مَعَكِ
ورأسي بين نهْديكِ
أمامَ نافذةٍ
تُطِلُّ على قَمَرٍ مَشْطورٍ
عَتْمةٌ وشَجَرٌ
وغِرْبانٌ تَنْعقُ في البعيدِ
ليلٌ تُخرْبِشُهُ الشَّبابِيكُ المُضاءَةُ
من حِينٍ إلى حِينْ
ورقْدَتُنا الدَّائمةُ
على سِجَّادةِ الغُرْفةِ
بعد قليلٍ ستقتربينَ
بأنْفاسِكِ السَّاخنةِ على عُنقي
وتُنصتينَ حَذِرَةً
إلى صوتِ السِّكِّينِ يُسْتلُّ
أحْمرَ
ويَعْكِسُ ضَوْءَ القَمَرْ.
✦
نَهداكِ الآنَ
خارجَ السُّوتيانِ
(القيدِ الحريريِّ الغالي
في الفتارينِ)
يقفزانِ
حُرَّيْنِ
على كفَّيَّ
كفَّيَّ هاتين
الخاويتينِ
كحمَّالةِ صَدْرٍ
وحيدةٍ
في الفتارينْ.
✦
في الليلِ
ونحنُ نتخامَشُ في السَّريرِ
بالمخالِبِ والأنيابْ
حَرَّكتُ وَسَادةً
فأسقطتُ كأسَ نبيذكِ
على أرضيَّةِ الغُرْفةْ.
في الصَّباحِ
ارتبكتْ يدي
فدلقتُ البيضَ المخْفوقَ
على أرضيَّةِ المَطْبخْ.
مَشْهَدانِ
لن تؤرِّخَهُما صِوَرُ الكاميرا الدِّيجيتال
لكنَّهما مُسجَّلانِ هُنا
في قبْضةٍ هُلاميَّةٍ
اسمُها الذَّاكرة
أمزجُ بينَهُما
بالحركةِ البطيئةْ
وأتنهَّد.
✦
نَطيرُ…
تارِكين أعضاءَنا مُفكَّكةً خلْفَنَا
كما لو مِنْ أَثرِ قُنْبُلَةٍ تَنْفجرُ
فيتباطَأُ مُرُورُ المَشْهدْ:
تعْبُرُ التَّفْصيلَةُ وَراءَ الأخرى بَطِيئةً،
فنراها من جوانِبِهَا، وتَطْفُو على السَّطحِ الأشياءُ المحيطةُ بِنَا، ترتفعُ المنضدةُ وبموازاتِها من الجانبينِ ترتفعُ المقاعدُ، السِّجَّادةُ تموجُ مَرَّةً ذاتَ اليمينِ ومَرّةً ذاتَ اليَسارْ، السَّريرُ يرتفعُ فيما يَبْقَى نِصْفُ المُلاءةِ مُعلَّقًا في الهَواءِ، وَاصِلًا طَرْفُهُ الأرضَ، وتعومُ الأكوابُ حولَنا دونَ أن يَسْقُطَ ما فيها، نفتحُ أعْيُنَنَا فيلتَقِي كلٌّ بِعينِ الآخَرِ، نُطوِّحُ أيادِينا في الهواءِ كما لو كُنَّا نَسقُطُ من عَلٍ فتصطدمُ أيادِينا، وتمتزجُ أنفاسُنا وهي تخرجُ سريعةً قبل أن نسْقُطَ على ظَهْرَيْنا مُستمتعَيْنِ بتباطُؤِ اللُّهاثِ ونحنُ نَحطُّ مثلَ طائرَيْنِ
طارا قبل قليلٍ
تارِكين أعضاءَهُما
مُـ فَـ كَّـ كَـ ـةً.
✦
ها أنتِ الآن نائمة في فراشك
على جنبكِ الأيمن
ظهرك مقوّس قليلًا، ويدكِ اليمنى تحت وسادتكِ، تغمضين عينيكِ وأنتِ تنتظرين أن يغافلكِ النّوم سريعًا، تتنهّدين، تغيّرين من رقدتكِ قليلًا، تزيحين خصلة الشَّعر التي غطّت عينيكِ
وتعاودين التنهّد.
كأنّني أراكِ
ملايين الأميال تفصل بيننا، جبال ومحيطات وأنهار وبلاد وسحب وغيمات وأقوال نميمة وأكاذيب، لكنّني أراكِ، حدود وأسلاك شائكة وسجون ومعتقلات وساحات تعذيب وأسواق نخاسة وميادين للقتل وميادين للرّجم وميادين للعراة وميادين لإقامة الصّلوات، لكنّني.. أراكِ، لا يهمّ عن بعد أو قرب، لا يهمّ من خلف عتمات لا تنجلي أو من وراء سُتُرٍ أو نوافذ مغلَّقةٍ وشرفات لا تُفتح أبوابَها للصّباحات النّدية، أراكِ، حتى لو أغمضت عينيَّ، حتى لو أطفأت مصباح حجرتي، حتى وأنا أرى الآخرين..
