رمادٌ يمتد حدَّ الخواء
أقول: أحبكِ،
أقولها من بعيد…
لأن لا يدان لي كي أمسك يدكِ
لا قدمان كي نزرع الطَّريق مشياً
ونحن نردِّد أغنيات الطفولة
ونذكِّر بعضنا بكلِّ الظلال
التي عبرت فوق قلبينا.
قضمتِ الحربُ أطرافي،
والباقي مني
يموت كل يومٍ جوعاً.
أقول: أحبكِ،
لا وردة أزرعها
في حقيبتكِ البنفسجية
كلُّ ما هنا.. الآن
رمادٌ يمتد حدّٰ الخواء.
كان بيتي هنا،
والحشائشُ المتشابكة
تلك التي تذكرني بيدينا
حين يشتد البرد.
كان بيتكِ بالقرب منه أيضاً
لكن،
ومن دون سابق إنذار
تسلل الموت…
مدَّ ذراعيه فوقهما
ظنناه في البدء صفصافةً
وكنتِ من الشرفة
تشيرين إلى عصفورين
قلتِ حينها:
انظر،
هل سنبني بيتنا كما يفعلان؟
وما كنا نعرف أنهما قذيفتين
حتى طالنا هذا اليباس
وخرجنا بلا أطرافٍ
وبقلوبٍ مُتفتِّتة.
أقول: أحبكِ
والمساءُ فقد سرِّيته،
البحرُ مرآةُ أطلالٍ
وهذا الغيم
يلدُ الدم بدل النَّدى.
أقول: أحبكِ،
وفي المسافة التي تفصل
قبركِ عن قبري
نمدُّ سعف الغيم
ونمطر.
خوفٌ يزحف في قلوبنا
وحيداً أعبرُ الشارع
السماء زرقاء كعادتها،
والحرب ذئبٌ يتلصص
على المنازل…
يُخرج لسانه
تومض عيناه في العتمة
يلهث…
أحياناً أحسبه كلباً
لكن في كل مرة أراه فيها
يجر جثة البلاد
أشير إليه: هذا منهم!
أتأمل الخراب،
في قلوب الحشد قبل البيوت
في يد الطفل الذي رحلت عنه الشمس
ومُزِّقت طائرته الورقية.
كل شيءٍ هنا مألوف:
العيون دامعةٌ كعادتها
النوافذ والأبواب سيَّان
لا أميز بينها،
الخوف يزحف تحت الأسرة
والقطط تكرر مواءً يشبه الأنين…
كل شيءٍ مألوف.. كل شيءٍ حزين
الأشجار بلا ظلٍّ
والحافة أسفل كل قدم.
وحيداً أعبر الشارع،
أتبع ظلي
أرمم صدوعه
وأحياناً
كي لا يعمينا هذا الفراغ فوقنا
أحجب به السماء…
السماءُ لم تعد زرقاء
الأرض والسماء سيَّان.
وحيداً أعبر الشارع،
والخوف يزحف في قلبي.
خلف السياج
عن طاولتك في المقهى تجمع ما سقط منك:
بقايا السجائر،
حُزنك الأبدي المربوط بمعصمك كلَعنة
خوفك من الطرقات الطويلة؛
إذ قلت مرةً:
“كل الطُرق لها نهاية
إلا الطريق الطَّويل… الطَّويل
في نهايته حافةٌ والحافةُ تقود نحو الهاوية”
والأقدام، خاصةً قدماك، ينبحان دوماً خلف الهاويات –
لا تنسَ نظارتيك…
ثم تنصرف.
كانت السماءُ هناك.. تقول
والبيوت مازالت قائمة،
وكذاك الأشجار، وأعمدة الإنارة
كل هذا كان موجوداً:
المدينة.. مدينة
البيت.. بيت
الحديقة.. حديقة
والحقل.. حقل.
قبل أن ينفجر اللُّغم
وينتشر قومٌ يخرجون من أسفلِ الأرض
وأحياناً يسقطون من السماء
يهيمون كالدواب.. يلعقون كلَّ ما أمامهم:
هذا بيتي.. هذه أرضي، وهذا الطريق الطَّويل.. الطَّويل طريقي!
الأمرُ أشبه بفيروسٍ مُعدٍ،
أو إنفلونزا الخنازير
أو القرود
أو أي شيءٍ له علاقة بالحيوانات
قلت.
شيئاً فشيئاً استقر القوم في الأرض،
وصاروا يسمونها أرضهم
نصب بعضهم الخيام
والآخرون نثروا قمحهم في حقول غيرهم
أما من تبقى فقد نهب القمر والشمس
والسحاب
لذلك تبدو السماءُ الآن فارغة
فقد خفتَ وميضها وبهُت لونها.
تقول: من يشير بإصبعه إلى شيء لا يخصُّه
فهو يشير إلى كلِّ شيء… حتى السماء.
هكذا رُويت الحكاية،
القومُ مازالوا في الأرض
والسماءُ لازالت فارغةً تضخ الألم في القلوب
والأرضُ..
لازالت أرضكم.
وخلف السِّياج ينبح الذئب ويعوي الكلب ويغرد الخنزير.
كان هناك حلٌّ واحد دائماً،
غير أن الجار أقفل بابه
والأخ أشاح بوجهه
وابن العم هاهو يطعم الذئب
ويمسد على الكلب
وأحياناً يغني للخنزير.
جمرة السؤال تتقد في أفواهنا
نمشي في هذا الاتساع،
وجمرةُ السؤال
تتقد في أفواهنا.
إلى أين؟
والبلاد سجنٌ في سجن
نذهبُ بعيداً فيردنا البعيد إلى حضن الحرب
نذهبُ إلى الحرب فتردنا الحربُ إلى رحم السَّخط.
كل شيءٍ يبدو تافهاً لوهلة:
الحياةُ وعيناها الجاحظتان،
الكتابةُ وهي تلدغ أصابعنا
في كل مرةٍ نكتب فيها بحثاً عن مهرب،
السعادة التي كانت مآلاً مستحيلاً وصوباً بعيداً.
تقضمنا الحياة
لأننا أبناءٌ وحيدون
ولأن الأصدقاء تعيسون أكثر منَّا،
تقضمنا الحياة
لأن جلودنا جاءت من الصحراء
وآمنت دوماً بخفة السراب.
نمشي،
وأقدام المارة على الأرصفة الباردة
لها وقعُ الرصاص
لماذا يبدو كل شيءٍ مألوفاً؟
الدمع: دم
الكلام: صراخ
الصَّمت: موت
الابتسام: سخرية.
لماذا تتبعنا الحرب،
تترك علاماتها على ثيابنا الجديدة
تُعلّق جراحها فوق صورنا
وتصلبُ كل ما نسيناه على الجدران؟
نمشي،
لماذا تبدو ناطحات السحاب ركاماً؟
والشوارع مقبرةٌ تؤوِّل الحشد عدداً آخر
في مرآة الخسائر؟
كنَّا دائما أبناءً مطيعين
لكن الحرب،
الحرب أبٌ سكِّير.
*****
خاص بأوكسجين

