على حافة نافذةٍ في كاليو
العدد 300 | 15-9-2025
ياسين غالب


مرّةً،

فكرتُ في تغيير أقفال البيت، في “كاليو”،

ليس لأنّ أحداً اقتحمَ الباب،

بل لأنّ الضجرَ تسرّبَ إلينا

كلصٍّ محترف…

وسرقَنا من أنفسنا.

 

فكّرتُ،

ماذا لو غيّرتُ إعدادات كلِّ شيء؟

فلتكنْ الشمسُ زرقاء،

والسماءُ برتقالية،

والماءُ رماديّاً،

والحجرُ شفّافاً،

والبشرُ من خشب،

والغاباتُ من بشر.

فعلتُ كلَّ هذا،

ولم يحدثْ شيء!

 

ومرّةً،

فكّرتُ أن أتعلمَ لغةً

بلا ضمائر،

بلا قواعد،

بلا صوت،

لغةً لا يفهمُها أحدٌ سواك،

كما لا يفهمنِي أحدٌ… سواك.

 

ومرّةً،

فكّرتُ في أن أتحولَ إلى قصيدة،

من يقرأُها سيراني:

سيرى ويسمعُ ضجيجَ الأنهارِ التي ابتلعتْني أو ابتلعتُها،

الأنهار التي مثل أناكُوندا نحاسيّةٍ هائلة،

رأسُها في بغداد، وذيلُها في هلسنكي.

 

من يقرأُها سيسمعُني:

يسمعُ صرخاتِ شجرِ الصنوبر

تئنُّ كلّما قضمتِ الفؤوسُ اللامعة

أجسادَها المستسلِمة…

كجسدي.

فكّرتُ أن أُسَمّي جروحي: “علاماتِ ترقيم”،

وأخطائي: “هفواتٍ كتابيّة”،

وهاجسي: “رقابة”،

وخوفي: “تابو”،

أمّا اسمي،

فربّما كان: “ثيمةً لروايةٍ لم تُكتبْ بعد”.

 

مرّةً…

 

هارباً من دائرةِ التكرارِ والخياراتِ المستهلكة،

من الصباحاتِ التي تتراكمُ فوقَنا

كحجارةِ منجمٍ منهار،

ومن المساءاتِ التي تمتدُ فوقَنا

كلحافٍ إسمنتيّ خانق.

 

هارباً منك ومني

أطلقتُ قلبي —

كجروِ ذئبٍ جريح، بفِراءٍ أبيضَ ملوّثٍ بالأحمر،

يركضُ، ويلْهَثُ هناك، في صقاعِ لابلاند،

وحيداً… لكن جسور.

 

طارَد العاصفةَ وسبقها،

علّمها شتائمه البرية،

وعلّمتْه كيف ينجو:

من الظلام،

من البرد،

ومن البشر.

 

ولكنّه وقع في فخِّ رائحتِك،

وعاد إلى كاليو لاعقاً خاصرتِك وشفتيك وجراحَه.

 

فكّرتُ في كلِّ شيء —

إلّا النوم.

قاومتُه ألفَ مرّة،

لأنّ مجردَ التفكير به

ينتهي بنا على السرير،

مثلَ أيِّ حشرتين في جماع.

 

مرّةً،

وأنا في فوضى الحماقات،

فكّرتُ أن أمتلكَ جسداً جديداً —

لم يكن *second hand* من قبل،

لم يلمسْهُ أحد:

لا أنت،

ولا حتى أنا.

 

ومرّةً…

 

مرّةً… تلاشيت مني

مثلَ بقعةِ حبرٍ في محيط.

انتظرتُك عند منحدرِ الوقت طويلاً،

كشجرةٍ تشتهي المطر،

أيَّ مطر،

ليكن كمَنِيٍّ دبقٍ فوق أغصانِها،

لعلّه يمنحُها ثماراً تتفتّحُ وتستدير

كوجوهِ الأطفال.

 

وحين عدتُ…

من رحلةِ الضوءِ والصوت،

صرتُ أرقصُ عارياً،

على خشبةِ مسرحٍ مضاءٍ بشدّة،

وقصائدي مكتوبةً على أطرافي الأربعة،

أتحرّك كخيطِ دميةٍ، بصمت،

كأنني كائنٌ لم يُدرَّبْ على الكلام.

 

وتلاشيْت ثانيةً مثل سنونو يختفي في غيمةٍ

إلى الأبد…

الآن أنا جالسٌ على حافةِ النافذة

أحصي رؤوسَ المارّة،

التي تسيّرُها الرياحُ والضجر —

وفي الداخل،

أشاهدُ فيلمَ حياتي على التلفاز،

فيلماً بسبعةِ أبعاد،

فيلماً بلا بطل…

وبلا نهايةٍ متوقّعة.

 

الآن…

أنا أحلّقُ لأتبعك…

و… هبببب…

صرتُ على الرصيف،

النافذة فارغة…

جسدي هناك،

حيث المارّة يمسكونه بلا استئذان، بحذر.

 

وخزٌ في شفتي،

في كتفي،

في قلبي،

وخزٌ في كلِّ مكان.

 

وخزٌ… وسكون.

 

الآن.

*****

خاص بأوكسجين


كاتب من العراق مقيم في فنلندا