العالم، سر الوجود، وسحر الطفو في الشوارع
العدد 307 | 2-8-2026
سامح هواري


رحلة ذهنية من بنها العسل إلى ميكروباصات كلية الزراعة

يجلس الفتى في كرسيه، بروح الرحالة المغامر، ويغوص في أنشطة التجريد والعلاج بالتفلسف، ويكوي الانطباعات بمكواة الموضوعية، من الداخل إلى الخارج ما استطاع إلى ذلك سبيلا. يتخلى عن ذاته، ذواته، ينفصل عن مكانه الصغير في العالم، ليلتحق بالمجموع الأكبر، بروح الكون الأبدية، ووجوه المارة المنحوتة في جدار الوجود، والتعجب الخفي من كل شيء، من الأصوات التي لا تنتهي: افعل ما تريد فإنك لا شيء، افعل ما تريد فإنك كل شيء، وكل الكلام اللا مفهوم في العالم.

يقول السيد المعلّق عند باب الميكروباص، فيما يشبه الخطبة: قوتان أساسيتان تقودان كل شيء، قوة البناء وقوة الاستعارة، هناك متعة في البناء، في المسافات المهندسة بين أصوات الموسيقى، وفي الإمساك بالكون في نسق رياضي، هذا الفعل يثير الرهبة، الخوف من المتخفي بالداخل، أي شيء يفور؟ أي شيء يمارس دور القاتل أو الضحية! لا شيء يمكننا تعقبه، لا شيء أبعد من ذلك، هنا ننتهي ونبدأ، نوجد في العالم، ماذا يعني أن نوجد في العالم، ما الحد الفاصل؟ لا حد فاصل سوى هذه القوة الغامضة، قوة البناء.

وماذا عن الاستعارة يا إلهي الرحيم، أي مجنون يجذب الأشياء لبعضها بهذه الحماقة، بهذه الرعونة، ماذا تظن نفسك؟، سيد الأشياء وآمرها؟ حسناً، ما سر هذه القدرة الغامضة، ترى طائر في عشه وتتذكر الأرض في رحم السماء، هذه القفزات الغير محسوبة، الوهم الذي لا مفر منه، في النهاية ما هي اللغة غير جيش من الاستعارات، قال نيتشه وتبعه فتجنشتاين، الحقيقة جيش من الاستعارات.

معلق بين أخوتي في الميكروباص على مشانق الصباح، من “بنها” العسل وعلى الطريق، وجباهنا بالأفكار محنية، يا قاتلتنا، ها أنا ذا، أجلس على أرض العزة، أرض الأبطال والمغامرين البواسل، أقتحم الغامض بالقلم والسيف، وأستعد لأن أقتل في سبيل الحرية، هاع هاع هاع، أي حقيقة تطفو فوق سطح العالم، أمام عيون المارة التي لا ترحم، وعلى وجوه أتعبتها الجراح، لمَ الإسراع وأي شيء يستدعي الإسراع، أي حقيقة في العالم تركضون نحوها؟ الدين والإيمان، والقتلى في الطرقات وتحت أنقاض الطريق، لأي شيء يمكن رد كل شيء! بسيطة! إنه الألم، ها هي استعارتنا الأولى: الوجود = الألم.

عندما تتعلم عن الألم، تتعلم عن الحقيقة، تجوع فتصرخ، تعلم بعد ذلك أن للجوع ألم، تجرح يدك فتصرخ، تتعلم، هذا يدعى “الألم”. تغادرك أمك، للمرة الأولى، فتصرخ، هذا أيضاً يدعى الألم، ها هي حقيقتك الأولى، مجموعة من الخبرات المختلفة تجتمع تحت نفس الاسم، نفس التصنيف العام، ها هي استعارتك الأولى، الرابطة التعسفية الأولى.

