمين وما بعدها، فتخرج في العربيّة على هيئةٍ رسمية مهيبة: «… إذ ينوي الالتحاق بالمدرسة الوطنية القانونية أو أبعد من ذلك.» (ص 86). هكذا، وبحركة قاموسيّة رشيقة، تتحوّل مؤسسة تربويّة مرتبطة بسُلّم إعداد المعلّمين (l’École normale) إلى مدرسة قانون.
والنتيجة ليست زلّة كلمةٍ تُمسَح بممحاة، بل تبديل مسارٍ اجتماعيّ كامل: بطلٌ كان يصعد درج التعليم ليصل إلى مؤسّسة دار المعلّمين “بل أبعد من ذلك”، فإذا بنا نوقّعه فجأة في كليّة حقوق—ثم يواصل النصّ الفرنسيّ بعد قليل: «il ne veut pas être instituteur…» (لا يريد أن يكون معلّمًا). وكأنّ شيئًا لم يكن، وهذا ظلمٌ سرديّ فادح… لا ذنب للبطل فيه؛ إنّما الذنب ذنب اللافتة التي غُيّرت في منتصف الطريق، ثم جرى توبيخ السائق لأنّه لم يصل إلى المدينة التي لم يعد اسمها موجودًا أصلًا.
والصواب، كي تبقى الطريق طريقًا والحكاية حكاية، أن تُقال الجملة كما أرادها صاحبها: «… يواصل دراسته حتى دارِ المعلّمين، بل أبعد من ذلك.» أمّا “الوطنية القانونية” فاختراعٌ جميل يصلح لوزارةٍ متخيَّلة تُشرّع للعبث وتمنحه صفةً نظاميّة: لا شيء يمرّ من هنا إلّا بعد أن يصبح… قانونيًّا.
د- حين تُخطئ الترجمة الاسم… ثم تُؤلِّف له حاشية:
لا يكتفي العبث هنا بأن يبدّل لفظًا بلفظ، بل يمدّ يده إلى الذاكرة الفرنسيّة نفسها ويعيد تسميتها من جديد، كأنّ المرجعيّات مدارسُ ابتدائيّة في الإملاء: اليوم نكتب الاسم على طريقةٍ أخرى، وغدًا ننشئ له سيرةً ذاتيّة في الحاشية. يقول الأصل الفرنسيّ ببرودة الواثق ممّا يقول: «… tente de lui faire partager ses enthousiasmes maurassiens …»؛ أي «… أن يشاركه حماساتِه الموراسيّة (نسبةً إلى شارل موراس)…». لكنّ الترجمة تقفز فوق الاسم قفزةً بهلوانيّة وتكتب: «… أن يشاركه حماسة الموريسية (1)…» (ص 89)، ثمّ لا تكتفي بهذا “الإنجاز” بل تُلحق به حاشيةً تزيده ثباتًا في الوهم: «(1) Morris الموريسية: صفة لها علاقة بمعتقد شارل موريس… شارك في تأسيس منظمة “أكسيون فرانسيس”…». هكذا لا يعود القارئ أمام تيّار موراس (maurassien) ولا أمام موراس نفسه، بل أمام كائنٍ جديد اسمه “شارل موريس” ونعته “الموريسية”، وكأنّ الرجل لم يكن منظّرًا سياسيًا بقدر ما كان خطأً مطبعيًا يحتاج إلى رعايةٍ اجتماعيّة.
والأطرف أنّ الحاشية جاءت لتُقنعك بأنّها تُنقذك من الغموض، فإذا بها تُثبت أنّ الغرق كان مقصودًا ومُخطّطًا له: اسمٌ يُحرَّف، ثم تُبنى فوق تحريفه قنطرةٌ من الشروح، فتنتقل الإحالة من مرجعها الحقيقي إلى تاريخٍ مُفبرك يشتغل بكفاءةٍ كاملة داخل الهامش. في الأصل: حماسات موراسيّة، وفي الترجمة: “الموريسية” مكتوبةً باللاتينيّة “Morris”، ثم “شارل موريس” الذي يُنسب إليه ما لا يُنسب إلّا لموراس؛ وكأنّ المطلوب ليس تعريف القارئ بتيّارٍ فكريّ، بل إقناعه بأنّ فرنسا نفسها يمكن أن تُعاد تسميتها إذا تعثّر القلم في حرفين. والحمد لله أنّنا لم نسمع بعد بمعركة دبلوماسيّة لدولة «فننزا» جرّاء السُّكر.
