حوارية شعراء يرسمون “القصيدة النهائية”
العدد 303 | 5-1-2026
قصي اللبدي


اتسمت رحلة الشعر الحديث في جغرافيتنا العربية، خلال القرن المنصرم، بالتجريب والتمرد والمحاولات المستمرة لإعادة تعريف ما يمكن أن يكون عليه الشعر.
قليل منها رسب في وعي القارئ.
لكن الشعر لم يدع ساقيه ترتجفان أمام الأراضي الجديدة، الشاسعة، التي يتأهب للسفر فيها، موسعاً مساحاته، وحالماً بطرق غير مألوفة للتعبير عن الذات.
في هذه المدونة، جملة من الأصوات الشعرية، التي تسهم في رسم المشهد الشعري، اليوم، منطلقة في اتجاهات مختلفة، ورؤى متعددة، باحثة كلها عن الكهف السري، الذي تنمو فيه الزهرة النادرة… التي نسميها الشعر.
هناك من يصدر، في مغامرته، عن سياقه التاريخي والثقافي والفلسفي، مؤمنا بقدرة القصيدة العربية، في إطارها الموروث، على إعادة إنتاج نفسها بلغة عصرنا، من دون المرور بأغراض الشعر القديم.
وهناك من يبتعد في اختيار الشكل، مستدعيا لغة حلمية، تستبطن دلالاتها، وفق منطق الحلم ذاته، مستفيدة برشاد من القطع الثمينة في مخزن التجربة الشعرية الإنسانية.
وهناك من يسعى الى كتابة القصيدة الحميمية، التي تلتقط مفرداتها من فم الشاعر مباشرة. ومن يبدو وثيق الصلة بالتجريب، مرسلا ابراقاته المصاغة بخبرة نفسية وتأمل يتحريان العمق.
كل هذه التجارب، تقدم، في إجابات موجهة عبر “الانبوكس”، تصوراتها عن شكل القصيدة النهائية، كما تتخيلها.

– أسأل أولا عما يلفت انتباه الشاعر في القصيدة التي ترسل أشعتها الى أعماقه؟

حسن عامر (مصر):
أول ما يلفت انتباهي في القصيدة هو الأسلوب، فبهِ أميز هوية الشاعر، وبصمته الخاصة. قد تتشابه الأفكار، لكن يبقى لكل شاعر نفَسه الفريد الذي يميزه عن الآخرين. القصيدة الحقيقية عندي هي التي تشبه صاحبها، وتؤكد فرادته الإنسانية، والشاعر يكبر بقدر ابتعاده عن الضجيج والتكرار، وتأكيده واحدية ذاته في تلقيها للعالم، والاختلاف يبدأ حين يلتحم الشاعر بذاته، فكل ذات بشرية هي كون مستقل.

نورا عثمان (مصر):
هناك قصيدتان: الأولى التي كتبها الآخر، والثانية التي كتبتُها أنا.
أول ما يلفت انتباهي في قصيدة الآخر هو شعوري الفوري المتصاعد بأنني أخرج من نفسي إليها، بفضل قدرتها على الجذب والإغواء وسيطرتها الناعمة على حواسي.
ستكون الشخص نفسه، بعد أن تفرغ من قراءتها. ولكنك تتنفسُ بوتيرة أعلى، ويقشعرّ جلدك، شاعراً بها تستقرّ في مكانٍ ما من جسمك.
أما القصيدة التي كتبتها أنا، فأول ما يلفت انتباهي فيها قدرتها على أن تصنع تياراً حيّا ودائماً في نهر نفسي، أن أحسّ دوما أن هذه الموجة -علت أو هبطت – ستبقى، وأننا (أنا وهي) يمكن لإحدانا أن تحل مكانَ الأخرى.
أحلم بهذا، بأن تتلاحم قصائدي فتصير هي الجسم، وأن أتلاشى أنا فأصير دفقةً في نهرِ جسمي.

أحمد حافظ (ليبيا):
أول ما يلفت انتباهي في القصيدة درجة حرارتها. يمكنني وأنا أجسها، أن أقيس مدى رغبتها في الحياة. وهناك، طبعا، الهالة التي أرصد بها حضورها بينما تُصعد عربدتها في جهازي اللغوي.

