قيل الكثير عن ذلك البيت المقفل السر، حتى بدا أن الناس استنفدوا كل ما يمكن قوله… غير أنّ ما خفي كان أشدّ عتمة، وأثقل من أن يُروى بسهولة. كان البيت الذي حير الجميع ، مغلقاً على نفسه ككائن يرفض الهواء. لم يُفتح بابه لغريب قط، وكأن الداخل يكره أن يراه أحد أو يلمس حدوده. حاجيات القاطنين فيه كانت تصلهم عبر خادمة نحيلة تتحرك كخيال رمادي مضبب بالغموض، كانت تزحف بين ضلفتي الباب الخشبي الملاصق للشارع ثم تختفي داخله. أما النوافذ فكانت تظهر لمن يمرّ من الخارج كعيون مظلمة، محجوبة بستائر ثقيلة تخنق الضوء. وكان السؤال يتردد على شفاه الجميع: ما السر؟ وبين هؤلاء الفضوليين كان شاب في سنته الجامعية الأولى، يدرس الصحافة ويظن أن كل لغز ينتظر فقط من يجرؤ على كشفه. وفي ليلة هادئة، بينما كان يعبر الشارع عائداً من الجامعة، شقّ سكون المساء صوت حادّ، صرخة اخترقت الأفق وكأنها تمزّق قماشه. تجمّد الشاب في مكانه. كانت تلك الصرخة مختلفة عن كل ما سمعه من قبل… صرخة كأنها قادمة من قاع جحيم لا يعرفه البشر. وشعر، على نحو غريب، أنها صرخة تخصّه هو، أو أنها انتظرت صدفة وجوده ليستمع إليها.
حاول في اليوم التالي النسيان… لكن الحيّ بدا مختلفاً. البيوت الأخرى بدت كأنها تنكمش مبتعدة عن ذلك المنزل، تاركة حوله فراغاً غير مرئي. وعندما مرّ بجانبه، رأى الباب موارباً قليلاً، يكشف خطّاً داكناً أشبه بظلّ واقف داخله. تحرك الخطّ… لا إلى الأمام ولا إلى الخلف… بل ارتعاش كائن لا يمتلك جسداً كاملاً. كبرت في داخله رغبة غريبة: أن يعرف، أن يفهم، أن يقترب. في تلك الليلة، وقف أمام الباب ولمس خشبه، فوجد حرارته غير طبيعية. ثم سمع خفقة طويلة، كأن البيت نفسه يتنفس. وبينما كان يتهيأ للابتعاد… انفتح الباب من تلقاء نفسه، فتحة ضيقة خرج منها هواء رطب ذو رائحة غريبة—رائحة الورق القديم والجديد والليل. وظهر صوت، لا يعرف إن كان قادماً من الداخل أو من داخله هو:”أخيراً… لقد تأخرت.” انغلق الباب بقوة جعلت الشارع يرتجّ.بعد يومين، وجد ورقة مطوية أمام منزله، مختومة بختم دائري مكتوب عليه: “اللجنة العليا لشؤون الداخل”. قرأ: “الحضور إلزامي.
أنت طرف معنيّ في حادثة الليلة الماضية.
سيتم الاستماع إليك بشأن ما سمعت.
الغياب يترتب عليه إجراءات.”
لم يكن هناك عنوان أو توقيع أو ساعة، فقط عبارة مخيفة: “سنجدك.” وفي المساء، ساعتها، طرق رجل غريب بابه، يرتدي معطفاً أسود طويلاً ويحمل حقيبة سوداء. قال بنبرة بلا عاطفة: “جئت لأرافقك. نحن متأخرون. “قادوه إلى مبنى رمادي بلا نوافذ، مليء بمكاتب لا تنتهي، موظفون ينسخون شيئاً غير مرئي في أوراق بيضاء. اقتيد إلى غرفة كتب على بابها: “قسم الاستجوابات المتعلقة بالبيوت الصامتة. “جلس محقق ذو وجه غير مكتمل الملامح أمامه. قال له: “سمعنا أنك سمعت.”
