المواسية والحمل
العدد 293 | 4-5-2025
نثانيل وست | ترجمة: عماد العتيلي


استقلَّ المواسية سيارةَ أجرةٍ وعادَ إلى منزله. كان يعيشُ وحيداً في حجرةٍ ملأى بالظلال، وفيها سريرٌ وطاولةٌ وكرسيان. وكانت جدرانها عاريةً من سوى منحوتةٍ عاجيةٍ للمسيحِ مثبتة قبالةَ السرير. كان المواسية قد انتزعَ منحوتةَ المسيحِ من صليبها وثبتها في الجدارِ وحدها بمسامير. غيرَ أنها لم تحدث في نفسهِ الأثرَ الذي كان يشتهي. وبدلاً من أن تَتلف المنحوتةُ، ظلت ثابتةً وضاجةً بالحياة.

خلعَ الرجل ثيابه بسرعة، وأشعلَ سيجارةً، واصطحبَ نسخةً من روايةِ “الإخوة كارمازوف” معه إلى السرير. كان قد وصلَ في قراءتهِ الروايةَ إلى فصلٍ مخصصٍ لشخصيةِ الأب زوسيما.

“أحبّوا الإنسانَ حتى وهو متمرغٌ في خطاياه، إذ إنَّ ذلك هو الحبُّ الإلهيُّ الخالص وأرقى صورةٍ من صورِ الحبِّ على هذه البسيطة. أحبّوا كلَّ الموجودات، حتى كلَّ حبة رملٍ في كونِ الله الواسع. أحبّوا الحيواناتِ والنباتات، وكلَّ شيء. فإن أحببتم كلَّ شيء، أدركتم السرَّ الإلهيَّ في كلّ شيء. وإنَّ إدراككم السرَّ الإلهيَّ في كلَّ شيءٍ لن يلبثَ أن يتسعَ يوماً بعدَ يومٍ حتى يحتضنَ العالمَ بأسرهِ وينقلبَ حباً غامراً غيرَ مشروط”.

كانت تلك وصيةً ممتازة. وإن اتبعها المواسية، فسيحققُ نجاحاً باهراً. كما سيحققُ عمودهُ الصحفيُّ انتشاراً واسعاً، وسيتعلمُ الناسُ جميعاً معنى الحبّ. وستأتي مملكة السماء، وسيجلسُ هو عن يمينِ الحمل.

بيدَ أن المواسية، على الرغم من عدمِ إيصادِ شرايك البابَ تماماً أمام جوابِ المسيح، أدركَ أنَّ خداعَهُ لنفسهِ بنجاعةِ ذلك الجواب لم يعد أمراً مقبولاً. لما كان المواسية لا يزالُ صبياً في كنيسةِ والدهِ، وجدَ أنَّ شيئاً في نفسهِ يهتزُّ كلما هتفَ باسمِ المسيح. شيئاً ما خفياً وقوياً. ولقد ظلَّ الصبيُّ يهتفُ باسمِ المسيحِ لهواً، غيرَ أنه لم يسمح لنفسهِ مرةً بنفخِ الروحِ في الاسم حقيقةً.

باتَ يعلمُ الآن ما هو ذلك الشيء الذي ما انفكَّ اسمُ المسيحِ يحركهُ فيه. إنه الهستيريا. وإنَّ الهستيريا أفعى حراشفها مرائي صغيرة يظهرُ فيها الموتُ متقنّعاً بالحياة. وكم هو ميتٌ ذلك العالم… عالمُ مقابضِ الأبواب. فكّرَ المواسية فيما إذا كان نفخُ الروحُ في عالمِ الموتِ ذاك يستحقُّ الثمنَ الباهظَ الذي دفعه، وهو الهستيريا.

في نظرهِ، كان المسيحُ أكثرَ المحمّساتِ طبيعية. وبعد قليلٍ، ركزَ نظرهُ على صورةِ المسيحِ المثبتةِ على الجدار، وأخذ ينشدُ قائلاً: “المسيح، المسيح، يسوع المسيح، المسيح، المسيح، يسوع المسيح”، غيرَ أنه في اللحظةِ التي بدأت فيها الأفعى بالزحفِ في عقلهِ، فزعَ وأغمضَ عينيه.

سرقهُ النومُ، فرأى حلماً وجدَ نفسهُ فيه واقفاً على خشبةِ مسرحٍ مكتظٍّ بجمهورٍ عريض. كان هو ساحراً يصنعُ حيلاً بمقابضِ الأبواب. فكانت المقابضُ تنزفُ دماً بأمره، وتزهرُ وتتكلم. وبعدما انتهى عرضهُ المسرحي، حاول حملَ الجمهورِ على الصلاة. غيرَ أنه اجتهدَ فلم يجد سوى الصلاة التي لقنهُ إياها شرايك. لذا، لم يجد بُداً من تلاوتها بصوتٍ آليٍّ بغيض:

“إلهنا، نحنُ لسنا من أولئك الذين يغتسلون بالنبيذ والماء والبول والخلّ والنار والزيت والحليب والبراندي وحامض البوريك. إلهنا، بل نحنُ من أولئك الذين يغتسلون فقط بدمِ الحمل![1]

وفجأةً، تبدّلَ مكانُ الحلم، فوجدَ المواسية نفسهُ في مهجعِ جامعته. ومعه ستيف غارفي، وجود هيوم. وكانوا يتجادلون حولَ وجودِ الله منذ منتصفِ الليلةِ حتى الفجر، والآن قرروا –وقد نفد منهم الويسكي– أن يذهبوا إلى البقالةِ كي يبتاعوا شرابَ التفاح.