محمد جبريل (مصر):
المعيار الوحيد، ربما، هو شعوري بأنّ صاحب القصيدة، أو شاعرها، كتب شيئاً فاض منه.. لا لأنّه أراد أن يبهر أحداً، بل لأنه أراد فعلا قول شيء ما، يخصه.

– هل هناك ما ترجو أن يلاحظه القارئ، أو أن يكتشفه في سطور قصائدك؟

نورا عثمان:
أحبّ لقصيدتي أن تتصرفَ كما تشاء، وأحب لقارئها أن يفتحَ ذراعيه لاستقبالها كما نفتح أذرعنا للحب والأقدار الغامضة. إذا مرت بلا أثر، أتقبل هذا. وإذا كان لها أثر، فهي مكتوبة من أجل هذا.
كل ما سأرجوه من القصيدة ألا تتورّع عما تريد، أو تستطيع، فعله بي، أو بقارئها، مهما يكن الفعل متطرفاً.

حسن عامر:
ما أرجوه من شعري هو أن يصل إلى القارئ بالحرارة نفسها التي كُتب بها، وأن يجد فيه عزاءً ما، مدركا أن ما يعانيه يقاسمه فيه آخرون، تلك هي الرابطة الإنسانية التي يسعى الفن بكل أشكاله إلى تأكيدها.

أحمد حافظ:
أكتب بعفوية، وفي النهاية هي محاولة لتشكيل غريزة أو حاسة أفهم بها وجودي أكثر. أفهم الشعر كخلق لا يكتمل إلا بالمشاركة، لذا أنتظر من القارئ أن يكتشف الأشياء التي لا أستطيع أن أشير إليها مباشرة.

محمد جبريل:
أريد من القارئ أن يلاحظ النبرة، ويقرأ المفردة التي لم أقلها مباشرة، أرجو أن يرى الصدق في الكسر، لا في الكمال. وأن يلمس ما تحت الكلمات، أو ما وراءها، أو حولها، وألا يتوقف طويلا أمام لمعان سطحها.

– هل تسعى الى أن يمثل إسهامك الشعري لبنة جديدة في ديوان الشعر العربي، أم تفضل النظر اليه كحجر غير مهذب، ولا ينتمي الى السياق؟

محمد جبريل:
اريدُ أن أكون حجراً غير مستدرج إلى المدارس، غير تابع لنسقٍ يضمّني رغماً عني، إذا كان لما أكتب مكانٌ في ديوان الشعر العربي، فليكن مكاناً اكتُشف بالمصادفة.

حسن عامر:
.. أفضل أن ينظر القارئ إلى إسهامي الشعري كحجر غير مهذب، نحتته الطبيعة، فذلك أقرب إلى الصدق والفرادة والحقيقة.

أحمد حافظ:
لا أظن أن ديوان الشعر العربي يحتاج إلى مزيد من النسج على المنوال. هناك من اللبنات ما يكفي لبناء أهرامات لا تحصى عددا.
أنا مأخوذ بالتجريب، واللعب. لا أسعى للانتماء إلى أي سياق. أريد أن أظلّ في الشعر فقط، وأن أواصل البحث لي عن مكان لي بين الأحجار غير المهذبة، وإن كان ثمن مغامرتي هذه هو ألا أكون مرئياً للجميع.

نورا عثمان:
حتى الأحجار غير المهذبة تنتمي إلى المشهد.
بل ربما بدونها يكون الرسم مصنوعا أكثر مما ينبغي.
أن تنتمي إلى السرب أمر جيد، لكن أن تبتعد منفرداً فأمر مغر.
وفي كل حال فالفضاء (لغتك الأم) سيضمك دوماً، مهما صفق جناحاك أو خلت أنهما ابتعدا بك.

– هل تعتقد أن للتجارب الشعرية العربية السابقة أثراً في منح رؤيتك بعداً جديداً؟

أحمد حافظ:
لدي هذا الشعور الدائم بالامتنان لشعراء العربية جميعهم. التجارب السابقة والتي تتشكل على أيامنا، كلها تمنحني أبعاداً وزوايا جديدة للنظر.
لن أقول أسماء أنا حقا أقصد الجميع. أقرأ أكثر لكي أتحرك أكثر.