5/ الفصلُ الرابع أو حين تُعلن الترجمة استقلالها عن النصّ:
في الفصل الفرنسيّ الرابع يكتب فيراري مشاهدَ شديدةَ التعيين: أسماءٌ لا يُخطَف منها حرفٌ، وجغرافيا تُذكَر ببرودٍ مقصود من غير شروح سياحيّة، وتفاصيل واقعيّة تُستعمل لشدّ المشهد لا لتزيينه. أمّا في الترجمة العربيّة، فنشهد فنًّا آخر يشتغل بثقةٍ مدهشة: الاسم يتبدّل جنسُه من أول سطر، والجزر تُمنح “استقلالًا” لم يطلبه النصّ، ليس لأنّ فيراري كتبها هكذا، بل لأنّ الترجمة قرّرت أن تُصلح الواقع بالخطأ، وأن تُربّي القارئ على أنّ المعنى يمكن أن يُستبدَل بعلامة طريق.
أ-من قائمة الطعام إلى متحف اللّحوم المنسيّة؟
حتى قائمة الطعام لم تنجُ من يد الترجمة. في الأصل الفرنسيّ، الجملة بسيطة: «… quelque chose de simple, de la charcuterie, des fromages, peut-être des salades…»؛ أي شيء خفيف وسهل: شاركتري، أجبان، وربما سلطات… لكنّ الترجمة العربيّة (ص 116) قرّرت أن تمنح الزبائن تجربةً أخرى تمامًا: «… وجبات خفيفة، شرائح لحم قديم، أجبان…»؛ وكأنّ المطلوب ليس “أكلًا بسيطًا في الصيف” بل هو درسٌ عمليٌّ في التخلّص من بقايا الثلاجة قبل أن تتدخّل وزارة الصحّة. فالـcharcuterie في الفرنسية ليست “لحمًا قديمًا” أُهمل حتى اكتسب حكمة السنين ورائحة التاريخ، بل هي اللحوم المُحضَّرة/الباردة: نقانق، سلامي، لحم مُدخَّن أو مُملَّح، شرائح لانشون وأشباهها—طعامُ حانةٍ سريع، لا حفريّاتٌ غذائيّة ولا “عتقٌ” يُقاس بالتقويم. لأنّ فيراري يتحدّث عن شيءٍ بسيط يُقدَّم للزبون، لا عن مغامرةٍ بكتيريّة تُقدَّم مع ابتسامة.
والترجمة العربيّة الطبيعيّة، من دون أن يتحوّل المكان إلى متحفٍ للّحوم المنسيّة: «… لكن عليهما أن يقدّما لزبائنهما، ولا سيّما في الصيف، شيئًا بسيطًا: لحومًا باردة/مُحضَّرة (نقانق وأشباهها)، وأجبانًا، وربما أطباقَ سلطة…»؛ لأنّ الزبون جاء ليأكل، لا ليختبر مدى صلابة معدته أمام “شرائح لحم قديم”.
ب- فنّ إغواء المعنى والتنكيل به :
يرسم النصّ الفرنسي مشهدًا باردًا واضحًا لامرأةٍ صامتةٍ منسحبة، تأتي إلى الحانة وتختار طاولةً معزولة وتجلس وحدها، لا لتصطاد أحدًا بل لتدفن المساء في لعبةٍ فرديّة: «… où elle passait sa soirée à faire des réussites.» غير أنّ الترجمة العربيّة (ص 126) تقرأ الجملة وكأنّها إعلان توظيف عاجل في “قسم الإغواء”: «… حيث تقضي ليلتها في إغراء الزبائن والإيقاع بهم…». وهكذا تتحوّل faire des réussites — وهي تسمية شائعة للـسوليتير (La Réussite) — إلى سلسلة “عمليات ناجحة” للإيقاع بالرجال، وكأنّ المترجم لم يُصدّق أن كلمة réussites قد تعني لعبة ورق، فأصرّ أن يمنحها مضمونًا يناسب شهيّة القاموس: نجاحاتٌ إذن! وما النجاح، في خيالٍ مستعجل، إلّا أن ينجح المرء في… الإيقاع بالزبائن. في الأصل: عزلةٌ مقصودة، شخصية تُعرَّف بصمتها وانفصالها، حركةٌ صغيرة تفضح فراغ المساء. أمّا في الترجمة، فنحن قبالة بطلة جديدة تُستورد بلا إذن من النصّ، وتُستبدَل الوحدةُ فيها بسرديّة “صيّادة” تقضي الليل في نصب الشِراك—ثم يُقال لنا إنّها الرواية ذاتها. والصواب، كي لا نُحوّل طاولة الورق إلى كمينٍ أخلاقيّ، أن تُقال الجملة كما هي: «… ولم تكن تفعل سوى أن تأتي إلى الحانة، فتجلس إلى طاولةٍ معزولة، وتمضي سهرتها تلعب السوليتير (الورق وحدها)…». أمّا “الإغراء والإيقاع” فنجاحٌ واحد مؤكّد فعلًا… لكنّه نجاح الترجمة في إغواء المعنى ثم الإيقاع به.