أراكِ
السّيارات تمرق تحت نافذتي
وعجلاتها توزّع برك الأمطار على الجانبين، السّكارى يترنّحون على الأرصفة ويتبادلون الشّتائم ورمي زجاجات البيرة والإشارات البذيئة
وأراكِ
أشعل سيجارة من أخرى،
أصبُّ نبيذي في كأسي المملوءة
وأقول: نامي
كي أرى عينيكِ في الصّباح
مشرقتين ومنوّرتين
كي أنام.. لأكفَّ عن أن أراكِ
لكن قلبي ثقيل كشجرة بلّوط
سقطت فوق عُليّة بيت بعد عاصفة
يحاولون زحزحتها
فيهدمون العُليَّة
ويدمّرون البيت
قلبي الصّغير
النّابض الآن وهو يتشرَّب النّيكوتين بحذر
ماكينة ضخِّ الدّم في الأوردة والشّرايين
يصبح ثقيلًا مثل شجرة بلّوط
حين يراكِ نائمة هكذا
وحدك
تتقلّبين، تتنهّدين
تزيحين خصلة الشَّعر مرّة ومرّتين وثلاثا
أتمنّى لو أزحزحه قليلًا
عن الجهة اليسرى
أطعمه النّيكوتين نَفَسًَا بعد نَفَسٍ، أجعله يغمض عينيه لينصت إلى الموسيقى التي اندلعت في الأعالي حين تذكّرتُ عينيكِ، فلا يهدأ، أقول له
اهدأ
وأزيده زحزحة
فأسمع ضجّة انهدام جدران
وصوت تحطّم خشب عُليّة
أكحّ، كأنّني كهل يصعد الدّرجات متحاملًا على ساقين أنهكتهما السّنون، وقلبي، العنيد، الغبيّ، يسابقني على الدّرجات، أجرّ رجليَّ واحدة بعد أخرى، وهو يتقافز ضاحكًا أمامي مثل أولاد الشّوارع، يُخرج لسانه لي وهو يمسك بالدّرابزين وقدماه تطيران إلى أعلى، ترفعانه كما لو كان دخان سيجارة تطير من نافذة إلى الخارج.
الكُحَّة القديمة، المشروخة، المعبّأة بالدّخان
التي تسمعينها الآن، التي تتردّد في جنبات غرفتكِ المعتمة، التي تنهمر على جسدك النّائم كلوح من الزّجاج المتكسّر، التي تتقافز فوق سريرك الآن دون أن تشعري بها، الكُحَّة ذاتها بنت السّنين الخوالي، حين كنت صبيًّا صغيرًا، يتخفّى في صالة سينما ليجرّب سيجارته الأولى بعيدًا عن أعين النّاس، هي التي تنطلق الآن، فالِقةً العتمةَ المحيطةَ بي إلى عتماتٍ تتوالدُ من بعضها البعضِ، مُزَحْزِحَةً قلبيَ عُنوةً، إلى الجهة اليمنى.
نامي
أَغْلقي عينيْكِ
ودعيني أُمسِّدُ شَعْرَكِ النَّاعم
أحبُّ أن أُمسِّدَ شَعرَكِ وأنتِ غافيةٌ أمام عيْنيَّ
وأنا أتنشَّقُ رائحةَ الشَّامبو الأرجوانيَّةِ تملأُ رئتيَّ بالدِّفءِ وبالبخارِ السَّاخن، يتصاعدُ مِن جسَدِكِ المُبلَّلِ في اللحظة التَّاليةِ لحركةِ إصبَعيْكِ حينَ يضغطانِ مَحْبس الدُّشِّ
اللحظةُ التي تتساقطُ فيها قطراتُ المياهِ مِن على شَعركِ المُبلَّلِ اللامعِ، مُتهاويةً في الأُخدودِ السِّحريِّ لعمودكِ الفَقَريِّ، لتفترقَ من جديدٍ
على مُنْحَنييْنِ
لا يكتملان.
