عش دبابير
نصف ما أكتبه
لم يحدث أبداً
النصف الآخر
حدث كولادة قيصرية
كتبت الحزن نفسه بمائة طريقة
منحته أسماء جديدة
واستعارات تروم المستحيل
جعلته ليناً حتى لا تكسره خيانات الأيام
أحب الألم
ولا أحب الدليل على مروره من هنا
أقدمه كبروفات على مسرح دائري مهجور
ألاعب الدمار
أقلل من شأن العار
وأحذف الجزء الذي أتوسل فيه
أسميه تسرعاً
أفكك نفسي
أحك بشرتي وأقشرها كورق جدران
وأنزع اسم البلد من حلقي كخطاف سمك
أقول أكتب لنفسي
لكنني أتخيل سطراً
قد يضعه شخص ما تحت وسادته
أو يرسله فجراً إلى حبيبته السابقة
أكتب بحروف نحيلة
علَّها تتسلل من ثقب مفتاح
إلى غرفة حبيس
أو ترتفع من تحت باب
كدخان بخور يحترق
وما يتبقى لي من معان
أكنزها تحت سريري
في جرة محكمة الإغلاق
تصدر هسهسة وأزيزاً كعش دبابير.
المدينة
قد تكون المدينة
إبطاً طافحاً بالغازات الدفيئة
على وشكِ الانفجار
أو جفناً منتفخاً
محبوساً في عبوسِ النظارات الشمسية
أماكنُ بلا شكل
وجوهٌ بلا أسماء
ظهورٌ مطاطية
عيونٌ حمراءُ كأضواءِ الفرامل
الرَجلُ البدلة غاضبٌ بسببِ دقائقَ
أوقفها المتظاهرون على الطريق
الوقتُ يتطور
إلى مفهومٍ عابر
من نعمةٍ
إلى لعنةِ الخوفِ من فقدانه
الوقتُ وهمٌ سخيف
كيف يمكن لأي شخصٍ أن يفقد شيئاً
ليس في ملكه
المدينة ليستْ سريراً
أو نعشاً
أو حتى مكاناً تذهب إليه
لن تعرف أبداً كيف نفَدَ الوقتُ
وماذا تعني: لقد تأخرت!
كل شيءٍ في الوقت المناسب
أعمىً يحدّقُ بي عندما لا أكون هناك
صبيٌ بلا ساقين يلبس بنطالي
في المدينة كتبٌ لا تُقرأ
وألسنةٌ مربوطةٌ كما خيوط الأحذية
لا تحتاج لتفسير
وأنتَ تخرج من كل بابٍ في ثانية أو أقلْ
المغادرةُ فن
والمدينةُ إلقاء اللعناتِ دون تحريكِ الشفاه
هناك حزنٌ مُدخنٌ في عيون الحيوانات
هناك غيومٌ تغُلق
كسحّاب كيسٍ للجثث
هناك قاربُ نجاةٍ في شارعٍ ينزِف
لكن لا يوجد ماء
قد تكون المدينةُ محارةً في القاع
أريد لؤلؤتكَ
لكنني لن أغرقَ من أجلها.
عَسْف
من دون مناسبة
يظهر الحزنُ على عتبة دارك
في الرابعةِ فجراً
أو الثالثة مساءً
بقدمين شابتين
ورأسٍ أشيب
بلا سبب
يبحثُ عنك
يقرر النومَ على سريرك
أو الجلوسَ على كرسيٍ أمامك
كضيفٍ غير مُرحبٍ به
من عاداتهِ أن يمكثَ قدر ما يشاء
يمكنك الانتقال إلى دُورٍ أخرى
يمكنك الهروب
لكن الحزن سيلاحقك
حتى في أبعد مكانٍ للاختباء
في النهاية سيجدكَ
ويدعو نفسه إلى حياتك
كيف لا تحزن
الغصنُ الذي غادرَ الشجرةَ
عادَ إليها فأساً
والعالمُ
دميتكَ التي تحترق أمامك
الكلماتُ الحزينةُ مغلولةٌ ومُرّة
لكن القراءَ مرحون
يعيدونها حلوةٌ وحُرة.
بلا مأوى
كان الوطنُ عظيماً في القصائد
لذا فهو غيرُ موجود
كان لابدَّ أن يكون خيالاً
حيث لا تعيشُ الحرية في الرصاص
ولا سعداءَ يولدون من الخسارة
لا استغاثاتٍ وعويلا
وبقع دمٍ على الملابس بدلاً من النبيذ
لا مكتبةَ بأكملها من جملة واحدة
لم يستطعْ الحبُ أن يطير بعيداً
طَوى العقعقُ جناحيه
تحت غيومٍ تمطر
على الوعودِ الفارغة
فوق مكانٍ بلا مكان
إن ماتَ فيه طفلٌ بداخلك
فسيركلُ في بطن الأرض
لم تعدْ تؤمن بالوطن
لكنك تفتقده
لذا ستثملُ كلَّ يومٍ قبالة ساحل
في أفقٍ مُغبرٍ بالذهب
وتلّوحُ له
سفينةٌ تحملُ جبلاً
تَرقبُها في الذكرياتِ البعيدة
أفكاراً مترابطةً مثل مرآة متصدعة
لو كان الوطن إنساناً
فمنِ المؤكدِ أنه حتى الآن
بلا مأوى.
*****
خاص بأوكسجين