ج- «البليار» تعلن استقلالها:
لا يكتفي السيّد المترجم بأن يُحلّق بالطائرة فوق البحر، بل يُحلّق معها فوق السيادة الوطنيّة أيضًا، فيخرج الركّاب من مشهدٍ بصريّ عابر إلى درسٍ عاجل في “تقرير المصير”. يكتب فيراري ببساطةٍ تشبه برودة زجاج النافذة: «Quand l’avion survola les Baléares» وترجمتها: «حين حلّقت الطائرة فوق جزر البليار…» . أمّا العربيّة فتقفز فجأةً إلى بيانٍ سياسيّ وتقول: «… حلّقت الطائرة فوق جزر باليريس المتوسطية المستقلة عن إسبانيا…» (ص 114). استقلالٌ كاملٌ من جيب المترجم، بلا مقدّمات ولا استفتاء ولا حتّى اعتذارٍ مهذّب لإسبانيا التي استيقظت في هذه الصفحة لتجد أرخبيلها قد غادرها رسميًّا.
هكذا يتحوّل معلمٌ عابر في السرد إلى هامش أطلس، وتتحوّل جملةٌ مقتصدة إلى نشراتٍ سياديّة تُوزَّع على متن الرحلة: البليار “المتوسطية” (وكأنّ القارئ كان يظنّها في بحر قزوين)، ثم “المستقلة عن إسبانيا” (وكأنّ الرواية كانت تتقدّم أصلًا على إيقاع النزاعات الحدودية). يريد فيراري لقطةً خاطفة، فتُصرّ الترجمة على إيقاف الطائرة في الجوّ كي يوقّع القارئ على وثيقة الاعتراف بالدولة الجديدة. وتعلن الترجمة استقلالها عن النصّ.
د- «متكتّم» تُترجَم «غير مفتوح»:
في هذا الموضع لا تكتفي الترجمة بأن تُسيء الفهم، بل تتقمّص دور الحارس الليليّ: تُغلق المكان أوّلًا، ثم تُحوّل الإدانة إلى عرضِ عمل. يكتب فيراري ببساطةٍ تكفي لبناء مشهد كامل: «… un bar de nuit chic et discret…»؛ حانةٌ ليليةٌ أنيقةٌ متكتّمة، مكانٌ يعرف كيف يختفي وهو يعمل: بلا بهرجة، بلا لافتاتٍ تفضح، بلا ضجيجٍ يشي. فتأتي العربية لتنتقم من “التكتّم” فتحوّله إلى حالةٍ هندسية: «… مرقصًا ليليًا راقيًا وغير مفتوح…» (ص 118)، كأن discret لا تعني سمعةً وسلوكًا وإدارةً حذرة، بل تعني نافذةً موصدة أو بابًا عليه لافتة “مغلق للصيانة”. هكذا يُنزع من المكان ذكاؤه الاجتماعيّ ويُستبدَل بقفلٍ ميكانيكيّ: لم يعد “متستّرًا” بل “غير مفتوح”، وكأنّ العيب في المكان أنّه لا يهوّي على البحر، لا أنّه يتكتّم على ما يجري فيه.