أَمدحُ قطراتِ المياهِ
ولا أمدحُ جَسَدِكِ
أمدحُ عفويةَ السُّقوطِ
الاستسلامَ القانعَ لضرورةِ مُغادرةِ هذا الجسدِ
بهذه السُّرعةِ والاندفاعِ
بهذا الخُنوعِ
وبهذه المَذلَّة
أمدحُ البَساطةِ الآسرة في القناعةِ
في الرِّضا
بما هو مكتوبٌ
ومُقدَّرْ
أمدحُ استدارتكِ البطيئةِ
المُتمهِّلةِ
المُتأنِّيةِ
الصَّبورةِ
طويلةِ البالِ
أمدحُ إغماضَ عينيْكِ
وأنتِ ترفعينَ رأسَكِ قليلًا إلى أعلى
وكفَّاك تمتدَّانِ إلى شَعركِ
تعصرينه من المياه
أمدحُ صوتَ سقوطِ المياهِ
على رُخامةِ البانيو
أمدحُ البانيو
حين يراكِ من أسفل
حين يراكِ في اللحظة ذاتها
من الجهاتِ الأربعِ
أمدحُ الجهات الأربع
ويدي
تُمسِّدُ شَعرَك النَّاعم.
منشفة الحمّام كفيلة بما تبقّى
تتشرّب القطرات واحدة بعد أخرى
بصبر وتبتُّل
وأنا أرفع خصلات شعركِ من الخلف؛
الشّامة الأولى على رقبتك
العرق النّافر وهو ينبض في رقبتك
قرطكِ الطّبيّ الذي ترتدينه منذ عشر سنوات أو أكثر..
ورقبتك
يدي تمسكان بالمنشفة من طرفين
وشبّاك الحمّام الموارب
يهرِّبُ البخار السّاخن إلى عتمة الليل
ومرآتك التي تواجهني
أنظر محاولًا أن أرى وجهي في الغبش المائيّ
فلا أراني
أمدّ كفيَّ لأتأكّد منكِ
فلا أجد كفيَّ
أرفع ساقي عن الأرض
فأراها ثابتة لا تحيد
أقول نامي
لأنّني لا أرى شيئًا ولا أشمّ شيئًا ولا أتذوّق شيئًا ولا ألمس شيئًا ولا أتحسّس شيئًا ولا أشعر بشيء، أقول اتركيني أغمض عينيّ ولو قليلًا، أريد أن أغفو، أن أريح رأسي بين نهديكِ، أن أشمّكِ، أن أراكِ، أن أتحسّسكِ، أن أعضّكِ، أن ألعنك.
أريد لو أنام
كما لو كنت ميّتًا
بلا أحلام أو كوابيس
بلا رؤى أو بِشارات
أهلّة أو نجوم
أريد أن أغفو كما لو كنت نائمًا على صدر أمّي، أمضغ الحلمة البكر وأرتشف زلال الحياة
اتركيني ونامي كي أنام
تعبت من رؤيتك، من النّظر إليكِ دون أن ألمسك، تعبت من رائحتك التي تطاردني كما لو كانت كلابًا سعرانة، وتعبت من قول: نامي.
هنا بالضّبط، وسط الكتفين، على التُّرقوّة، على عضلة الكتف اليمنى وعضلة الكتف اليسرى، بينهما، أسفلهما، على لوح الكتفين، نزولًا بطيئًا إلى الخاصرتين، فوق الكبد والطّحال والكُليتين، آخر فقرة في عمود الظّهر، أوّل الحريق وآخر المجزرة،
وأصابعكِ
يا دين أصابعكِ، يا ربّ هذين الكفّين، يا شيطان هاتين اليدين، أصابعك وهي تلمع من الزّيت، من رائحة القرنفل والحبّهان والقرفة والكُركم والزّعفران، وكفّاكِ وهما ترتفعان بأصابعهما العشر، وتهبطان بأصابعهما العشر، تنزلقان، تبطئان، تتوانيان، تسرعان، تنهجان، تتنفّسان، تستريحان، تستفيقان، تدوخان، ترتجلان، تلسعان، تقرصان، وجلدي يلمع تحت زيت أصابعكِ، وجسدي يذوب، ينحلّ، يسيل
جسمي أم جسدي
روحي أم نفسي
قلبي..
أم العُلِّية؟
هنا
بالضّبط هنا، وسط الكتفين، على التّرقوّة، على عضلة النّهد الأيمن وعضلة النّهد الأيسر، على كتفك الأيمن الذي تأذّى من فأر الحاسوب في يدك طيلة النّهار، وعلى الجدول الصّغير بين نهديكِ، على استدارة الحلمتين، على الهالتين الورديّتين تتفتّحان كي تزهر الزّهرة، وعلى الرّحيق يسيل ويختلط بلمعة الزّيت فوق أصابعي، وأنّة هنا، وأنّة هناك، وقلبي إذ يرقص رقصة الفريسة تحت سهام القنص تخترق لحمه الأحمر، المدمّى، المجروح
الذي لم يعد يصلح لا للطّهي ولا للمضغ
ولا لكلاب الشّوارع.
————————————
هذه المختارات من كتاب “معجم الحواس النَّاقصة”، الصادر أخيراً عن دار “ديوان” بالقاهرة.
*****
خاص بأوكسجين

