جثث كثيرة
العدد 299 | 18 آب 2025
فراس سليمان


ماذا يفعلون في الحرب؟

يطحن بعضهم العظام والجماجم على عجل لينسوا أنهم أصبحوا قتلة. يتمترسون خلف جثث بعضهم ويفتحون النار على جثث أخرى. يستغل بعضهم اقتحامات الهدوء ليعصروا قلوبهم على أرض باردة في ليل يتشقق، منتظرين نهاراً قد يأتي ليربطوا بما تبقى من أوردة وشرايين أنفاسَ أخوتهم المتقطّعة.

* * *

الأطفال والنساء والعجائز مثل نباتات متشابكة مرتجفة تتدلى من ثقوب في جدار الهواء الذي يفصل جبهات القتال، من السهولة قصفها… نباتات تتدلى تقطر دماً. اقصد أجساداً هامدة ستلمّها أيادي من نجوا.

* * *

في النهاية التي تحدث من دون توقف، يرقب بعضهم خائفين تحلّل الأشياء والأسماء، يقسّمون الندم والأرض على جثث كثيرة ثم يضربونه عرض الحائط.

* * *

بقايا التاريخ القذرة على الطاولات… على الشاشات

المشارط في لحم المستقبل ثم إبر صدئة وخيوط هشّة تخيط الأشلاء.

* * *

في النهاية التي تحدث من دون توقف، يحاول الأحياء أن يبصقوا… أن يصرخوا …فتنفجر أحشاؤهم عفناً.

ننفجر وصايا شيوخ يسلخون جلد الحياة أخطاءً قاتلة في أيدي أتباع مشوّهيين.

* * *

في النهاية التي تحدث من دون توقف، الجميع أذلاء منتظرين.

* * *

يخرج كلّ طرف مسلّحاً بكفنه.

* * *

كلّ طرف، ذاكرة مرسومة برداءة.

* * *

هل على اللاجئين…الناجين أن يشكروا الله لأن خيامهم ليست لها نوافذ ليطلّوا منها على سماء مهدّمة؟

هل على من فرّوا أن يموتوا في الطريق إلى يوم آمن؟

هل على مَن لم يموتوا أن يعيشوا أصداءً في أمكنة لم تعد موجودة.. في ملاجئ ذاكرات مدمّاة؟

* * *

ينصهر اللهُ أدوات حادة قاتلة في عقول/أيدٍ عمياء.

* * *

كلّ نصّ مقدس، بطن شرور.

كلّ تأويل اغتصاب.

* * *

لأن الطاغية لا يستطيع أن يرى سوى صورته، ولأنه ليس معتاداً أن يرى صورته تهتز، هو لا يصدّق. يجلس في لحظته المتجمدة ظانّاً أنه يصنع التاريخ. الطاغية لا يفتقر إلى رعايا يثبتون له ما يريد أن يراه، صورته وحسب.

الآن، ولمّا اهتزت صورة الطاغية، الجميع رأى ما عداه. فالطاغية لا يرى ولا يسمع. فقط يتوهم ويطلق أوامر، لكن هناك من يمزّق صورتكَ، أيها الطاغية.

الطاغية يخرج من فقاعته…لحظته…وهمه، ولمّا يخرج فإنه لا يخرج إلا ليقمع. ليعتقل. ليقتل. ليحبس المستقبل في ماضيه. إلا لينتهي.

* * *

أما نحن وقد ظننا أن المسرح مهيأ لأصواتنا وأقدامنا، فننتبه الآن أننا كنا مجرد مشاة بطيئين في بهو طويل يقود إلى خارجٍ ما. القتلة الذين كانوا بيننا ولا يزالون. الذين كنا نلكز بساطتهم بأكواعنا بكثير من التعالي وبقليل من الشفقة، الآن يحتلّون المكان.

القتلى والذين سوف يقتلون الذين تتعالى صرخاتهم، القادمون من الألوان الحادة للحياة، يقلبون خشبة المسرح، بينما نحن في بهونا الطويل، نحن الذين كنا نفكر في المخارج نبكي الآن ضائعين.

* * *

وقال قائدهم: يمكنكم تسوية هذه الأرض المحفّرة بالجثث.

* * *

في هذا الشرق الملعون أيضاً، الأوطان لها أعمار.

* * *

في الحرب، العبث الذي يسعى إلى صفائه. له أن يتنصل من المعنى الذي أنجزه. خالصاً يذهب إلى نفسه، جارّاً وراءه القتلة والضحايا.

* * *

في الحرب، وأنتَ تتفرّج على كل هذا الموت، امسح على كتف الجثة التي تجلس قربك. وإن كنت وحدك، فامسح على كتفكَ.

* * *

في الحرب ليس للألم إيقاع. كما أنه ليس نشازاً

الألم خبط أرواح على البلاط …على الإسفلت …على التراب

ألم من لن ينسوا قذارة أعداء يمزقون بأنيابهم ما تبقّى من جسد بلد مريض ويضعونه في ثلاجات لا تعمل.

***

سيدفنون الفتاة التي انتهت للتو من درس الموسيقى وفي جسدها رصاصة أطلقها عليها العالم.

* * *

القتلى إن حالفهم الحظ سينتهون في مقابر جماعية

القتلة سيذهبون إلى قطعة جرباء على الخارطة أو إلى الجنة.

ياللرعب…

*****

خاص بأوكسجين

 


شاعر من سورية مقيم في الولايات المتحدة. صدر له العديد من المجموعات الشعرية منها: "المدينة التي أسكنها بعيداً" (1989)، و"رصيف" (1992)، و"هوامش" (1995)، و"امرأة مرآتها صياد أعزل" (2004)، ومجموعة قصصية بعنوان "الأشعث والرجل الضليل" (1996). صدر له عن محترف أوكسجين للنشر "كاميرا قديمة ما زالت تعمل" (2023)، وكتاب "صناديق بريد منسية – قصائد مخيم الزعتري" (2023) وهي قصائد أعدّها واختارها من ورشة كتابة الشعر التي أقامها في مخيم الزعتري للاجئين السوريين.