ساروا في شوارعِ المدينةِ الغافية، حتى انتهوا إلى السهول وراءها. كان الفصلُ ربيعاً. فأيقظت فيهم الشمسُ ورائحةُ الخضراواتِ غفوةَ السّكرِ ثانيةً، فصاروا يترنحون في سيرهم بين العرباتِ المحملة. خالهم المزارعون يمرحون. خالوهم مجرد فتيان جامعيين يلهون.

وأخيراً، وصلوا إلى الخمَّار وابتاعوا منه إبريقَ شرابِ تفاح، ثمَّ طافوا في منطقةِ بيع الماشية. توقفوا قليلاً كي يعبثوا مع بعض الحملان. واقترحَ عليهما جود أن يبتاعوا حملاً ويشووهُ على نارٍ في الغابة، فوافقه المواسية بشرطِ أن ينحروه قرباناً لله قبلَ شوائه.

أرسلا ستيف إلى السكاكينيّ كي يحضرَ سكينَ جزار، بينما بقيا هما ليساوما بائعَ الماشية في ثمنِ الحمل.  وبعدَ جدالٍ طويل، أظهرَ فيه جود مهارته، اختارا الحملَ الأصغر، وكان الحملُ يبدو لشدة صغرهِ كأنه رأسٌ كله.

حملوا الحملَ متباهين به مروراً بالسوق. وكان المواسية يتقدمهم حاملاً بيده السكين، يليهِ ستيف حاملاً إبريق الشراب، وبعدهُ جود حاملاً الحمل. وفي أثناءِ مسيرهم صدحوا بنسخةٍ فاحشةٍ من ترنيمة “كان لدى مريم حملٌ صغير!”.

كان ثمَّت مرجٌ منسبطٍ بين السوقِ والدكة التي كانوا ينوون تقديم القربان عليها. وفي أثناءِ مرورهم خلاله، قطفوا شيئاً من زهور الأقحوان والحوذان. ولما وصلوا في صعودهم التلةَ إلى منتصفها، وجدوا صخرةً فألبسوها ثوبَ الزهور، ووضعوا الحملَ فوقها. انتُخبَ المواسية قسيساً، بينما أدى صاحباه ستيف وجود دورَ المساعدين. ولما أمسكا بالحملَ وثبّتاه إلى الصخرةِ، ربضَ المواسية عليه وصارَ يشدو: “المسيح، المسيح، يسوع المسيح، المسيح، المسيح، يسوع المسيح!”.

ولما أخذتهم النشوة، نزلَ المواسية على نحرِ الحملِ بالسكينِ بقوة. غيرَ أنَّ ضربته لم تكن دقيقةً، فلم تقتلِ الحملَ بل جرحته. فرفع السكينَ ثانيةً، ولكنَّ مقاومةَ الحملِ ورفساتهِ الموجعةِ جعلت المواسية يخطئ مرةً أخرى، فانكسرت السكينُ لدى ارتطامها بقوةٍ بصخرةِ المذبح. ثبَّت ستيف وجود، رأسَ الحملِ المسكين كي يتمَّ صاحبهما نحره، بيدَ أنَّ السكينَ المكسورة لم تعد ملائمة للذبح ولا قادرة على جزّ صوفِ الحمل.

كانت أيديهم مغطاةً بدمٍ لزج، وبعد قليلٍ فرَّ الحمل، وركضَ مترنحاً ليحتمي بإحدى الأجمات.

سكبت الشمسُ الساطعة على الصخرةِ نورها، فصارَ المشهدُ موحياً بقربِ ارتكابِ مجزرة. فرَّ الأصحابُ وهبطوا التلة حتى وصلوا إلى المرج، حيث استلقوا منهكين في حضنِ عشبهِ الطويل.

وبعد قليلٍ، رجاهما المواسية أن يعودوا جميعاً ويخلصوا الحمل المسكينَ من شقائه. بيدَ أنهما رفضا، فعادَ المواسية وحده. عثرَ على الحملِ مختبئاً في ظلّ أجمة، فسحقَ رأسه بحجرٍ وتركَ جثته نهباً للذبابِ الذي تحلقَ حول زهورِ المذبحِ المضرجة بالدم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  هنا إشارةٌ إلى عيسى المسيح، إذ وصفهُ يوحنّا المعمدان في إنجيله قائلاً: “حملُ الله الذي يرفعُ خطِيَّة العالم”.

من رواية “المواسية” التي ستصدر قريباً عن “محترف أوكسجين للنشر”

*****

خاص بأوكسجين


أديب وكاتب مسرحيّ وسيناريست أميركي (1903 – 1940). سواء في روايته "المواسية" أو "يوم الجراد" فإنه وفي حياته الوجيزة شكّل منعطفاً في الرواية الأميركية هو الذي عُرف على نطاق واسع بعد وفاته.