خِفّةُ النّاجي
القصيدةُ كالمَنْفَى
ينامُ في بيتٍ ويحلمُ بآخر
يصيرُ الوقتُ كرسياً زائداً
تراقبُ منه غرباءَ يشبهونَك
المجهولُ تقشيرٌ بطيءٌ للجِلد
لكنَّه في كلِّ مرةٍ يضيئُكَ بعينينِ جديدتين
لم تعدْ مربوطاً بأيةِ حبال
تملكُ جهاتِ الأرضِ كلَّها
وليس في جيبِكَ مفتاحٌ حتى لبابٍ واحد
تمشي على حافةِ النسيان منتبهاً
كفكرةٍ تخشى من المَحْو
تمشي خفيفاً كمن نَجَا
فلا بيتَ ينتظرُكَ ولا جدارَ يحنُّ إليك
عقودٌ تمرُّ وأنتَ بقربِ النافذةِ نفسِها
كمن كان يلتقطُ صوراً لشيخوختِه
لا تتفرجُ على الزحامِ بل تتهجّى
كيفَ يمرُّ العالمُ من دونِك
تصادقُ ظلالَكَ دونَ أن تنظرَ إليها
لا تلتفتْ للخلفِ كي تنسى شوارعَ
أقامتْ فيها الوحشةُ قبلَك
تقفُ طويلاً أمامَ مرايا الحانة
تتقصّى ملمحاً قديماً تعرفُه
فلا تجدُ سوى غريبٍ ينظرُ إليك
وجهُكَ نهرٌ ساكنٌ
وأنتَ الحصاةُ التي سقطتْ فيه دونَ أثر
تولدُ كلَّ يومٍ بلا ماض
تخترعُ اسماً عابراً لكلِّ غريبٍ يسألُك
رسائلُ الوطنِ عامرةٌ بالموت
كأنَّ هناكَ يُفْرَغُ من ناسِه كي يتسعَ لغيابِك
لا أحدَ يعرفُك
لكنَّه الجمالُ العاري
ولقد حُزْتَهُ:
خطواتُكَ ملكُكَ ولا حسابَ عليها
السماءُ التي هجرتْكَ هناك
هي نفسُها فوقَ رأسِك
وأنتَ وحدَكَ من يراها الآنَ لأولِ مرةٍ
كِيسُ مُلَاكَمَةٍ فِي الْبَيْت
فِي يَدِي قَلِيلٌ مِنَ الْمِلْحِ
فِي الْوَجْهِ لِحْيَةٌ كَثِيفَةٌ
وَلَا أَشْكُو شَيْئًا
أَتَوَسَّطُ فِي مُشَاجَرَاتِ الْجِيرَان
أَمْسَحُ دُمُوعَهُمُ الْمُرَقَّمَة
أَمْلَأُ بِالتَّسَالِي خَزَائِنَهُمُ الْمَنْهُوبَة
أُلْقِي إِلَيْهِمْ حِبَالَ النَّجَاةِ
فِي كُؤُوسِ مَاءٍ يَغْرَقُونَ فِيهَا
وَعِنْدَمَا يَشْرَعُونَ فِي تَقْطِيعِ بَعْضِهِمْ بَعْضا
بِابْتِسَامَاتِ الْخَنَاجِر
أُغْلِقُ أَبْوَابًا نَسِيتُهَا مَفْتُوحَةً
وَأَفْتَحُ نَوَافِذَ مُغْلَقَة
كُلَّمَا اخْتَصَمُوا عَلَى حَفْنَةِ مِلْح
أُحْرِقُ جُدْرَانَهُمْ
مَا إِنْ تَشْتَعِلِ النِّيرَان
تُحَاصِرُهَا خَرَاطِيمُ الْإِطْفَاءِ
مَا إِنْ يَنْقَشِعِ الدُّخَان