كيف تنفك الرابطة، ويتخلص الانسان من مجموع الآلام، بالتخلي ربما عن الجهاز العصبي، وغريزة الجوع، والغضب على المعتدي،  واللاطموح، واللاحلم، واللاأمل، التخلي عن الحقيقة، بكشف الحجاب عن الاستعارة الأولى وما تليها من الاستعارات، بالدائرة المتوسعة من الترهات، بتفنيد العالم من أجل الكتابة، وبالكتابة من أجل الكتابة، من أجل إثبات الذات والتخلي عنها، الخروج للعالم والانفصال عنه، حسناً، حان وقت التنفس، تهوية القاذورات حتى لا تشتعل، لنبدأ من جديد، عما نتحدث حين نتحدث عن الألم.

بادئ ذي بدء، عن الفيزياء، مشروع العصور الحديثة المدلل، البلورة التي تكشف كل شيء، تركض وتركض خلف العالم، خلف البناءات النظرية الضخمة، ولغة الرياضيات، الأسر والأسر في شباك التجريد، هذه هي الحقيقة الفيزيائية، هذا هو جيش الاستعارات الحديث.

تلاحظ، لست بكل تلك البراءة، ولكنك تلاحظ تعاقب الظواهر، وجودها في ظروف محددة، تحرك السلك بين قطبي المغناطيس فيتولد شيء ما، تضع المياه فوق النار فتتفكك من بعضها البعض، نمط عام من الروابط بين الأحداث التي تمر بها مجموعات محددة من الأشياء، وقدرة على التعميم، على فرد الشباك على الطبيعة.

عند التحدث في الفيزياء، نتحدث عما نلاحظه من تكرار في سلوك الطبيعة، نستخدم أدوات القياس، وعبارات من نوع “لو حدث أ في مجموعة الظروف ج، لابد أن تنتج ب”. وفي مجال عام من نماذج متشابكة تحاول الإمساك بطريقة عمل الطبيعة، هنا نلاحظ مستويين، المستوى التنبؤي والمستوى التفسيري، أن نتنبأ هو أن نقرر أن مجموعة الأحداث “أ” الموجودة في ظروف محددة بمجموعة الشروط “ج” يلزم عنها المجموعة ب من الأحداث، وأن نفسر فهذا يعني أن نقرر أن الحدث الذي يظهر لنا كـ “أ” هو في النهاية الحدث “ب”، أن إدراكنا للسماء كزرقاء ليس إلا انعكاسات للغاز في الغلاف الجوي.

ربما يكون التنبؤ فعلاً استثنائياً في الفيزياء مقابل التفسير. في النهاية ما الذي يتم التنبؤ به غير مقابلة مجموعة متشابكة من الاعتقادات عن الطبيعة بملاحظة ما يحدث في الطبيعة نفسها. فكّر في الأرض تدور حول الشمس، وفي قانون الجاذبية وما يتضمنه من عدد واسع من المفاهيم والتعريفات، الكتلة على سبيل المثال، قدر المادة الموجودة داخل حيز معين من الفراغ، والاعتقاد في تأثير مقدار الفراغ داخل الجزيئات على الكتلة، أن المادة تنقسم لجزيئات، وأنها تشتبك مع بعضها بروابط من أنواع تساهمية وأيونية وإلى آخره.

كل فعل تنبؤي في الفيزياء هو فعل استثنائي، ليس لأنه نادر الحدوث، ولكن لكونه يعرض المنظومة كلّها للخطر، ولذا، ولأن الطبيعة تحب الاستقرار، تم اختراع الدوجما، البراديم، المجتمع العلمي وشيوخه المعممين، الخلفية التي يقاس عليها كل شيء.

ها هو جيش الاستعارات يلتحم، يصطف كقوى عظمى، ويدافع عن مفهومه عن الألم، الألم هو محض فيزياء، النموذج الصحيح لن يستطيع فقط تفسير الألم، ولكن يمكنه التنبؤ به أيضًا.

