البيت باب
العدد 302 | 5 كانون الأول 2025
نورالدين كويحيا


وشعرت أن البيتَ بابٌ، وأن الحياة أقل إيلاماً في الخارج.. تلوت الصلوات، خطوت، فشعرت بالضوء يمرِّر أصابعه فوق جلدي، كان دافئاً أشبه بالنار التي نتحلق حولها في الداخل، كان واضحاً أكثر من العتمةِ التي تسكننا حين تنطفئ النار ولا يبقى غير الظلام وكائناته. خطوت مجدداً، ثم مضيت أتلمَّس طريقي بين الحشائشِ والأعشابِ والأغصان، لم أعرف أسماء الأشياء قبل خروجي، لكن بمجرد أن لمست قدمي التراب نبتت اللغة في رأسي وكانت شاسعة، عرفتُ كلماتٍ محدودة من قبل؛ كالرب، والملح، الأم والأب، والإخوة. كانت كلماتي محدودةً وكذاك عالمي. لكن الآن كل شيء لا حدود له.

توجهت صوب النهر وسقيت عطشي، جلست قليلاً على الصخرة البيضاء تأملت الطبيعة من حولي، كانت خضراء وأقل كآبة مما عهدته. السماء أشبه بعينٍ تطالعنا دون كلل، والنهر الذي يجري نحو منتهاه كان يحفز في شيئاً، خوفاً قديماً من أن أصير إلى جهة واحدة، أن أجلس في زاوية معتمة، أن أعرف نفس الأشخاص، وألا أختفي. قمت من مكاني، هربت إلى أشياء أخرى لا تذكرني بحياتي السابقة، مضيت حتى أغمضت السماء عينها فعرفت أنها هي الأخرى تكلُّ من النظر. أغمضت عيني أنا الآخر.. وغفوت. حلمت بحصيرة على الأرض، بعتمةٍ تسحب أصابعها الطويلة بعيداً عن جسد نحيل نائم فوق الحصيرة، حلمت بالجسد يتقلب في موضعه، كان خائفاً، على يمينه رجل يحمل مقصاً وعلى يُساره امرأة في يدها خنجر. كان للجسد النحيل جناحان وكان كل من الرجل والمرأة يمسكان بهما ويهمان بنتف ريشيهما، حلمتُ بالجسد صار نهراً لا يمشي سوى لجهة واحدة.. فاستيقظت فزعاً. تحسست المكان من حولي، وقفت.. اصدت أرنباً، أسكت جوعي ثم أكملت سفري. لا أعرف إلى أين أتجه، كل ما أعرفه أنني لا أريد البقاء في مكان واحد، لا أريد لقدمايا أن تصيرا جذوراً، ولا ليدايا أن تصبحا أغصاناً. سأمشي نحو كل الجهات، وسأعرف معنى الطريقِ ومعنى المسافة. قلت: أريد أن أشبه ذلك الطائر، أو تلك السحابة. تركت خلفي كل شيء، وكان شيئاً واحداً.. بيتاً أسميته باباً، كان كأي بيت من جدران، من نوافذ، وله أبواب. لكنه طوال الوقت كان أقرب إلى كهف، وكانوا من يقيمون فيه أشبه بالخَفافيشْ. كانت العتمةُ مرتعهم، يمقتون الضوء، والريش، والأشياء التي لا تمتلك حدوداً. لكنني ولدت فكنت أقرب إلى عطبٍ في سيرهم اللامتناهي نحو وجهة واحدة، كنت خارج خطِّ النمل المستقيم، أقرب إلى الهامش، أشبه بقطرات الماء التي تنفلت من الكأس. فاعتبرت البيت باباً.. ويكفي أن أفتحه، أن أخطو خارجه.. لأعيش حرًّا.

وصلت لصحراء جرداء.. ولا أعرف لما راقتني أكثر من النهر، كانت شاسعةً، فارغة ربما.. لكن دون حدود تثقلها، دون أشكال تحدد ماهيتها، هي خارج فقط.. لا داخلاً مقهوراً. نصبت خيمة من سُعوفِ النخيل، ومكثت فيها قليلاً، ثم خرجت.. استلقيت تحت شساعة السماء، وراقبتها ترنو نحو سوادها، ثم فوق السواد تكدست النجوم، وكانت منيرة.. مليئة بالاحتمالات، وبعيدة.

هكذا، كل يوم أمكث قليلاً في مكان مغاير عن المكان الذي قبله، شعرت وكأنني تخلصت من الأصفاد، وأن يدي أصبحت ملكي، قدمي، عيناي، وجسدي.. لست ملكاً للبيت وجدرانه ولا للأسوار وعلوها.. نمت لي أجنحة، وبكيت كثيراً، لأن الاحتمالات صارت طيعة وجودي.. ولأنني الآن فتحت الباب وأغلقته ثم تركته خلفي وكل ما كان يحرسه.. أغلقته ونسيته، أحياناً تعود الصور لتتكدس أمام عيني، فأحصيها واحدةً واحدة وأرغم نفسي على تصديقها.. ثم محوها. أحياناً تعود العتمة بأصابعها الطويلة، تلف جسدي، فأرتجف في جوفها كحمامة مذبوحة. لكني تعلمت، شعرت بالضوء، صدقت كينونة النور، فلم تعد الظلمة تخيفني. زرت البحر، رأيت النوارس، مشيت فوق الرمل وغصت في الموج. خَبرتُ الحياة، حررت العصافير المذبوحة في قلبي. قلت: لا للأشياء التي تؤذيني. حررت الجسد النحيل من الحلم، علمته الطيران، قلت له: مدَّ جناحيك، صدق السماء والهواء ثم حلق.. ففعل. حلق بعيداً، فشعرت بعدها بأن البيت البارد في عظامي صار أكثر دفئاً.. وأنني رغم كل ما مشيت مازالت هناك مسافات علي قطعها.. لا رغبةً في الوصول، ولا عزماً في المغادرة، بل السفر فقط نحو جهات عدة.. نحو أمكنة لا حاجة للمفاتيح لدخولها، ولا حاجة للجدران لأسميها بيتاً.

*****

خاص بأوكسجين


شاعر من المغرب