ثمّ، وفاءً لمنطق القفل هذا، تُستكمَل المسرحية القانونية على نحوٍ أبهى: الأصل يتحدّث عن «… condamnation… pour proxénétisme aggravé…»؛ إدانة بتهمة ثقيلة محدّدة اسمها القوادة المشدَّدة/استغلال الدعارة على نحوٍ مشدَّد. عبارةٌ قضائية تضع القارئ مباشرة أمام طبيعة النشاط وحدود الجريمة. لكن الترجمة تتصرّف كأنّها قسمُ موارد بشرية: «… والمفترض أن يعرضه لمهمة الاتجار في الدعارة الخطيرة…». “يعرضه”؟ “مهمة”؟ كأنّ التهمة ليست إدانة بل عرضُ دوامٍ جزئيّ، وكأنّ المحكمة لا تُصدر أحكامًا بل تُجري مقابلات: هل تفضّل “الاتجار في الدعارة الخطيرة” صباحًا أم مساءً؟
والصواب أن يعود المشهد إلى واقعيّته ومعناه: «… ويدير على الشاطئ حانةً ليليةً أنيقةً متكتّمة، كان يكفي أن تُرى لتجرّه إلى إدانةٍ بتهمة القوادة المشدَّدة/استغلال الدعارة على نحوٍ مشدَّد…». عندها فقط تبقى الحانة حانةً، والتكتّم تكتّمًا، والإدانة إدانةً—لا “مهمة” تُوزَّع على من يمرّ صدفةً من أمام بابٍ “غير مفتوح”.
هـ- كيف تُغسَلُ الإهانةُ من الغباء:
في هذا الموضع تتقدّم الترجمة خطوة أخرى في مشروعها الإنسانيّ العظيم: إنقاذ الناس من الشتائم، ولو على حساب المعنى، والسياق، ونبرة المتكلّم، وحقّ الجملة في أن تكون جارحة كما أرادها صاحبها. تقول العربيّة (ص 119): «… إن لم تكونا كسولين سيأتيكما زبائن كثيرون…»، بينما الفرنسيّة تقول ببساطةٍ لا تعرف “التحفيز الإيجابي”: «… si vous n’êtes pas deux cloches…». وcloches هنا ليست “كسالى” ولا “متثاقلين” ولا “بحاجة إلى قهوة”، بل هي شتيمة عاميّة تعني: مغفّلَين/أبلهَين… والفرق ليس ترفًا أسلوبيًا؛ إنّه تبديل وظيفة الجملة من إهانةٍ تُؤسّس لعلاقة قاسية داخل النصّ (إدارة حانة لا تعطي مجّانًا) إلى نصيحةٍ تربويّة خفيفة تصلح لتعليقها فوق جهاز المشي: “لا تكن كسولًا، يأْتِكَ الزبائن”.
وهكذا تُمسَح الإهانة المقصودة ويُستبدَل بها وعظٌ ناعم يُحسن الخاتمة ويُسيء إلى المشهد: الشخص الذي كان يعضّ بكلمةٍ واحدة صار مدرّب حياةٍ يربّت على الكتف—على الكتف نفسه الذي قلبَ العنوان على ظهره بلا رحمة.
و- زلزال الترجمة يكسر أعناق المدن:
هنا لا يعود العبث راضيًا بحدود الجملة، فيمدّ أصابعه إلى الخريطة نفسها ويبدأ بتقطيع المدن كما تُقطَّع الكلمة حين يعجز اللسان عنها: نصفٌ يُرمى، ونصفٌ يُترَك للقارئ يتدبّر مكانه. تكتب الترجمة: «… إلى مناطق مال هاوس، وسانت تين، وساراغوسا…» (ص 122)، بينما الأصل الفرنسيّ لا يفعل شيئًا سوى أن يذكر أسماءً واضحة: «… Mulhouse, Saint‑Étienne, Saragosse…». وترجمتها: «… إلى مولوز، وسانت‑إتيان، وسرقسطة» لا تفسير ولا استعراض ولا “تقريب صوتيّ”؛ مجرد مدن كما هي، لأنّ الاسم العلم ليس جملةً قابلة للتصرّف ولا عجينةً تُفرد ثم تُقصّ لتستقيم على الذوق.
