الخلاص فعلٌ سهل
العدد 299 | 18 آب 2025
مهدي محسن


بيت الرمال و البحر

أشتهي نومةَ السطحِ في المزرعةِ لمرةٍ أخيرة

أشتهي الضحكَ حدَّ الدموعِ

للمرةِ الأخيرة

أشتهي أن أموتَ من الضحكِ فعلًا

أشتهي أن أصنعَ فيلماً لا منتهياً عن حياةِ آخر أحفادي

أشتهي رؤيةَ أولِ أسلافي وآخرِ أحفادي

أشتهي الاستماعَ إلى شريطِ أمَّي الضائع وهي تناغيني وأناغيها

أشتهي النخلة المقطوعةَ في بيتِ جدّي ورائحةِ الصباحِ هناك

أشتهي أن أنامَ وأبكي في سريرِ غيبوبةِ جدّتي

أن أدخُلَ رأسَها وأرَى رؤاها

أن أستمعَ إلى حكاياتِها لمرةٍ أخيرةٍ

أشتهي أن أعيدَ أطفالي إلى بطنِ أمّهم لأن الحياةَ مؤلمةٌ

وأن أرى كيفَ ستكونُ نهايةُ العالم

أشتهي أن أعتذرَ للحشراتِ التي دهستُها متعمداً أو غيرَ متعمّد

أشتهي أن أعتذرَ للقططِ التي أفزعتُها

للنباتاتِ التي دهستُ وللحيواناتِ التي ذُبحتْ من أجلي

أشتهي أن أعاقبَ مذيعَ الأخبار بقراءةِ الشّعر

أن أتسلّمَ الرسائلَ التي لم يتسلّمْها أحد

أن أوقفَ الحروبَ وأرسلَ الجنودَ إلى الحقولِ أو إلى أحضان زوجاتِهم

 

أشتهي أن يعودَ بيتُ الرمال الذي

بنيتُهُ على البحر

أن أستعيدَ دفاتر الأطفالِ

من تحت الأنقاض أن أكونَ

الشبحَ اللطيف

مع الأطفالِ الغرقَى

الذي يُسلّيهم تحتَ

الأنقاض أو يُهدّئ من روعِهم

على الأقلّ

 

أشتهي

ألّا أفكّرَ في شيءٍ

ولا أقولَ شيئاً

ولا أكتبَهُ وأموتَ صامتاً

وأمحوَ ما كتبتُه

فلا أقدر

وأموت حسرةً

لأنه يؤلمُني القولُ مثلما

يؤلمُني الصمت.

 

تحولات

مَن يزرعِ الشجرةَ سيقتلعْها

من يحتضنُ اليتيمَ هو قاتلُ أمه

من يحتضنُ الأرملةَ هو قاتلُ رجْلِها

الآلاتُ تصبحُ آلهةً

البشرُ يصبحونَ رصاصاتٍ

الأشجارُ تتحولُ إلى حصَىً

الحصى يتحوّلُ إلى بحارٍ

البحارُ تتحولُ إلى جبالٍ

الجبالُ تتحولُ إلى سماءٍ

السماءُ تتحولُ إلى أرضٍ

الأرضُ لا تفهمُ ما يحصلُ

الأرضُ لا تعرفُ إلى ماذا يجبُ أن تتحوّل، فتخاف

عندما تخافُ الأرضُ

تسألُ السماءَ أن تمطرَ

فتمطر السماءُ

المطرُ يتحوّلُ إلى جثثٍ

مطرٌ من الجثثِ يصعدُ

مطرٌ ينهمرُ مع الجثثِ التي تنهمرُ

جثثٌ تصعدُ

جثثٌ تنزلُ

لعبةُ سماءٍ وأرضٍ

لعبةُ أسيادٍ وعبيدٍ.

 

مالنخوليا

ظلالُنا تمشي وأقدامُنا ثابتة

في الماء الذي يتنفّسُ.

 

ماءٌ لزجٌ وبعيد،

أقدامُنا تتطاولُ

في ماءٍ ثقيل،

ننامُ في سوادهِ

ونطفو.

 

نتحرّكُ في حوضِ أسماكٍ

خياليّ،

نصطدمُ ببعضِنا

كالأسماكِ الميْتة،

عيونُنا تنفقئُ

لوحدِها.