الألم – الفيزياء – الخلفية

ما الذي نشير إليه عند الحديث عن الألم، النيورونات والوصلات العصبية ربما! حسنا، ها نحن نصف العملية، يدور الفتى في الشوارع بعد عملية انفصال حادة عن صديق أو حبيبة، يغمره إحساس ما، وضع معين يتمكن منه ولا يستطيع سوى ملاحظته. ينصبغ العالم أمامه بلون محدد، طاحن وخانق، بالغرق في مياه النهر، سحر ما غير الترددات في نيورونات رأسه، هارموني واضح سيطر على مجموعات كبيرة منها؛ لربما هذا هو الألم، استجابة لمؤثرات خارجية، للتغيرات في شكل العالم، فيعود الفتى لقاموس القواعد ويبحث، ما الذي يجب حدوثه عندما تفقد حبيبك، ما التردد المناسب لخلايا الدماغ، أيهما يجب وصله بالآخر؟ يدور ويدور ولا يجد إجابة محددة، ويكتشف في حدث لا قيمة له، أن لا إجابات محددة، لا طريق واضح يمكن أن يسلكه المرء.

تطفو السيارة بنا فوق المساحات الزراعية، تصطف العمالة أمام الورش وتتكشف المآسي. لا تقدم الفيزياء لأي منا إجابات جاهزة، شيء ما يتقاطع بشكل متفاوت عند المرور بخبرات متشابهة، الإصابة بنزلة برد، المرور بأزمة عاطفية، الدخول في مأساة وجودية، أن ترى شيئاً في العالم فلا تستطيع سوى الشعور بالضيق، أن ترى الحبيبة السابقة في الشارع صدفة، تدير وجهك بينما تعود الترددات بداخل الدماغ لشيء من النموذج القديم. تتضافر مجموعات منها عليك، هل هذا كل شيء في هذه الخبرة؟ هل لو تكرر الميكانيزم الداخلي بنفس النسب ستتكرر الخبرة؟ شيء ما مخادع، نصطدم بصورة كرتونية للغاية.

نلتفت لأحد المعلقين في الأطر الخلفية للسيارة، يخبرنا فتجنشتيان أننا نعيش في العالم، نوجد في صورة للحياة، تشكلنا الأنشطة التي نوجد بها، ماذا يعني أن نختبر الألم؟، يعني في الأساس أن حكمنا فيما نمر به هو شعور بالألم، تصنيفنا لنوع الخبرة التي نمر بها، يقاس على وضعنا في العالم، كيف ننغمس في هذا الكل المهول من الأشياء والحركات، شكل الحياة هو ما يرسم حدود خبرتنا، أن نوجد في شكل حياة معين هو أن نطبع بطريقة ما حكماً مشتركاً نتعامل به مع العالم، أرض واحدة نقف عليها جميعًا.

“إن الصادق والكاذب هو ما يقوله الناس وهم يتفقون عليه في اللغة التي يستخدمونها، هذا ليس إتفاق في الآراء إنما في صور الحياة”

“إذا كانت اللغة وسيلة اتصال، فلابد من وجود اتفاق لا في التعريفات فقط، ولكن (وذلك يبدو غريباً) في الأحكام أيضاً”

يستدعي هذا الحديث صورة عن العالم قد تكون خاطئة، أي أن العالم هو مجموع العقول الموجودة به، ما يحدد شكل العالم هو القدرة العقلية الجمعية، وهذا يوحي بالقدرة على رد صورة الحياة لما يكونها، بالقدرة على تحليلها لعناصرها الأولية، لو فُهِمت ميكانزيمات الدماغ يمكن فهم الصور العديدة التي يوجد بها المرء في العالم، المشكلة في هذه الصورة هي ضيق الأفق فيما يخص تشعب صور الحياة.