Mulhouse تُصبح «مال هاوس»: مدينةٌ تتكسّر إلى مقطعين كأنّها إعلانٌ عقاريّ أو ماركة أحذية أو عنوانُ متجرٍ في مولٍ كبير: ادخل “مال”، ستجد “هاوس”. وSaint‑Étienne تُقَلَّم إلى «سانت تين»، فتتحوّل مدينةٌ معروفة إلى اسمٍ ناقص كأنه خرج من حوارٍ مرتجل: “سانت… ماذا؟ تين.” كأنّ المترجم لم يكتبها بل قضمها على عجل، ثم نفخ في القارئ قائلاً: خذها كما هي، وابحث عنها في أطلسٍ متخيَّل. وبهذا النوع من “التهجئة الإبداعية” لا تُصاب الأذن فقط؛ تُصاب المرجعيّة: النصّ يتحرّك على خريطةٍ لا تثبت، وكلّ اسمٍ يمكن أن يخرج من شكله ليعود شيئًا آخر، حتى يغدو السفر في الرواية سفرًا في بيت نزار قبّاني: « أمشي على ورق الخريطة ضائعًا، فعلى الخريطة كلّنا أغرابُ».
6/ الفصل الخامس، أو فنّ التباهي بالخطأ:
في هذا الفصل الفرنسيّ الخامس، يفتتح جيروم فيراري المشهد على “فجرٍ متلألئ” ليس زينةً بل مطرقة: ضوءٌ فظّ يَصدم الذاكرة، ويُسَلِّم الذكريات الأليمة لارتداد الظلمة كي تمضي بها بعيدًا. ثمّ يرفع الصورة إلى أعلى قبّة القدّيس إسحاق: “المسيح الضابط الكلّ” يحمل “رأس قذيفة” لم تنفجر، تطفو في الهواء كريشة حمام؛ مفارقةُ حربٍ معلّقة في سماء أيقونيّة. كل شيءٍ هنا محسوب: حِسّ الصورة، ودقّة المفردة، ومنطق الاستعارة الذي يجعل “الضوء” نفسه أداة محوٍ لا أداة تزيين. أمّا في العربية، فلدينا فنٌّ آخر يتقدّم بثقةٍ لا تعرف التردّد: فنّ قلب المعنى، وتبديل الأشياء بأشباهها. والأجمل من كلّ ذلك، إرفاق النصّ بحواشٍ تُقرِّر لك في سطرٍ واحد أنّ “بانتوكراتور” هو زيوس، وأنّ “سولاميث” مهرجان يهوديّ. أي إنّ الترجمة لا تكتفي بأن تُخطئ؛ بل تُعطيك “شهادة منشأ” للخطأ مختومةً بختم الحاشية.
أ- حين يُكلَّفُ الضوءُ برسم القبور بدل طمسها:
يبدو أنّ النور في هذه الترجمة لم يأتِ ليُخفّف المشهد، بل جاء مزوّدًا بمسطرةٍ وقلم تخطيط، كأنّ المقبرة مشروع هندسيّ متأخّر. فالأصل الفرنسيّ يقول «… il faut laisser la lumière estomper le contour des tombeaux»، أمّا الترجمة العربيّة فتكتب: «… يجب ترك النور يرسم محيط القبور.» (ص 159). وestomper تعني ببساطة: يُبهِت/يَطمس/يُخفّف الحوافّ، أي يجعل محيط القبور أقلَّ حدّةً وأقلَّ حضورًا، لذا تُترجم: «… يجب أن نترك الضوء يُبهِت محيط القبور.» أو «… يطمس محيط القبور.»؛ أمّا أن “يرسم” النورُ المحيطَ فهذه ليست ترجمة بل ترقية للضوء إلى رسّام مقابر: النصّ يريد محو الحدود كي يترك للموت ما يستحقّه من خفوت، والترجمة تُصرّ على تلوين الحوافّ بخطّ واضح—وكأنّ القبور كانت ستضيع لولا لطف النور وهو يضع لها إطارًا، ويوقّع أسفل اللوحة: هنا يرقد المعنى، وقد رُسم بعناية.