 

ننسَى عيونَنا لزجةً

على ما نراه

وننسَى آذانَنا

على الأشياء.

 

نُزيلُ أحاسيسَنا بالتفكير

نُزيلُ بالتفكيرِ شعرَنا ومشاعرَنا،

نُزيلُ الجلودَ الزائدةَ،

والصداعَ

بالتحديقِ الطويلِ

بينما نوجّهُ

كهرباءَ أدمغتنا،

ناحيةَ الليل

لتضيءَ الجبالَ والصحاري.

 

تضيء الطريقَ

للزواحفِ

وخيامَ البدوِ،

والمحيطات للقراصنة،

تضيء عزلةَ الكائناتِ

الفضائيةِ

والصخورَ.

 

البرقُ

أعصابُنا الجائعة.

 

تسقطُ أيدينا

من التعبِ

وألسنتُنا لا تتحرّكُ،

تقفُ منتصفَ الجُملِ

ومنتصفَ الضحك.

 

نقفُ مشدوهينَ

منتصفَ الدرَجِ

والشارعِ

والغرفِ،

وأمام لافتاتِ الخروج

والحيرةِ في إغلاق الأبوابِ

أو تركِها،

ننظرُ إلى الفراغ بعمقٍ

كأنّما سنخترقهُ

بنظراتِنا.

 

ونزعلُ

عندما يقطعونَ تخشّبَنا

وسكينتَنا،

نزعلُ بسببٍ أو بدونهِ

نحبُّ أن نزعلَ كي نصمتَ

كي تسكتَ الأصواتُ

كي لا نتنفسَ

كي لا يتحطمَ شيء.

 

سيتحطّمُ شيءٌ ما

لو تكلّمْنا.

 

يُقال

إنّنا سيِّئون،

نضعُ العلْكةَ

على مقعدِ الباص،

نرمي بالوناتِ الماء

من النوافذِ

على المارّة.

 

نجلسُ خلفَ النوافذ

أيّاماً،

تتَيبّسُ ظهورُنا ولا نتحركُ،

تتشنّجُ رقابُنا

يتعفنُ التفّاحُ في أيدينا

ولا نأكلُه.

 

يقولون

إنّنا لا نحسبُ حساباً

لأيّ شيء.

 

ضمائرُنا ميّتةٌ

وألسنتُنا قذرة.

 

نقولُ ولا نفعلُ

نفكّرُ ولا نقولُ.

 

نخلعُ ونرتدي لساعاتٍ

ونخرجُ عراةً

أو مُهلْهلين.

 

ليس لأننا نتعبُ

بل لأننا لا نريدُ،

ولا نعرفُ

أو نفهم.

 

فصُّ الدماغ يشتعلُ،

تضيئه كرةٌ غريبة

تكبرُ وتصغر

وتدورُ ببطء.

 

أقربُ ما نكونُ

للرخوياتِ،

أجناسٌ

غيرُ

مصنّفةٍ،

بين الزئبقِ والرملِ والمطاط.

 

رؤوسُنا ممتلئةٌ

بالزئبقِ

يضغطُ على عيوننا

فلا تنعدمُ الرؤية

بل تضعفُ.

 

أرواحُنا

ساعاتٌ رمليةٌ

تسقطُ مراتٍ

إلى الأسفلِ

ومراتٍ إلى الأعلى.

 

يقولون إنّنا هكذا

ولا نعلمُ.

يقالُ إنّ لنا ضحكاتٍ

رنانةً أحياناً،

وإنّنا

نمسكُ برؤوسِنا ونبكي

في أحيانٍ أُخر.

 

لدينا مصفوفاتٌ

من أقراصِ الأدويةِ

نلعبُ بها، نرتّبُها

بأشكالٍ فنيةٍ

ونفكّرُ في ابتلاعِها كاملةً للخلاص،

الخلاصُ

فعلٌ سهلٌ لدينا،

ينطفئ الضميرُ فجأةً

ولا نتألمُ

ولا نشعرُ بشيء،

تثقلنا الأدويةُ جداً

تشعرُنا بالخدَرِ الكاملِ

تُثقِلُ الرأسَ والأعضاءَ

كلُّ حركةٍ عبءٌ

كلُّ مغادرةٍ للسرير

مجازفةٌ،

تضعُنا الأدويةُ

في السريرِ بدلَ الأمهات،

الأدوية أمهاتُنا الحزيناتُ

يُنِمْنَنا لأيام في الأسرّةِ

لننظرَ في السقفِ

ولا نتحدثُ.

