المتسلل والفضولية
العدد 295 | 10-6-2025
طارق عباس زبارة


 

المتسلل

استيقظ في جحره الضيق، ورائحة النتانة تملأ المكان. كانت زوجته وأطفاله نائمين بجانبه. كانوا كثيرين، محشورين فوق بعضهم البعض، كومة أجساد متداخلة.

خرج خلسة. توجه إلى غرفة نومها. تردد قليلاً ثم دخل تلك الغرفة التي حذروه دوماً من الاقتراب منها.

كانت نائمة، وقد كسى جسمها قميص نوم شفاف سماوي اللون. صدرها يرتفع وينزل مع كل شهيق وزفير. خصلات شعرها الطويلة تتدلى على جبينها مغطية بعض وجهها الجميل. وقف أمامها يتأملها، يتأمل هذا الحُسن الفاتن. أراد أن يراها عن قرب أكثر، فخطى نحوها متجنباً إحداث أي صوت. استدارت، فخرجت ساقها الملساء كلها من اللحاف، وبانت بداية شعيرات عانتها المغطاة بسروال شفاف من الدانتيل من نفس لون قميصها السماوي. حدّق بها طويلاً. تذكر أسرته فجأة: “ماذا لو استيقظوا من نومهم وبدأوا بالبحث عني؟ ماذا أقول لهم عند رجوعي لو سألوني أين كنت؟”

“الأفضل أن أعود لقد تماديت في جرأتي”، لكن الحسناء باتت تجذبه إليها كالمغناطيس. واصل اقترابه من سريرها حتى وقف في وسط الغرفة بعيداً عن الباب. سمع حفيف اللحاف فتسمّر في مكانه.

اندلع الضوء فجأة. رأته. تسمّر أكثر ولم يهرب كما تربى منذ ولد. نظر إليها بنظرات عاشق ولهان، نظرات لا تخلو أيضاً من التحدي. نظرت إليه ولم تنبس بكلمة: يا له من كائن صغير، ضئيل الجسم، بني اللون، بأرجل نحيفة. تقدمت إليه ببطء. ابتسم لها، لكنها لم تر ابتسامته. وفي لمح البصر أخذت نعلها وصفعته فتناثرت أحشاءه على بلاط الغرفة.

 

الفضولية

كانت تلعب في البراري الخضراء مع أقرانهاـ فإذا بها وثبت عالياً فوصلت إلى الضفة الأخرى من النهر.

أقرانها وقفوا مذعورين عند الضفة، لم يجرؤ أحد منهم على الاقتراب. سمعت أصواتهم وهم ينادونها ويطلبون منها أن تعود: “هل جننتني! عودي بسرعة، المكان هناك مليء بالمخاطر”.

لكنها لم تصغ إليهم. ابتعدت عنهم بسرعة، قافزة بكل ما أوتيت من قوة. بدأت أصوات نداءاتهم تتلاشى رويداً رويداً، حتى اختفت تماماً.

كانت سعيدة بحريتها المكتسبة للتو. التفتت حولها. كانت البراري على هذه الضفة جميلة، أجمل مما تخيلت. أخذت نفساً عميقاً من الهواء الطري، هواء الحرية.

فجأة رأتهم، بألبستهم الملونة الجميلة رأتهم. “هؤلاء إذن هم من حذروني منهم؟ لا يمكن أن يكون هذا البهاء والجمال مصدر خطر!”

لاحظوها، اقتربوا منها ببطء كي لا يخيفوها. لم تهرب. فحاموا حولها حتى طوقوها. نظرت إليهم بنظرات ملؤها الإعجاب والمحبة والطيبة، لكنها لم تجد نفس الطيبة في أعينهم. فجأة تبدّلت نظراتهم إلى نظرات جائعة، لئيمة. طوقوها أكثر حتى بدأت تشعر بالضيق والخطر، وأمسى الطوق أكثر إحكاماً، ومن دون أي مقدمات هجمت الطيور الجميلة وأكلت الجرادة.

 

*****

خاص بأوكسجين

 


كاتب وباحث يمني ألماني. درس الآداب وعلوم اللغات في "جامعة لودفيغ ماكسيميليان" في ميونخ وحصل منها أيضاً على الدكتوراه في التاريخ والعلوم السياسية. له خبرة واسعة في تحرير وترجمة الأعمال الأدبية من لغات عديدة إلى الألمانية. "الشيخ شمسان وشركاؤه" هو أول إصدارته بالعربية.