من يأخذك يا عبد الحي؟
من يعبر بك؟
من يقطف الثمار في هذه الصحراء المترامية؟
تقول:
“عبوري وشيك”
لكن إلى أين؟ بالله عليك إلى أين يا عبد الحي!
وأنت لم تفارق دكانك لأكثر من ربع قرن. أنت ودكانك والرمل والبحر!
تقول:
“لم أستقر بعد! ولي أن أعود يوماً إلى وطني!”
أي كذبة هذه! وأي وطن هذا ولا شيء فيه سوى رائحة تتبدل مع الفصول ولا يتنشقها سواك، وسهول مترامية، وخضرة بهية، لكنها أصقاع منذورة للبؤس، أصقاع مأهولة بالفاقة والعوز، والوحوش تسرح وتمرح في رباه، ولا تساوي فيه ثمن رصاصة!
دع عنك الشاطئ والرمال الملتهبة! دع عنك خبزك كفافك، وانتظر الثلج! امض إلى الصقيع، واترك لدرجة الحرارة أن تنزل تحت الصفر بكثير.
“سأفعل يا صديقي، سأجرب الدرك الأسفل من جهنم الصقيع بدلاً عن الدرك الأسفل من جهنم السعير، وسأنجو هنا وهناك… ألا اللعنة!”
ولمَ “اللعنة” يا عبد الحي، يا عبد من جعل من الماء كل شيء حي؟
“لعنتي في نجاتي، ونجاتي في لعنتي، ولن يفتقدني سوى الشاطئ برماله الملتهبة، ولن تستقبلني سوى صحراء الجليد المترامي”.