 

نحدّقُ فقط

نحدّقُ كثيراً،

نراقبُ النملَ ساعاتٍ

نلعبُ معه

ونوجهُه

بأنفاسِنا.

 

نجمّدُ اللحظاتِ

ويجمّدُنا التحديق.

 

نكرهُ صالاتِ الانتظارِ

والأطباءَ،

نكرهُ ثرثرتَهم

وعيونَهم الحربائيّة

ورائحةَ المطهّراتِ

في الممراتِ

ونكرهُ البرودةَ التي هناك.

 

يُقال إنّهم

يجدونَنا نمشي عند حافةِ كلّ شيءٍ.

 

حافةِ الأسطحِ

حافةِ الأفكار القاسيةِ

حافةِ العلاقات.

 

نحبُّ بعُنف

نكرهُ بعُنف.

 

هل هذا نحن!؟

 

لا ونعَم

نعَم ولا،

هذا ما يرونَه.

 

نحن القططُ

نطلبُ الدفءَ في السيارات،

ونحن المراوحُ التي تجرحُهم

فيخرجونَ سعداءَ ومرعوبين.

 

نحن

مَن يقطعون الشوارعَ دون التفاتٍ

ومَن يفيضُ ماءُ المغطس من حولهم

ولا يشعرون.

 

من يمشونَ منتصفَ الليل

في البيتِ دون هدى.

 

أرواحُ الأسلافِ المعذبةُ نحن،

والتماثيلُ

غير المُكتَشفةِ

اللا مفهومة.

 

نحنُ الفزّاعاتُ

في الأحلام

والخفافيشُ العملاقةُ

في المباني المهجورة.

 

نصحو منتصفَ الليل

نحدّقُ لساعاتٍ طويلةٍ في الثلاجات

نعودُ بنصفِ ليمونة

ننامُ وهي في الفم!

 

نستعيدُ أثداءَ الأمهات

بالليمونِ والشموعِ في رؤوسِنا.

 

نقُصّ شعرَنا كلما اختلَّ المزاجُ

نمرّر الشفراتِ على اللسان

والذراع،

-يا للدّم الضئيلِ-

ونكتبُ به على المرآةِ،

نرسم به حيواناتِ

رؤوسِنا القلقة.

 

يجدوننا

نمشي حفاةً

دون وجهةٍ في الشوارع

يجدوننا ذاهبينَ ناحيةَ المجهول،

ناحية الأبوابِ غيرِ الموجودة

ناحية الضوءِ في آخر النفق.

 

لا نجدهُ فنعود خائبين.

 

سرابٌ يُسيّرنا

يُنادينا،

فنذهب ناحيتَهُ

في الصحْو

وفي النوم.

 

عطشٌ دائمٌ

حيواناتٌ تتعفنُ في الداخل

صرخاتُ ولادةٍ

وحشرجاتٌ

وضحكٌ متقطع.

 

في دواخلنا ضغطٌ ثقيل

من الأعلى إلى الأسفل،

إلى الخارج،

مشيمةٌ ننضغطُ فيها

ولا تنفقع.

 

نتكوّرُ

بضغطٍ متواصل

ورعشاتٍ

وإرهاق.

 

نبدّل جلودَنا كلما خرجْنا

نبدل وجوهَنا وأرواحَنا

لكن،

تبقى المرآةُ مفتّتةً فينا

تبقى الرؤيةُ رماديةً.

 

هذا ما يقالُ إنّنا هو،

هذا ما نسمعهُ دائماً

ولا ندري

ما نحنُ!.

*****

خاص بأوكسجين


شاعر من السعودية. من إصدارته: "لعبٌ متحللة لميتٍ عادي" (2016)، و"تتدلّى الرقاب" (2021)، و"النُّهيرات" (2026).