كيف يمكن للمرء أن يفهم صور الحياة؟ كيف يمكن للمرء أن يفهم نشاطاً ما؟ نجد هنا عدة تشعبات، هل تكون هذه الممارسة التي تُنعت بالفهم هي الشيء نفسه داخل حقول مختلفة؟ عند تعلم استخدام برنامج جديد، متى يمكننا الحكم بأن المتدرب فهم البرنامج؟، يتم ذلك بالمقارنة مع النشاط العام الموجود فيه المتعلم والبرنامج. للحكم أن شخصاً ما فهم البرنامج علينا أن نحكم على الاستخدام داخل الحقل والنتيجة النهائية، اللوحة التي ينتجها المتدرب وكيف تتوافق مع القواعد العامة للنشاط، ولكن، هل يتساوى هذا النوع من الفهم مع آخر مثل فهم كتاب عن تاريخ الأدب؟ هل يتساوى ذلك مع فيزيائي يحاول فهم ظاهرة طبيعية ما؟ هل يمكن الحكم على الحالات السابقة بالفهم بنفس الطريقة؟

لو أن الفهم هو القدرة على الإمساك بصورة حياة معينة، القدرة على المشاركة في لعبة لغوية ما، كيف يمكن لهذا النشاط التي تحدده الكلمة أن يتم الاشارة إليه عبر هذه الأنشطة كشيء واحد، كنفس نوع الفاعلية؟ هل فعلا هذه الفاعلية هي شيء واحد، يمكن ردها مثلا لنشاط أجزاء معينة من الدماغ؟ لقدرة على التحليل؟ الأمر أوسع من ذلك، وما يبدو أنه الفاعلية المستخدمة في محاولة فهم ظاهرة جديدة تحتاج لقدرة على استخدام الرياضيات لنمذجة الظاهرة، بينما القدرة على فهم كتابٍ عن تاريخ الأدب هو استخدام لحاسة تذوق اللغة والاستعارات وتقدير العناصر الجمالية وتطور أشكالها عبر التاريخ، بينما استخدام برنامج مثلا يميل ناحية استخدام القدرة على فهم الخطوط ثنائية الأبعاد كتمثيل لأشياء ثلاثية الأبعاد، نلاحظ أننا أمام بناءات مختلفة من الاستعارات، أنظمة مختلفة من الحقيقة، ولا شيء يغريني والركاب أخوتي سوى الروابط التعسفية، ومحاولاتنا المستميتة لاختزال العالم ووضعه في قبضة يدنا.

وكما لا يوجد جوهر واحد يجمع الفاعليات بالأعلى تحت مسمى واحد، الألم أو الفهم، لا يوجد أيضاً فصل قاطع بينها، ما الذي تتشاركه هذه الفاعلية مع جميع ما سبق؟ هل القول ان ما تعنيه هو القدرة على اتباع قواعد اللعبة اللغوية أو الوجود في وضع غير مريح في حالة الألم كافٍ لتحديد هذه الفاعلية؟، هل الألعاب اللغوية تتساوى فيما بينها؟

نوجد – بمعجزة إلهية ما – في العالم، ومن ثم ننخرط فيه، بشكل أو بآخر، تنحتنا الحياة والخلايا في أجسادنا – مجاز رخيص وكأننا مفصولين عنها- ضد الخلفية الضخمة من الفاعليات في العالم، تطايرنا كحبوب اللقاح بين نخيل الوجود. لقد تدربنا على الأسئلة في سبيل أجوبة محددة، في نشاطات بعينها، ولكننا، وبمعجزة إلهية أخرى، نمد الخط لأبعد من استقامته، نساوي بين الأشياء، بسطحية فجة، ننعت فاعلية ما برسمة وصوت، فاعلية هي نتاج تاريخنا الطبيعي على الأرض، في هذا الحيز من الوجود، ومن ثم نمارس التعميم الذي يكون في غير محله. ماذا يعني أن يتألم الإنسان، ماذا تعني أن تتحرك الخلايا العصبية بهذا القدر؟ كل شيء يُردُّ إلى الفيزياء، منها وإليها نعود، ولا شيء أبعد من ذلك، غير أن كل شيء هو أبعد من ذلك، هل يراودك الشك، ابدأ بالوصف ومن ثم قارن. لا شيء يساوي أي شيء، كل الأمور تتصل عند نقطة وتنفصل عند أخرى، وبين هذا وذاك تتفتح الزهور على خلايا النحل، ويتشارك محرك الميكروباص والعشب المتطاير الهواء نفسه.