– سمعت ماذا؟
– “هذا ما نريد معرفته. نحن لا نسمع. السمع من صلاحياتكم أنتم.”
– ومَن نحن؟
– “أولئك الذين يصادفون وجودهم عند حدوث الأشياء التي لا يجب أن تحدث.”
فتح المحقق ملفاً امتلأ برسومات ظلال مشوشة. سأله: “هل تعرف هذا الكيان؟”
– رأيت ظلاً فقط.
– “هذا يكفي. الظلّ هو المرحلة الأولى من الظهور.”
ثم ختم ورقة بختمٍ أحمر وقال:
“من الآن فصاعداً… أنت المكلّف بمتابعة ذلك البيت. القرار نهائي.”
وحين خرج الشاب إلى الممر، وجد في نهايته شيئاً لا عقلانياً: باب البيت نفسه… هنا، داخل المبنى، كما لو أنه لم يغادره قط. وبين ضلفتيه وقف الظلّ، أو ما يشبهه، ينتظره. اقترب الشاب من الباب. كلما تقدم، خفت الضوء من حوله حتى صار كل شيء مجرد بقعة من عتمة الباب. وسمع صوتاً ينبعث من داخله هو:
“أنا ما تركته خلفك.”
– ما الذي تركته؟
– “ذاكرتك الميتة حين تخلّيت عنها… قراراتك المؤجّلة… الأصوات التي لم تسمعها، شوهتك التي كبتها أو قتلتها ، هنا مستودعها السري .”
وفهم حينها أن “اللجنة العليا لشؤون الداخل” ليست مؤسسة خارجة عنه… بل جهاز يسجّل كل ما يتجاهله الإنسان، كل ما يهمله، كل ما يهرب منه.
البيت لم يكن مسكناً… بل مستودعاً للظلال—ظلال القرارات والصرخات والاحتمالات التي لم تُعاش. مدّ يده إلى الباب، فوجد خشبه نسيجاً حياً. وحين فتحه، لم يجد البيت ولا الممر. وجد ساحة لا أفق لها، آلاف الأشخاص يجلسون أمام طاولات، يكتبون على أوراق بيضاء لا تنتهي. ورأى ظلّه هو، يقف أمامه، يكتب اسمه ثم يناول القلم له.
قال الظلّ: “وقّع هنا… لتبدأ إجراءات عودتك.” كان القلم بلا حبر، والورقة بلا كلمات، ومع ذلك شعر بثقل الإجراء ، سأل:
– وماذا يحدث بعد أن أوقّع؟
ابتسم الظلّ ابتسامة لا تُقرأ:
“بعد ذلك… ننتظر. نحن دائماً ننتظر وهناك من يقرر، هل تحتمل قرارات القدر؟”
رفع الشاب نظره، فرأى أبواباً كثيرة في الأفق تتناسخ بشكل مصفوفات ، كلها تشبه الباب الأول… كلها تُفتح وتُغلق ببطء، كأنها تتنفس. ولم يعد يعرف أيّ باب هو باب بيته، ولا إن كان له بيت أصلاً.
ثم… اختفى الظلّ. وبقي الشاب واقفاً، القلم في يده، والورقة البيضاء أمامه، يتساءل لماذا جاء، وما الذي يجب أن يوقّعه، وما إذا كان الباب الذي بدأ منه كل شيء قد وُجد حقاً… أم أنه مجرد بابٍ آخر من أبواب الانتظار. فاتَه أن يسأل عن سر الخامة التي تدخل المنزل دون غيرها، فاتَه أن يروي عطشه لكل الألغاز والأسرار التي يحملها في حوصلته، كطائر مرتعش بسبب ما حصل له الآن. ولكن ما فات قد مات، وهكذا تقبّل الأمر بجبن، دون أن يجازف بمخاطرة المعرفة التي تدفعه من حاوية سحيقة إلى لا قرار. ولم يصل إلى أي جواب حتى كتابة هذا النص.
هلسنكي 2025
*****
خاص بأوكسجين

