أخرجوه من الزريبة وهو لا يعرف أنها زريبة، وقيل له للمرة الأولى إنه حرّ طليق: “لن ندع لأحد أن يمتطيك بعد الآن، ولا أن يجهدك بحمل المتاع والأثقال، تستطيع أن تسرح وتمرح أينما تشاء، المراعي والمروج، الجبال والوهاد، السهول والأنهار لك”.
وراح يجوب هنا وهناك، يصول ويجول، يبرطع ويتقافز، وكان من أهم علائم حريته أن كل ما كان ممنوعاً عليه خارج الزريبة، بات مسموحاً له الآن، فعلى سبيل المثال، كان مسموحاً له أن يتبرز في مكان محدد في الزريبة، أما الآن فيستطيع التبرز أينما شاء.
لم يجد بدايةً صعوبة في التواصل والتخاطب، فكل من حوله ينهقون ويثغون ويصرخون، أو لديهم أصوات مجرد أصوات، لكنه سرعان ما اكتشف أن هناك شيء اسمه كلام وحوار ونقاش وأشياء يسمع بها للمرة الأولى.
فالتحق بالحال بدورةٍ مخصصة لتدريب الأصوات على الكلام، وبذل جهداً جهيداً في تعلّم الكلام، وصارع النهيق حتى آخر قطرة لعاب، فكلما ظنّ أنه أتقن الكلام داخل كلماته النهيق، وتوصل مدربوه إلى أن الأمر طبيعي، وثمة حالات لا عدّ ولا حصر لها يكون الكائن فيها قادراً على الكلام والنهيق معاً، فتعايش مع هذه الحقيقة، ومع الوقت اكتشف أنها نِعمة النعم.
وهكذا راح يستخدم كلمات وعبارات خبط عشواء، لا يجمعها منطق ولا سياق، ويجيب على الأسئلة إجابات عجيبة، وتوصل بالنهاية إلى وضوح ما بعده وضوح، كما لو أنه كُشِف له، واستقر على بضع عبارات بسيطة (ثلاث أو أربع على أبعد تقدير) تُعرّف كل شيء، وتجيب على أي سؤال!
وفي مرات كثيرة حين يواجه أسئلة لا يفهمها، وأشياء تستدعي القراءة والتفكير يطلق سيلاً هائلاً من الشتائم، وقد كان بارعاً جداً بذلك، لا بل كانت الشتائم المؤشر الرئيسي (في فترة تدريبه على الكلام) على الانحسار الجزئي للنهيق، متوصلاً إلا أنها الطريق الأمثل للكلام مع أي محاور أو مختلف معه، وهو يعجز عن فهم كلامه فيمطره بوابل من الشتائم.
وبينما هو في خضم تلك المتغيرات العاصفة، وجد في العودة إلى الشهنقة فسحته المحببة، ممضياً مع شهنقاته أجمل الأوقات، طالما أنه يتخفف من عناء الكلام، ويُسعد برفقة الصحب والأصدقاء، الذين بدورهم ضاقوا ذرعاً بالكلام والحوار، وعاشوا على ذكرى الأيام الخوالي، مستعيدين الزمن الجميل والحنين إلى الماضي الزارئبي.
ولم يطل الزمن به، حتى فقد تماماً القدرة على الكلام، وعاد إلى الشهنقة بالمطلق، لا صوت يعلو على صوتها، وهذا شمل كل الصحب والأصدقاء، واجتمعوا جميعاً على إعلان الشهنقة لغة رسمية، وشكّلوا جبهة موحدة زرائبية ضد من يعارضهم أو يخالفهم أو ينال من منطقهم الزرائبي ولو بحرفٍ واحد، وفرضوا عليهم الشهنقة والثغاء والصراخ، واستجاب كثر لذلك وتبنوا تلك الأصوات، ومن أصرّ على الكلام والحوار نكّلوا به أيما تنكيل، ووجدوا فيه عائقاً لمسيرة البناء التي يسعون إليها، بتشييد الزريبة تلو الزريبة، ووضع قوانين وأحكام زرائبية، مشددين على مكتسب واحد، ألا وهو حرية التبرز في كل مكان.