والرغبة الملحة في الوصول لأصل الأشياء، الدافع الغريزي الذي لا يهدأ بضم العالم في نقطة متناهية الصغر ولا نهائية الكثافة، لكن أين خط النهاية؟ على التشعبات أن تنتهي في نقطة ما، وهي على ما يبدو رحلة طويلة من أجل التخلي عن ما بدأنا به، كل خطوة في الطريق تمحي سابقتها، تكشف خدعة الطريق المؤدي للحقيقة ذاتها. أين الصورة الأصلية؟ لا توجد صورة أصلية، فقط مسودات عديدة تخطط العالم، حلقات وحلقات من التعديلات بلا مصدر أصلي يمكن الرجوع إليه.

ما الغرض من كل هذا إذن،  ما الغرض من السؤال عن جوهر الأشياء، وصعود الجبل والنظر عبر السحب، ما الغرض من الفيزياء والتلسكوبات وصور الكواكب الدوارة؟

الطفو فوق العشب

تقرأ قصيدة. تشاهد فيلماً. تسير في الشوارع مستمعا للموسيقى، ومن ثم تشعر بشيء، ما الذي يوجد في هذه الخبرات، وهل يمكن ضمها تحت مسمى واحد؟

في الظلام، في الصحراء، والقمر في منتصف السماء، يضيء الرمال بالقدر الكافي، فقط بالقدر الكافي، تنظر للاتساع العظيم أمامك، وانت تعلم جيداً أنها مجرد رمال وقمر ونجوم، ما الذي يدعو للدهشة؟ ما الذي يدفع للشعور بالامتلاء؟

نفس السؤال مجدداً، تشاهد السماء الزرقاء، فتقول مندهشا، يا لزرقة السماء، هل هناك غرض من هذا التعجب؟

ما الذي يحدث في بداية اختبار الأشياء ونهايتها، تنظر للعالم، للشجرة في منتصف الوجود، فتمتلئ بشيء ما، تنغمر في الألوان والأصوات، تدرك أن تلك شجرة وذلك عشب، أن هذه سماء وهذا طين، ولكن ما قبل هذا الإدراك، ما الذي يوجد؟

نتشارك في الحياة، ينظر أحدنا للآخر فتشتعل ميكانيزمات إدراك الوجوه في المخ، ونعلم فقط نعلم، بلا أي داعٍ للمزيد من التحقق، أننا نتشارك الحياة، نستجيب للعالم الخارجي بنفس أنماط السلوك، كأن نتأمل زرقة السماء للمرة الألف ونندهش، ولربما قلنا بتعجب وبصوت عالٍ، كل منا على حدة، يا لزرقة السماء، نتشارك في النظر، إذا رأينا طائراً ينبت له بدلاً من الريش فرواً، فنعبر عن تعجبنا بتعجبٍ ليس كسابقه. هل يشير التعجب في كلتا الحالتين لشعورين مختلفين؟ كيف يمكننا أن نحكم، كيف يمكن أن نقارن بين شعورين لهما ذات الاسم؟ تجرح يدك بينما تقوم بتقطيع الطماطم، تتألم، ومن ثم تضع على الجرح قطعة ثلج، تتألم. أين خبرة الألم في كلا الحالتين؟