ب- موسيقى الحنين إلى زمن النّبّالين:
يقول الأصل الفرنسيّ بلا التباس سياقيّ: «… le Christ pantocrator tient… l’ogive d’un obus…»، وogive هنا—ما دامت مضافةً إلى obus—ليست “قوسًا” ولا “قنطرةً”، بل رأس القذيفة/مقدّمتها المدبّبة، أي الجزء الذي يجعلها قذيفةً أصلًا؛ لكن الترجمة تُصرّ على قلب المشهد إلى رمايةٍ لطيفة فتكتب: «… يمسك… قوس قذيفة لم تنفجر بعد…» (ص 159)، فتُصبح القذيفة فجأةً سهمًا بلا اسم، ويُصبح للمقذوف “قوسٌ” يُشدّ، كأنّ القصف يحتاج وترًا لا صاعقًا، وكأنّ المسيح القاهر لا يمسك ذخيرةً معلّقة على شفا الانفجار بل يستعدّ لمسابقات النبالين: شدٌّ، فتصويبٌ، فإطلاق… مع فارقٍ بسيط أنّ السهم هنا مكتوب عليه “لم تنفجر بعد” لكي لا يفزع القارئ من عنف الحداثة. والصواب الذي يعيد الأشياء إلى أسمائها قبل أن تُسجَّل في نادي الرماية: «… يمسك… رأسَ قذيفةٍ لم تنفجر بعد…» أو «… مقدّمةَ قذيفةٍ…». أمّا “قوس القذيفة” فحلٌّ عبقريّ أيضًا، لأنّه يضمن السلامة العامّة: ما دامت الترجمة قد نزعت عن القذيفة رأسها وحوّلتها إلى قوس، فمن الطبيعيّ ألّا تنفجر، فأقصى ما تفعله القوس أن تُصفّر إذا شددتَ وتر المعنى أكثر من اللازم. وها نحن نصفّر من بداية هذه الورقات، فهل من مجيب؟
ج- لاتفيا تُهجَّر إلى ليتوانيا:
حين تضيق الترجمة بالكلمة، تُوسّع صدرها للخريطة وتبدأ نقلَ الدول بدل نقل الجُمل. يقول الأصل الفرنسيّ: «… le long des plages de Lettonie…»، فتجيء الترجمة العربيّة: «… على طول شواطئ ليتوانيا…» (ص 159)؛ وLettonie هي لاتفيا لا ليتوانيا—لا فرق حرفٍ يتيه في المطبعة، بل بلدٌ يخرج وبلدٌ يدخل، وكأنّ الحدود تُرسم بقلم الرصاص ثم تُمحى عند أول مزاج. والصواب: «… على طول شواطئ لاتفيا…». أمّا أن تُستبدَل لاتفيا بليتوانيا وسط سلسلة صورٍ جغرافيّة/تاريخيّة يبنيها النصّ بثقة (سانت إسحاق، مونت-كاسان، بحر البلطيق…) فذلك ليس ترجمة بل “خدمة نقل” تمنح القارئ رحلةً مجانيّة دون تأشيرة: تدخل لتتمشّى على شاطئٍ لاتفِيّ، فتستيقظ في ليتوانيا، ثم يُطلب منك ألا تلاحظ—وكأنّ الجغرافيا موظّفةٌ عند المعنى بنظام المناوبة، فإذا غاب المعنى حضر بلدٌ آخر مكانه.
د- كيف صار غبارُ اللقاح لصًّا:
في هذه الترجمة لا يُسمَح للهواء أن يمرّ ببراءته؛ حتى الذرّات الخفيفة تُستدعى للاستجواب وتُتَّهم بفعلٍ مشبوه. يقول الأصل الفرنسي: «… vole le pollen de ses cheveux de cendre…»، وهي صورةٌ شديدة البساطة والدقّة، فغبارُ اللقاح هو الفاعل، وهو الذي يطير/يتطاير من شعرها الرماديّ كالرّماد. إنّها حركةٌ في الضوء لا أكثر. لكن الترجمة تضع قبّعةً سوداء على رأس الغبار وتكتب: «… يسرق غبار اللقاح من شعرها المكسو بالرماد…» (ص 159)، فتستبدل فعل التطاير بسرقةٍ بلا منطق: غبارُ لقاحٍ “يسرق” من شعرها… أي يسرق نفسه من نفسه، ويستولي على ما هو عالق به أصلًا، كأنّ الشعر خزنةٌ صغيرة، وكأنّ الصورة الشعرية لا تكتمل إلا بمحضر جريمة لا ضحيّة لها. والصواب، كما يقتضيه المعنى والنبرة، أن تعود الجملة إلى طبيعتها البصرية: «… يتطاير غبارُ اللقاح من شعرها الرماديّ كالرّماد…» أو «… يطير غبارُ اللقاح…». وهكذا، بدل أن نرى الغبار يلمع ويخفّ ويتهدّل في الهواء كما أراده فيراري، نجد الترجمة تُصرّ على تحويله إلى نشّالٍ محترف يباشر عمله من الرأس مباشرةً؛ ولا غرابة في ذلك، ففي روايةٍ تُكتب بالضوء، تنتهي الحقائق في قسم الشرطة.