لَا أَجِدُ غَيْرَ الرَّمَاد
وَفَرَاغًا بِلَا نِهَايَةٍ كَفِكْرَةِ الْمَاضِي
أَبْيَضَ
أَسْأَلُهُ مَتَى سَتَذُوب
أَنْفَاسِي تُعِيدُ بِنَاءَ الْجُدْرَان
وَبِقَلَمٍ بَيْنَ أَسْنَانِي يَنْطِقُ فَمِي
لِمْ نِسَائِهِمْ طَيِّبَاتٌ
وَالرِّجَالُ وُلِدُوا آلِهَةً لِيُعْبَدُوا
فِي حُرُوبٍ أَهْلِيَّةٍ يَخْسَرُونَ مَعَارِكَهَا
يُعَوِّضُونَهَا فِي الْبَيْتِ بِضَرْبِ كِيسِ الْمُلَاكَمَةِ
الَّذِي تَزَوَّجُوهُ
إِنْ كَانَ لَدَيْكَ جِيرَانٌ يَتَسَاكَرُون
وَقَلِيلٌ مِنَ الْمِلْح
فَلَا شَيْءَ تَشْكُو مِنْهُ
أَوْ تَخَافُ عَلَيْه
بِكَبِدٍ حَمْرَاء
أَبْنِي بَيْتًا بِالْمَقْلُوب
أُفَكِّكُ أَبْوَابًا لَمْ تُرَكَّبْ يَوْما
وَنَوَافِذَ لَا تُرَى بِالْعَيْنِ الْمُجَرَّدَة
أَنْتَزِعُ مَسَامِيرَ مُثَبَّتَةً فِي الْفَرَاغ
أَمُدُّ شَرِيطَ الْقِيَاسِ هُنَا وَهُنَاك
لَا أُثَبِّتُ عَلَامَةً وَلَا أَقْطَعُ شَيْئا
نَجَّارٌ لَا يَجِدُ خَشَبا
يُرَدِّدُ صَوْتِي صَدَى الْجُدْرَان
أَلْمِسُهَا كَشَبَحٍ يُطَارِدُ غِيَابَهُ
أَنَا بِخَيْرٍ كَمَا يَكُونُ الْبَيْتُ بِخَيْر
عِنْدَمَا يَرْحَلُ الْجَمِيعُ
عِنْدَمَا الْأَضْوَاءُ تُزَيِّنُ السُّقُوفَ
لَكِنْ لَا أَحَدَ يَتَذَكَّرُ إِشْعَالَهَا
الْأَثَاثُ مُرَتَّبٌ
الْغُرَفُ لَيْسَتْ هُنَا
النُّدُوبُ أَحَافِيرُ قَدِيمَةٌ مَضْغُوطَةٌ فِي الْحَجَر
لَكِنَّهَا تَتَحَرَّكُ كُلَّمَا تَغَيَّرَ الطَّقْسُ
الْجُرُوحُ لَوْحَاتٌ سَائِلَةٌ
كُلُّ وَاحِدَةٍ تَحْمِلُ اسْمًا بِلُغَةٍ لَمْ أُعَلِّمْهَا لِأَحَد
أَقُودُ جَوَلَاتٍ بَيْنَ زَوَايَا طَافِيَة
أُعَدِّدُ أَهَمِّيَّتَهَا دُونَ أَنْ أَشْرَحَهَا
حَنِينٌ إِلَى مَكَانٍ فِي رماد خريطة
أَقِفُ حَيْثُ صُبَّتِ الْأَسَاسَاتُ
فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ لِحُلْمٍ لَمْ يُفَارِقْنِي
كُلُّ مُخَطَّطٍ دُخَانٌ بَيْنَ يَدَيَّ
يَمُرُّ الْجِيرَانُ أَمَامَ بَيْتِي
يَرَوْنَ أَرْضاً مُسَطَّحَةً
أَرَى أَطْلَالا
*****
خاص بأوكسجين