تنظر للداخل بغرض الاختبار، تجرح نفسك وتنتظر، يسيل الدم بجانبك ولا تأبه، تمعن التركيز حتى أنك تغمض عينيك، تتعقب ما يحدث، وبجانبك مسجل ينتظر أن تدلي بتقريرك، تعطي تقارير عن الحدة، هذا الألم أشد، وكأن اليد تصرخ صرخات مدوية، بينما الآخر كالأنين المستمر لعجوز في منتصف الليل، وعن المدة، والتردد، والتأثيرات الجانبية، ولكن، ما يتبقى في النهاية هو الاشارة لاحساسات آخرى، هذا يفتح تساؤل آخر، من أين نكتسب معرفة باستخدام كلمات مثل حدة ومدة وتردد في البداية، تمثلات للعالم الخارجي نعممها، ام احداث داخلية نغزو بها العالم الخارجي؟

نرى البشر على الطرقات، والسيارات بجوارهم، بينما نستمع لموسيقى حزينة، ونشعر بالتناغم، ما الذي يوجد في العالم هنا، وما الذي نضيفه إليه؟، وما الذي يحتوي عليه هذا الشعور؟ حسنًا، اجرح نفسك وانتظر، تأمل الوضع، شيء ما يعلو ويهبط، يمتليء اصبعك ومن ثم يتفرغ، ولكن خلف هذا التحليل، خلف محاولات رد ما يحدث لمفاهيم أكثر عمومية، الشدة: وجود عدد أكبر من الوحدات داخل نفس الحيز، المدة: معيار التغير الخارجي، التردد، : العودة لنفس المكان مرارًأ، هناك شيء آخر لا تستطيع الاقرار به، ما الذي يعنيه أنه تكون هذا الكل العظيم من الخلايا والوصلات بينها، لا تستطيع الهروب من ذلك.

بمعجزة ما، توجد في العالم، وبمعجزة أخرى، تتساءل عن مكانك داخله، تنفصل عنه بغرض التقسيم، بغرض تكوين موقف منه، ما الذي تفقده في هذه الرحلة الذهنية يا ترى؟

تتساءل عن طبيعة الألم، ومعيار الألم، وما هذا الشيء الموجود كالفيل في الغرفة ومع ذلك لا تستطيع الاشارة له، يهرب من كلماتك المنمقة والمبعثرة، وتصاب باليأس أو الانكار، أو،  تختار التخلى عن أسئلتك، وتطير، مستسلمًا تمامًا، فوق العشب.

حدود العالم ولا نهائيته

من نافذة الميكروباص نرى البشر على الطرقات، والسيارات بجوارهم، بينما نستمع لموسيقى حزينة، ونشعر بالتناغم، ما الذي يوجد في العالم هنا، وما الذي نضيفه إليه؟، وما الذي يحتوي عليه هذا الشعور؟

في البدء نوجد في العالم، هذه هي البداية، يغمرنا كل شيء، البيئة الكيميائية والبيولوجية، ولنا حدود، جلد يغلفنا، وعينان في مقدمة رأسنا، تخيل نفسك طفل، يخرج للعالم للتو، هل تستطيع فعل ذلك؟ لا أظن، أستمع للعجوز المعلق بالخلف، ما الذي يحتويه فعل التخيل؟، ماذا يعني أن تقوم بنشاط كهذا؟ أن تكون قادر على الامساك باللعبة اللغوية المرتبطة بهذا الفعل، تخيل نفسك أمام البحر، تخيل أنك تسمع أمواجه، تخيل نفسك شخص آخر، ولدت لأبوين مختلفين، أن تتخيل شيء هو أن تلبس نفسك ظروف آخرى تقدر على تحديدها، وضع مختلف يوجد في طريقة للوجود، ولكن، لماذا من الصعب تخيل نفسك طفل يرى العالم للتو؟

أن توجد هو أن توجد في العالم، ولا يمكن الهروب من ذلك.

