نعم أريد أن أكتب عن ملحمة كريستوفر نولان “الأوديسة” The Odyssey، ولا أريد في الوقت نفسه! الأمر ليس أحجية ولا شيء من هذا القبيل، بل هو أمر طبيعي ومتكرر حين أجدني حيال فيلم يحمل إضافة أو انعطافة، وتتراءى لي الكتابة عنه مغالبة لرغبتي في الاكتفاء بعبارة واحدة أخاطب فيها القارئ: اذهب وشاهد الفيلم. ومع نولان الأمر يتخطى ذلك إلى القول: اذهب إلى السينما وشاهده IMAX، طالما أنه أول فيلم يصور كاملاً بهذه التقنية.
ولكي أمنع نفسي من الخوض تفصيلاً في صنيع نولان في هذا الفيلم، فلي أن أجد ضالتي في القول: إنه فيلم مقتصر على الكاميرا، وما من أداة أخرى تنازعها أو تساعدها في تذليل الصعاب، لا شاشة خضراء تحوّل الممثل إلى بهلول يصارع الفراغ، ولا توليد لمشاهد على الكمبيوتر، وكل ما نشاهده مجسد ومصوّر بكاميرا الـ IMAX وصخبها “الأشبه بمنشار كهربائي”: القوارب والوحوش والعمالقة، وصولاً إلى تحويل المونتاج الرقمي للفيلم إلى مرجع للمونتاج اليدوي الذي قام به رون خواريز، ولم يستعمل حتى “المافيولا” طالما أن هذه الأخيرة كانت مناسبة لأفلام الـ 35 ملم، ولها أن تؤذي شريط الـ 65 ملم الذي صُوِّر به الفيلم.
اعتبروا ما تقدّم مروراً عابراً وغيضاً من فيض صنيع نولان في فيلمه، وثمة تفاصيل كثيرة مدهشة ليس لأنها إضافات بل لأنها أيضاً استعادات لتقنيات وآليات باتت مفتقدة حالياً في السينما، بمعنى أن نولان مضى في هذا الفن قدماً وعاد إلى منابعه في آن معاً، معيداً للكاميرا سطوتها وقدرتها وإمكانياتها المهجورة في تقديم شتى الخدع في عصر “الذكاء الاصطناعي”، فالسينما وقبلها الفوتوغراف هما أول وسيطين فنيين قائمين على آلة أو جهاز وبالتالي فإن السينما منفتحة دائماً على التقنيات، ومع الوسيط التلفزيوني ومن ثم شتى صنوف الشاشات لم تعد السينما سينما بما يجعلها على مقربة من الانقراض، فالسينما ليست فيلماً فقط، ليست ما نشاهده على شاشة هاتف، السينما تحدث في صالة العرض، في العتمة، السينما تذهب إليها ولا تجيء إليك، وللفيلم والمشاهدين أن يقبلوا شروط العرض في العتمة والتماهي مع الشاشة، وهذا كله يتراجع وينحسر، ولفيلم نولان هذا أن يحييه.
وبما أنني أعود إلى أصول السينما، فمن إحدى تعريفات الفيلم هو أنه سرد الحكاية بواسطة الصورة، ولعلي طيلة مشاهدة “الأوديسة” لم أولِ الحوار كثيراً من الاهتمام، بل كنت مأخوذاً بالصورة تماماً، وكيف يسرد نولان الحكاية بالصورة، وهو يبني على ثيمات تتمحور حول حصان طروادة أي ما حصل قبل رحلة عودة أوديسيوس (مات ديمون)؛ ورود اللوتس التي تلقمه إياها كاليبسو (تشارليز ثيرون) فتجعله بطلاً بلا ذاكرة، ومع توقفه عن التهام تلك الورود تعود الذاكرة ويتقدم السرد الاستعادي، وبينلوبي (آن هاثاواي) وتليماخوس (توم هولاند) الزوجة والابن، الأولى ونولها وانتظارها لزوجها، والثاني وبحثه عن أبيه، والحصار المضروب حولهما من قبل خُطّاب بينلوبي.
وبناء على ذلك تشكّل “العودة إلى الوطن” (أي جوهر أوديسة هوميروس) الكلمة المفتاحية للسيناريو الذي كتبه نولان: الحصان مغروز في رمال الشاطئ وليس على عجلات يدخل بواسطتها إلى طروادة، إيذاناً بالعودة بعد المجزرة والمحرقة التي تحل بتلك المدينة جراء خدعة أوديسيوس؛ ومن ثم الرحلة المستعادة مع استرجاع ذاكرته المتقطع للأهوال التي جابهها والمقتلة التي تحل برجاله تباعاً، وحين تكتمل ملامح رحلته، يعود ويقتّل كلّ خطّاب بينلوبي. وهي جميعاً تمضي جنباً إلى جنب وصولاً إلى النهاية.
أفلام كثيرة اقتبست “الأوديسة” ليس لي أن أتذكّر منها سوى آخر ما شاهدته أي فيلم “العودة” (2024) للمخرج الإيطالي أوبرتو بازوليني، حينما لعبت جوليت بينوش دور بينلوبي وجسد رالف فينيس أوديسيوس، وحين كتبتُ عنه وهو يكتفي بالجزء المتعلق بعودة أوديسيوس إلى إيثاكا، استحضرت قصيدة كفافيس “إيثاكا” وقصيدة يانيس ريتسوس “يأس بينلوبي”، متخذاً منهما معبراً للتغنّي بـ “الأوديسة” وما تتيحه من تنويعات في المعالجة والمقاربة، فكما في القصيدتين يمكن لكل مقاربة سينمائية أن تجد جزءاً منها صالحاً لسرده بصرياً، كما يمكن البناء عليها في ما هو متعلق بالعودة إلى الوطن، وهذا مما لم يتحه نولان، فهو يقدّم مقترحه السردي البصري لتلك الملحمة الخالدة، فينقض عليها وينقلها من الورق وربما الرُّقم ويخلّدها بصرياً وفقاً لرؤيته كما لمخرج كبير أن يفعل، وبالتالي لأوديسيوس أن يتبدّى كما لنولان أن يراه بطلاً حكيماً أو أخرق أو مستهتراً، فمقالي هذا منحاز للسينما في فيلمه وغير معني نهائياً بكل الهراء الذي يتناول الفيلم بعيداً عن أي معرفة بهذا الفن، وما كتبته هنا هو جزء يسير جداً مما يمكنني تناوله مثل المشهد المرعب والمدهش لتحويل الساحرة سيرسي لجنود أديسيوس إلى خنازير، وصولاً إلى غياب الآلهة عدا أثينا والكثير الكثير من المقاربات المتصلة بـ “الأوديسة” كما قرأتها أكثر من مرة، إلا أنني تجاهلت هذا وأكثر، متمنياً لقارئ مقالي هذا ألا يقرأه وأن يشاهد الفيلم إن كان عاشقاً حقيقياً للسينما، فهذا أجدى وأجمل وأبقى.
****
خاص بأوكسجين