هـ- في مسخ التسمية:
هنا لا تُترجم الجملة، بل تُغسَل: يُفرك التاريخ قليلًا، يُعطَّر، ثم يُعلَّق على الحبل كي يجفّ بلا شوائب استعمارية تُزعج القارئ. يبدأ الخطأ من عبارةٍ فرنسيّة قصيرة وحاسمة: «… Avant de partir vers l’AOF…»، فتجيء العربيّة وتُبدّلها إلى نشرةٍ ثقافيّة مُهذّبة: «… قبل أن يرحل إلى بلدان غرب أفريقيا الفرانكفونية…» (ص 160)، وكأنّ الرجل لم يكن ذاهبًا إلى كيانٍ إداريّ استعمارِيّ محدّد، بل إلى “مجتمعٍ لغويّ” لطيف يوزّع نشرات عن التبادل الثقافيّ. والصواب—الذي لا يحتاج عبقريّة بقدر ما يحتاج احترام الاسم كما هو—أن تُعاد AOF إلى معناها المحدَّد: Afrique Occidentale Française، أي: أفريقيا الغربية الفرنسية؛ فتُترجم العبارة: «… قبل أن يرحل إلى أفريقيا الغربية الفرنسية (AOF)…» مع شرح الاختصار في حاشية إن لزم. أمّا تحويل AOF إلى “الفرانكفونية” فليس تصرّفًا أسلوبيًّا بل عمليّة “تبييض” كاملة: يُستبدل ختمُ الإدارة الاستعمارية بملصقٍ حديث أنيق، ويصير الاحتلال برنامجًا لغويًّا، وتتحوّل خريطة النفوذ إلى درسٍ في النطق الصحيح.
و-من المسيح الضابط الكلّ إلى زيوس…
حين يضيق المتن عن اختراع المعجزات، يتكفّل الهامش بتبديل العقائد وهو جالس. الأصل الفرنسيّ يقول ببساطة: «… le Christ pantocrator…»، أمّا الترجمة فتقرّر أن تُعلّم القارئ “معلومة” في الحاشية: «Pantocrator لقب يطلق على الإله زيوس، وعند اليونانيين أحد أسماء الآلهة في القدس.» (ص 159)، فتتحوّل الكلمة من لقب مسيحيّ-بيزنطيّ شائع للمسيح بمعنى “الضابط الكلّ/القدير” مرتبط مباشرة بالأيقونات (Christ Pantocrator) إلى زيوسٍ هابطٍ علينا من باب الهامش، ثم تُستكمَل الخلطة بجملة “آلهة في القدس” كأنّنا في مسابقةٍ خاطفة لخلط الميثولوجيا بالجغرافيا بالدين وختمها بختم “(1)”. والصواب الذي لا يحتاج إلى مخيّلة: «Pantocrator (يونانية: παντοκράτωρ): تعني “الضابط الكلّ/القدير”، وتُستعمل لقبًا للمسيح في الأيقونات البيزنطية.» (ويمكن في المتن: «المسيح الضابطُ الكلّ»). هكذا، بضربة هامش واحدة، لا تعود الرواية روايةً بل يصير الهامش كاهنًا متجوّلًا يوزّع الألوهيّة بالتقسيط: يسحب لقبًا من المسيح ليُلصقه بزيوس، ويمنح القدس تعدّدية آلهةٍ “على الطريقة السريعة”، ثمّ يبتسم بثقة لأنّ كلّ ما يُكتب تحت الخطّ يصير حقيقة.