تفتح عينيك على صفوف من النخيل تتمايلها الرياح، وحركة السحب في مقدمة السماء، وزرقة تملء العينان، وتتعجب، يالزرقة السماء! ما الذي يعنيه هذا التعجب؟، تستمع للأطلال،، لفيض الأصوات المتناغمة بعد ” وإلاما الأسر والدنيا لدي”، يقشعر جلدك ويدور الدمع حول مقلتيك، تجلس في قاعة السينما، وحيدا في المقدمة، تستاء من أصوات الهمسات في الخلف البعيد، وتعرض الصور فتنتبه، يد وعينان ومشي متمهل، والسيارات تتهادى في الخلفية، شيء ما يتمكن منك، تتناسى الأصوات في الخلف، وحنقك على العالم، وأسئلتك المستمرة عن معنى وجودك داخله، وعن ما الذي يجب أن تفعله غدا، ومصيرك إذا قامت الحرب.

. العالم، هذا الكل العظيم الممتد أمام عينيك، توجد داخله، في طرائق للوجود، أن توجد هو أن توجد من خلال تلك الطرائق، في ألعاب لغوية عديدة، تتعلم قواعدها وتحتكم لها، ولكن كيف يوجد الطفل الخارج للتو للعالم، حسنا، لا يمكننا تخيل ذلك، ولكن، ربما، يمكننا اختباره، فقط انظر للسماء، للنخيل المهتز في مجال البصر، للممثلين الراكضين في شاشة السينما حول حفنة من الضوء، لا تستحضر اللغة واستسلم، للطفو فوق العشب.

ما الذي يوجد في الداخل؟، يخبرنا فتجنشتاين أن هذا السؤال لا معنى له، انه ليس شيء ولكن ليس لاشيء أيضًا، ما الفارق بين الشيء واللا شيء إذا لم نستطع الحديث عن هذا الشيء؟

تشعر بالألم فتنظر لأخيك الجالس بجانبك، تخبره، هناك ألم يتصاعد في صدري، معدتي تشد علي، فيهون عليك، يعطيك بضع أقراص الدواء، وترى نظرة تفهم في عينيه، أنه يصدقك، أن ما تمر به يعلمه جيدًا.

تنظر للسماء الواسعة، تشعر بشيء ما، تنظر لصديقك الواقف بجانبك، وينظر لك هو الآخر، وتقولاها في نفس واحد، بلا أي ترتيب مسبق، يا لا زرقة السماء!

اللغة، تلك الرئة الملوثة، كيف يمكن الهروب منها، كيف يمكن الهروب من التنفس، لا تملك سواها وليس فيها ما يسعفك، تلتقط منها ما تعلمت تحديده، ماذا يبقى لنا بعدها، ماذا يبقى لنا لو نحينا جانبًا كل ظواهر الألم، موضع الألم، المدة، الأسباب التي ربما أدت إليه، طرق التغلب عليه، هل يتبقى شيء من الألم؟ هذا كلام لا معنى له.

لا حدث يوجد في الداخل، ولكن هناك داخل، أنت في النهاية تشعر، تنغمر، يمكنك الحديث عن عديد من الأشياء بخصوص هذه الخبرة، ولكن يتبقى شيء يعنيه أن تكون من يمر بهذه الخبرة، هناك شيء يعنيه أن تكون هذا الكل العظيم من الخلايا ولا يمكن رصده من خلال منظور الشخص الثالث، لا يمكن أن يوجد في جنة الموضوعية.

أن تتحدث هو أن تتحدث عن العالم، عن وجودنا به، وفي العالم، وكيف نوجد به، أن نتحدث هو أن تشارك في شكل للحياة، أن نمشي في مدن اللغة ونسكن بيوتها، ولكن، أن نوجد في العالم لهو أمر أكثر اتساعا لدرجة العماء.