حسن عامر:
أدين بالفضل لكل التجارب التي سبقتني، سواء في الشعر أو في الفكر. كل ما وصلت إليه البشرية من معرفة هو جزء من تراثي، والحداثة عندي لا تعني القطيعة مع الماضي، بل هي إعادة النظر في التراث بعين جديدة، لاكتشاف ما لم يُقلْ. والإبداع هو أن نقرأ القديم ببصيرة مختلفة وبسقف معرفي أعلى، وأن نستنطق النصوص لاكتشاف رحابتها وعمقها الخلّاق.

نورا عثمان:
خذ هذه الصورة… أشجار مصفوفةً على جانبي الطريق، وليكن الإرث الشعري بامتداده هو الأرض الخصبة التي أنبتتها. يجب ألا ننسى أنه لا شجرة تشبه الأخرى، مهما بدت الأذرع الخضراء متشابهة.
أريد أن أقول إن صورتنا كأشجارٍ، وإن كانت لا تنفي فرادتنا، تعني أنها تغذت على الشمس نفسها. كما أن تشابكُ الجذور، في الأسفل، أمرٌ لا مفرَ منه.

محمد جبريل:
الشاعر لا يولد من فراغ. الطريق التي أسير عليها، الآن، تحمل آثار أقدام حفرت فيها قبل مروري بها. لكنني سأحرص على أن تترك خطواتي طبعاتها هي أيضاً.
أمتن لمن مرّ قبلي، لكن ليس بالشكل الذي يصنع “اتباعاً” أو يخلق امتداداً مباشراً.
الأثر عندي يشبه ظلّ شجرة بعيدة، لا أستطيع أن أراها كاملة، لكنّي أعرف أنها هناك.

– ما شكل القصيدة النهائية، التي تحلم بأن تحمل اسمك في الذاكرة طويلا؟

أحمد حافظ:
إذا اعتمدت على مخيلتي وأشواقي الغارقة في الرمال: فأظنها ستكون قصيدة مائية، مخلوقة من الماء الخالص. لا علاقة لها بسوق المعجزات.
أريد قصيدة عادية، تجدها فتاة مصادفة، بعد مائة عام كما تجد في طريقها، معدناً لم يكتشف بعد.

نورا عثمان:
إنها كما ذكرت سابقاً، المنمنمة التي ستُكَوِّنها قصائدي جميعها، والتي أحلم أن تستحوذ على حياتي، وتمكنني من الاختفاءِ – واقعاً ومجازاً- في جسدها الهائل، ذي الحياةِ المتشعّبة… هذا إذا تحقق لي ما أحلم به.

حسن عامر:
لا يمكنني أن أحدد شكل القصيدة التي أحلم بها، ولا أن أرسم لها صورة، ولو متخيلة، فالشعر عندي سؤال مفتوح وأفق لا نهائي من التجريب.
الوقت الذي أحدد فيه تعريفاً ثابتاً للشعر، أو أرسم فيه صورة محددة للقصيدة، سأتوقف عن كتابته، غير أنني أحلم أن أكتب كما لو أنني أتنفّس، كأن الكتابة جزء من ذاتي وامتداد لروحي، لا مجرد بناء لغوي.

محمد جبريل:
الصورة التي أرسمها الآن ليست قصيدة مكتملة، بل طيف القصيدة التي أحلم أن تُنسب إليّ يوماً، كأثرٍ يبقى حين أغيب، اتمناها قصيدة لا تصرخ، ولكن تتقدم بخطى خفيفة. تحمل حزنها، ولكن دون أن تستجدي أحداً، قصيدة لا تحكم قبضتها علي المعنى، وإنما تعنى بفتح نوافذ للقارئ كي يرى ويبصر.
*****
خاص بأوكسجين


شاعر وصحافي من الأردن. من مؤلفاته: "ليكن لي اسمك"" 2011 و""فرد في العائلة"" .2014"