ز– من اسمٍ توراتيّ/كتابيّ إلى مهرجان يهودي:
لا تكتفي هذه الترجمة بأن تُخطئ في المتن؛ بل إنّها حين تتعب من المعجم تفتح الهوامش لتخترع العالم من جديد. يقول الأصل: «… d’où Sulamith ne reviendra pas vers le roi…»، أي إحالةٌ أدبيّة إلى “سولاميث/الشولاميّة” بوصفها اسمًا/شخصيّةً تستدعى في صورةٍ شعرية عن النداء الذي لا يُجاب؛ فتأتي الحاشية العربيّة وتقرّر: «Sulamith سولاميث أحد المهرجانات التي يحتفل بها اليهود…» (ص 159)، فيتحوّل الاسم في طرفة عين إلى رزنامة احتفالات، وكأنّ الراوي لم يكن يكتب استعارةً بل يعلّق إعلانًا ثقافيًّا عن “برنامج الموسم”. والمقصود بسيط ولا يحتاج إلى فبركةٍ موسوعيّة: «سولاميث/الشولاميّة: اسم/إحالة واردة في “نشيد الأنشاد” ضمن التقليد الكتابيّ، تُستعمل هنا بوصفها إشارةً شعرية إلى المحبوبة/المنادى عليها.» أمّا أن تُحوَّل المرأة إلى مهرجان، فتلك قفزةٌ لا تفسّر النصّ بل تستبدله: “لن تعود سولاميث إلى الملك” لأنّها، على ما يبدو، منشغلة بإحياء الفعاليات… أو لأنّ “المهرجان انتهى” والملك فاتته الحفلة.
بهذه السلسلة من الانقلابات: ضوءٌ يرسم بدل أن يُبهت، ورأس قذيفة يصير قوسًا، ولاتفيا تُستبدل بليتوانيا، وغبار لقاح “يسرق” بدل أن “يتطاير”، وAOF تتحوّل إلى فرانكفونية، ثمّ زيوس يُزَكّى في الهامش بوصفه “بانتوكراتور”، لا يعود الخطأ عارضًا. فنحن أمام ترجمةٍ تُبدّل وظيفة الصورة، وتُعيد ترتيب العالم، ثمّ تُرفق القارئ بحواشٍ تضمن له ألّا يضلّ وحده، بل يضلّ “على بيّنة”.
بعد هذه الإطلالة البسيطة على عيّنة محدودة جدًّا ممّا جادت به قريحة المترجم، يتبيّن لنا أنّ روما في الرواية سقطت مرّةً واحدة، أمّا في الترجمة العربيّة فقد سقطت في كل سطر: مرّةً حين صارت السخرية غزلًا، ومرّةً حين تبدّل النظرُ إلى العالم فصار الضيقُ اتساعًا، والعُكارةُ ضجيجًا، والنفيُ إثباتًا، والمؤسّسةُ مؤسّسةً أخرى. والنتيجة ليست “ركاكة” تُحتمل، بل إعادة كتابةٍ متخفّية: نصٌّ يُبدّل مزاج الراوي، ويُلطّف قسوته، ويُغيّر علاقات الجمل بعضها ببعض؛ ثم يطلب من القارئ أن يصدّق أنّه ما زال يقرأ العمل نفسه.
والمؤلم حقًّا أنّ الخسارة لا تقع على “الجملة” وحدها، بل على القارئ أيضًا: فحين تُفرَّغ الكلمات من حمولتها، لا يعود القارئ يخرج من الفصل بفكرةٍ أو رجفةٍ أو صدمةٍ جمالية، بل يخرج بحيرةٍ باهتة—كأنّ الرواية قالت شيئًا مهمًّا، ثم جاءت الترجمة لتعتذر عنه.
هكذا لا يسقط المعنى فحسب؛ بل يسقَط حقُّ القراءة: أن ترى ما أراد الكاتب، لا ما عبثت به الترجمة. وفي النهاية، يبقى السؤال المرّ: إذا كانت المدن تُنهَب في الحروب، فكم مرّة نُهِبَت روما هنا… من غير أن يرفّ للمترجم جفن. وكم نصًّا نُهب في جائزة البوكر لهذه الدورة، ما دام العابثُ بمصير جملةٍ مؤتَمنًا على مصائر أعمال؟ وهل السرياليّة في تجربة شاكر نوري حكرٌ على الترجمة أم هي خصلة مكينة في كتابته الروائيّة أيضًا؟ ذاك ما تكفّل بالإجابة عنه مقالٌ آخر لنا قيد النشر وسمناه بـ : الرؤية العمياء في “الرواية العمياء”.
*****
خاص بأوكسجين

