حب متبادل
العدد 299 | 18 آب 2025
طارق عباس زبارة


دخل ردهة الفندق الفخم وقلبه يخفق بشدة. لم يدخل مكان كهذا في حياته من قبل! سأل عن الغرفة 305 وإن كانت قد وصلت. سأله موظف الاستقبال عن اسمه. وبعد أن نطق به ابتسم له وأكد له وصولها، وتوجه إلى الغرفة.

كم كان ينتظر هذا اللقاء. تكاتبا طويلاً عبر الانترنت. منذ زمن وهو يرمى شباكه وأخيراً اصطاد سمكة كبيرة، دسمة، بنتاً ثرية ستغير كل شيء في حياته. ستخرجه من العوز والفقر.

اقترض لكي يسدد تكاليف الرحلة، حجز الفندق الفخم، البدلة والقميص والحذاء، استعار ساعة “رولكس” من صديق قال له “إنه سيقتله إن أصابها أي خدش”. لا بأس! الزواج منها سيعوضه عن كل هذه التكاليف – “تكاليف الاستثمار”، كما سمّاها. ما هي إلا بضع ساعات حتى يوثقا زواجهما. قال لها إنه من أسرة كبيرة، لها نفوذ وسمعة كبيرة في البلاد، وهو لن يقبل بأي علاقة من دون زواج، ليس من أجل سمعة أسرته، بل لأنه يبحث عن علاقة جدية معها، لأنها حب حياته. أعجبها كلامه عن الحب الأبدي والإخلاص الزوجي، فوافقت.

بعد عقد القران سيذهبان من دون أقارب أو أصدقاء إلى مطعم فاخر للاحتفال بحياتهما الزوجية الجديدة. كانت تلك فكرته وهي – “الغبية الساذجة” – وافقت. قال لها إنه لا يريدها إلا هي، ولا يريد أن يرى أحداً بجانبها في يوم توثيق حبهما، فيوم العرس يومهما فقط، لا يوم الآخرين. صدقت تلك الفكرة الرومنسية دون تساؤلات.

وعندما يحتسيان المشروبات ويأكلان الحلوى سيرن الهاتف. سيعتذر منها على تلقي مكالمة في يومهما الحميم هذا. سيتحدث بلغه لا تفهمها، سيبكي ويعول على الهاتف، سينهي المكالمة ويواصل نشيجه. ستضمه إلى صدرها، ستواسيه وتسأله عما حدث. سيقول لها إنه خسر كل شيء وأن أمواله صادرتها الحكومة وأنهم وضعوا أهله في السجن وحكموا عليه بالموت غيابياً لأنه من المدافعين عن حقوق الإنسان في بلده التي يسوده القمع والاستبداد. لن يستطع العودة الى وطنه الحبيب. هي لا تعرف شيء عن بلاده، فستصدقه. ستعرض عليه أن يرافقها إلى بلادها ويعيشا هناك. سيرفض في البداية، سيقول إنه لا يريد أن يكون عالة عليها، ستجيبه إنها تحبه سواء كان غنياً أم فقيراً، وأنها ستكون سعيدة بوجوده بجانبها. سيحتضنها وسيقول لها إنه كان دائماً على يقين بأنها حب عمره…

وصل الغرفة 305، طرق الباب، فتحت له. تفاجأ من مظهرها. كانت ترتدي بدلة رياضية، وقد ربطت شعرها إلى الخلف بلا اهتمام. وجهها أحمر من البكاء، ووجنتاها ملطختان ببقايا الكحل والمسكرة. دخلت في نوبة بكاء جديدة بعد دخوله. وقبل أن يفتح فمه ليسألها عما حدث، حكت له بسرعة وبنبرة متشنجة أنها وقعت في مشكلة: سُرِقت كل أمتعتها بعد أن وصلت. قالت إنها لا تحزن على المال والأشياء الأخرى، بل على فستان الزفاف الذي أرادت أن تفاجئه به، أن تظهر أمامه كعروسة جميلة. أما الآن فما لديها إلا هذه البدلة الرياضية.

سألها إن كان جواز سفرها والأوراق اللازمة لعقد القران قد سرقت. تنفس الصعداء عندما نفت ذلك. حاول أن يلملم نفسه ولا يتوقف عند هذه المفاجأة، فاقترح عليها أن يتزوجا هكذا، ببدلة رياضية. فالحب هو ما يجب الاحتفال به، لا المظهر. أومأت برأسها موافقة. قالت إنها آسفة على عدم تقديمها الهدية التي كانت قد جلبتها معها والتي سُرقت هي الأخرى – ساعة “بياجيه” سويسرية فاخرة. لعن في سره حظه التعيس، لكنه أقنع نفسه بأن ما سيجنيه لاحقاً سيكون أكثر. واساها وقال لها ألا تهتم، وأن تبعد عنها كل ما يعكر أن لا عليها مزاجها، فالزفاف سيكون غداً وعليها أن ترتاح من تعب السفر.

رن هاتفها فجأة. أجابت وبدأت تتحدث بلغة لا يفهمها. تتكلم بصوت منخفض وكأنها تتلقى تعليمات. راقبها من دون أن ينبس بكلمة. أغلقت الخط متأففة. قالت إن الذين اتصلوا بها هم من وجدوا أغراضها ويريدون مكافأة عشرة آلاف يورو كي يعيدوا لها الحقيبة، التي فيها فستان العرس والتي خبأت فيها الساعة “البياجيه”، وأشياء أخرى تفوق قيمتها أضعافاً ذلك المبلغ.

*****

خاص بأوكسجين


كاتب وباحث يمني ألماني. درس الآداب وعلوم اللغات في "جامعة لودفيغ ماكسيميليان" في ميونخ وحصل منها أيضاً على الدكتوراه في التاريخ والعلوم السياسية. له خبرة واسعة في تحرير وترجمة الأعمال الأدبية من لغات عديدة إلى الألمانية. "الشيخ شمسان وشركاؤه" هو أول إصدارته بالعربية.