البيت آمن بإذن الله
العدد 293 | 4-5-2025
زياد عبدالله


وطنية

الوطنية ألا تُكفَّر بل أن يُكفَّر غيرك

الوطنية ألا تُخوَّن بل أن يُخوَّن غيرك

الوطنية ألا تُغتصب بل أن يُغتصب غيرك

الوطنية ألا تُسبى بل أن يُسبى غيرك

الوطنية ألا تُقتل بل أن يُقتل غيرك

وهذه الأخيرة هي الأهم، فهي تتيح لك البقاء على قيد الحياة والتباهي بوطنيتك!

*

فوتوكوبي

أخذ كاتالوغ من يفترض أنه مضى ولن يعود، وصار يفككه، خلّصه من تجليده السميك، حرر أوراقه، ثم أودعه آلة تصوير (فوتوكوبي)، وراح يستخلص طبعة جديدة طبق الأصل من الكاتالوغ البائد، لكنه للأمانة أحدث بعض التعديلات عليه، فهو وبعد أن دمغ أوراقه بدمغة “حلال”، جلّده بغلاف جديد ألوانه كامدة أكثر وفق متطلبات الجدية والشريعة، وزمّكه وزخرفه بما يوحي بالأصالة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم رماه في وجوه المهللين المجلمقين، فزادوا من تهليلهم وجلمقتهم، فرحين مستبشرين بهذا التغيير العظيم.

*

طائفية

أتذكر نصاً للصديق عبد الرحيم العوجي نشره في أوكسجين عام 2005 بمناسبة إزالة خانة الطائفة من الهوية اللبنانية، وبأسلوبه الساخر هو الفنان الكوميدي يقول ” كم كنت سعيداً حينها! قصصت ورقة بيضاء صغيرة وكتبت عليها “مسلم – سني”، ثم ألصقتها على هويتي الممغنطة الجديدة والكافرة لعدم اعترافها بخانة الدين، ثم نزلت إلى الشارع (…)” فهو يؤمن كما هو عنوان النص وفحواه: “ما حاجتي لهويتي ما لم أذبح عليها”.

يورد جان جينيه في كتابه “أسير عاشق” ما يلي: “يكفي حرف واحد مضاف إلى اللكنة، أو منسيّ، لوضع نهاية مأساوية. كان سوّاق الشاحنات في حرب 1982 لبنانيين أو فلسطينيين، وكان كتائبي مسلّح يفتح يده، ويسأل:

  • ما هذا؟

ويكون جزاء الإجابة رصاصة في الرأس أو توديعاً حاراً باليد. تقال كلمة (طماطم) في عربية اللبنانيين: (بانادورة)، وفي عربية الفلسطينيين: (بنْدورة). إن حرفاً واحداً، مضافاً أو منقوصاً، ليعادل هنا الحياة والموت”.

في سورية منبع الأفكار الجديدة في هذه المنطقة لم يدخلوا في هذه الترهات يوماً، صحيح “سوا ربينا” مع لبنان، لكن لكل مرباه، وتحديداً على الصعيد الطائفي، فلا الهوية ذكرت يوماً الطائفة ولا احتاج أي جندي أو ضابط أو صف ضابط أو جهادي أو ميلشاوي أو حتى غانغستر لأن يحمل حبة طماطم ولا برتقالة ولا غصن زيتون ليعرف طائفتك، وقد احتكم على حرية لا مثيل لها في البشرية في تبيان ذلك، فإن لم يعرف الطائفة من أحياء مدينة فمن البلدة أو القرية، فمن اللهجة وصولاً إلى خيارات كثيرة أخرى تجسد قصيدة “حمدة” لعمر الفرا: “ابن عمي ومثل اخويَ/ودم وريدي/من وريدك” فيعرفه وينهي الأمر بأن يدع لدمه يسيح من وريده، ومع تطورات الحالة السورية الفريدة فإن الريادة ابتدأت مع السؤال: “أنت سنّي ولا علوي!”، وأنا بدوري أتخيل إن خضعت أو أي أحد لا يجد في الطائفة إلا الهراء وكانت الإجابة “سوري”، فيضحك صاحب السؤال ويعيد السؤال أو يهدد أو يقتل بينما أتساءل ما حاجتي لوطني إن كنت لا أعرّف به وقد أقتل بسببه من ابن وطني.

*

وحشية

وحوش في الصالون

وحوش في غرفتي النوم والضيوف

في العليّة

في الحديقة

خلف السور

رديفة وقريبة وبعيدة

الوحوش في خزانة الثياب

في الثياب

في العث

في العفن

في كرات النفتالين

و

البيت

آمن

بإذن

الله.

*

حوارات

حوار 1:

ينظران إلى بعضهما

يعرف كلاهما أنهما يكذبان

يتواطآن بالنظر: لا بأس لنكذب سويةً!

 

حوار 2:

ينظران إلى بعضهما

كلاهما يعتبر ما يقوله هو الحقيقة

يُكذّب أحدهما الآخر

يتبادلان التكذيب.

 

حوار 3:

لا يرى الأول الثاني والعكس صحيح

كلاهما يمتلك الحقيقة

كلاهما يستطيع توظيف كل شيء في خدمة حقيقته في فضاء افتراضي

كلاهما مستعد لاستخدام الحقيقي والمفبرك في خدمة حقيقته.

*****


كاتب من سورية. مؤسس مجلة أوكسجين ومحترف أوكسجين للنشر. صدرت له العديد من الروايات: "سيرة بطل الأبطال بحيرة الانكشاري ومآثر أسياده العظام (1984 هـ)" – (2019)، و"كلاب المناطق المحررة" (2017)، و"ديناميت" (ط1: 2012. ط2: 2018)، و" برّ دبي" (ط1: 2008. ط2: 2018). وله في القصة القصيرة: "سورية يا حبيبتي" (2021)، و"الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص" (2016). كما صدر له شعراً: "ملائكة الطرقات السريعة" (2005)، و"قبل الحبر بقليل" (2000). من ترجماته: "محترقاً في الماء غارقاً في اللهب-مختارات من قصائد تشارلز بوكوفسكي" (2016)، و"طرق الرؤية" لجون برجر (2018)، و"اليانصيب وقصص أخرى" لشيرلي جاكسون (2022). وله أيضاً كتاب مختارات من التراث العربي بعنوان "الإسلام والضحك- نواضر الخاطر في كل مستطرف باهر" (2018)،  و"لا تقرأ هذا الكتاب إن لم ترَ من السماء إلَّا زرقتها" (2023) الصادر عن محترف أوكسجين للنشر.