خاتمة

تقرأ معلقة طرفة بن العبد وتستوقفك هذه الأبيات البديعة، تتساءل، ما الذي يحمله إليك كلام قاله فتى من مئات السنين يُحدث في نفسي ما يحدث؟

يصل الميكروباص بنا إلى أرض “كلية الزراعة”، روائح وازدحام مبالغ فيه، ويخرج صوت من سماعة الأذن متجها لمكان ما ينتمي إليك، يبالغ في تقدير الأمور، يتجاهل الروائع والزحام، وتحتار، وتشعر أنك على شفا عالمين، وتتساءل، وتحتقر هذه القدرة على التساؤل، ولكنك لا تستطيع إيقافها، ماذا بعد؟ أي نوع من الحديث هذا؟ تسمع أبيات طرفة بن العبد، وتستمر.

أي حديث هذا؟ وكأنه يلوي عنق اللغة العادية، اللغة المتجهة نحو موضع ما، وكأنه يريد الإخبار بشيء ما أبعد منها، هذا الاستخدام المكثف للاستعارة، لكسر جيش الاستعارات المتناسق -شكلاً على الأقل- بكل هذه القذائف من الروابط غير المحسوبة بين الحالات والأشياء، وخلف هذه القوة الغاشمة للتخريب توجد قوة أخرى لربما أعظم، هذا التنظيم للأصوات بجانب بعضها البعض، الوزن والقافية والنغم الداخلي وحسن اختيار الكلمات، مستوى أعمق من التأثر، أكثر بدائية، أكثر طبيعية، يشدك لأسفل، بعيدًا عن التجريد، هنا، على الأغلب، لا مكان للغة المتجهات.

تخيل نفسك شاعراً، تشعر بشيء ما فتعبّر عنه بقصيدة، ما الذي يعنيه أن تمر بكل هذه التجارب، أن يختبر هذا الكل النابض من الخلايا العالم! امسك قلمك وأشر، ربما يمكنك ضم مجموعات من الأحداث داخل قالب واحد من الاستجابة. ترى عملاً فنياً فتشعر بشيء ما، لكن، أين هذا الشعور، حاول أن تحدده؛ يا صاحبي ليس هكذا تجري الأمور، ولكن، بشرى سارة، ربما، يمكنك خداع اللغة، يمكنك لي عنقها، المرور بالحد الأدنى من القواعد، بالحد الأقصى من تحدي هذه الأخيرة، فالأكثر بدائية هم الأكثر عنفًا، تلوي عنق أشكال الحياة التي توجد بها، وتحاول الخروج للهامش.

يمكن الامساك بطرف من الحقيقة في النهاية، بظل منها على الأقل، حتما خلف كل تلك الجيوش من الاستعارات هناك شيء ما في الخلف، نقاط ضوء تنير الوجود، ندرك من خلالها وضعنا في العالم – الهامش، هناك حيث نتخلى عن أنفسنا تماماً، وننغمس في العشب أو نطفو فوقه، بلا ذات تضعنا في المركز. تلك اللحظات الاستثنائية في ممارسة العلم الطبيعي، تلك الأنشطة التجريدية التي نتخلى عن أنفسنا فيها تماماً. ننفصل عن مكاننا في العالم لنراه بأوسع ما يمكن لنا، وتلك اللحظات الاستثنائية في التعبد في فقدان الذات في الصلاة، في الاستسلام التام للألوان في لوحة، والإحساس بأننا جزء من هذا العالم، تتردد خلايانا بنفس تردده، وبين هذين الموقفين المتضادين يوجد سحر الفن، القدرة على الانفصال والانغماس في ذات اللحظة. هنا، هنا فقط، يمكننا التواجد على حدود اللغة، أن نلقي نظرة لما هو أبعد، وأن نتخلى عن أنفسنا في سبيل تلك المواجهة المرعبة، مع الذي لا يمكن الافصاح عنه.

—————————

*كتب هذا النص في الأساس كخواطر حول كتاب بحوث فلسفية لفتجنشتاين وكتاب ماري ماكجين Wittgenstein’s philosophical investigations

****

خاص بأوكسجين


كاتب من مصر