- هل رأيته؟ هل من أحد رآه؟ سألت المرأة السمراء، وهي تعبر الطريق حاملة صورة طفل في الرابعة. لقد مرّت أيام وهي تتجول، حتى استقرت في الساحة الكبيرة لمبنى 998 في بيروت.
أجابها الجميع بالنفي، حتى أنّ البعض لم ينظر إلى ملامحه الدقيقة الخلابة، التي يرقص لها قلبها، لا بل أشاحوا النظر بسرعة وتابعوا سيرهم في شارع مزدحم. طريق ستوصلهم إلى بيتهم، إلى عملهم، إلى حيث ينتظرهم أحد ما، ولن يتذكر أحد منهم تلك المرأة الهزيلة التي وقفت تحت المطر تسأل المارة عن ابنها، ولكنّ لربما سيتذكرها أحد ما، لربمّا، لم لا! على الأرجح امرأة أخرى لديها طفل في العمر نفسه، ستمطره تقبيلاً حينما تراه، ستمسك يده بشدّة حينما تصطحبه من المدرسة، وستفّكر بها ساعة تخلد إلى النوم. لربّما ستحلم بإعادة الابن إلى والدته، بعمل بطولي تكسر فيه روتين الأيام الباهتة. ستفعل هذا في الغدّ.
ستعثر على المرأة السمراء بوجهها الشاحب وستبدآن معاً رحلة تنقيب، رحلة تحري واستقصاء، وسرعان ما ستجدانه، وتحررانه. لربما يكون محتجزاً في بيت رجل شرير يشبه الغول يحضّر له أكله طيلة اليوم لأنّه لا يشبع، أو في بيت امرأة ساحرة تقتات على الأولاد، تنتظر أن يسمن الطفل حتى تطهوه. لربما ستعثران عليه ضائعاً في الغابة القريبة من المدينة، هائماً مع الحيوانات المفترسة، ولد بريّ من سلالة مغولي أو طرزان، يقفز على الأشجار، يقرع على صدره، يمهز كريح بشرية. ستعيدانه إلى الحضارة، حيث الثياب والدفء، والمدرسة والعمل ولربما الضجر القاتل أيضاً، مع الوعد أنّه سيتمكن من زيارة أصدقائه الحيوانات، بالطبع. سيذهب إلى لقائها، يوم الأحد، يوم العطلة، بعد القدّاس مباشرة، وستكون بانتظاره، ملوّحة بأرجلها الأربعة، داعية إيّاه إلى طعامها: حيوان نيء، مفزور، تتقطر منه نقاط الدم؛ لربما سيتسخ فمه بالدم، ولكنّ لا همّ بوجود “الوايبس”، لا همّ حقًا، فهي تستطيع إزالة كل البقع، حتى تلك المستعصية، ثمّ إنّهما لن تبتاعا تلك المائية فقط المخصصة للبشرة الحساسة، لا بل تلك القديمة التي تحوي على المواد الكيمائية القوية حتى تزيل كل أشكال البقع. ولا يجب أن تنسيا المضادات الحيوية اللازمة التي عليه تناولها بعد وجبة خطرة كهذه، عليها أن تقوم ببحثٍ سريع عن المضاد الحيوي المناسب لهذه الحالة، ولربما هناك نوع من لقاح ما، أجل، لقاح يحمي من “التوكسوبلازم” جراء تناول اللحم النيء، وقد تسأل طبيب الأطفال، فهو أكثر دراية بأحدث بروتوكولات العلاج. كما سيكون دوره محورياً بإعادة تأهيل هذا الصغير من الناحية الجسدية والفكرية والنفسية، والأخيرة هي الأصعب فعلاً: بالنطق، والتبويل، بإمساك الأغراض بشكل جيّد، بإمساك القلم بطريقة سليمة تمكّنه من الكتابة. وسيتوجب إيجاد مدرسة، لربما لن تقبل مدرسة ابنها به، ستحاول إقناع المديرة، ولكنّ الأمر شائك، فهي قاسية جدًا. وقد يكون الحل الأنسب بإيجاد مدرسة متخصصة في هذه الحالات في الوضع الراهن، هناك سيتمكن من اكتساب كل المهارات المطلوبة، وبعدها سيتمكن من الانضمام إلى مدرسة ابنها وسيصيران أصدقاء، فهما في الصف نفسه، وهي أصبحت بمثابة خالة هذا الطفل الذي ساعدت بالعثور عليه. ستكون بالطبع قد كوّنت علاقة ممتازة مع أمّه، التي بدورها ستحتاج إلى تأهيل نفسي ولربما جسدي أيضاً. فهي كانت على شفير الانهيار حينما رأتها للمرّة الأولى تحت المطر بثياب بالكاد تغطي جسدها النحيل. ستهدئ نظرتها الشاردة، وتتركز على ابنها، سيهدأ كل شيء فيها، لتبقى امرأة متماسكة، ليس مجرد امرأة، بل أمّ، تحارب طواحين الهواء لأجل ابنها، كدونكي خوته… هل يكون سانشو ابنه؟
غداً، لديها الكثير من العمل، يجب وضع لائحة بكل هذا، بعد ايصال ابنها إلى المدرسة، والذهاب إلى المكتب. في الطريق، ستبحث عنها. ولكنّ لمَ لم تتوقف اليوم، عندما رأتها للمرة الأولى؟ ما هذا السؤال؟ كانت مستعجلة، فالوقت تأخر وأيّة دقيقة إضافية ستعني أنها ستعلق بازدحام لن تخرج منه إلا بعد ساعة. ثمّ أنّ طبيعتها الخجولة تمنعها من الاقتراب من الحدث الجاري، بل ردّة فعلها الأولى تكون دائماً بالابتعاد عن الخطر، عن غير المألوف. عليها أن تتابع حياتها بسرعة وفعالية، كآلة ميكانيكية عظيمة الدقة والإنتاج، فالأم آلة، تمشي بلا كلل ولا تعب، تدور وتدور في سبيل أولادها. ما هذا الكلام الشعري، تمجيد الأم ابتذال حقيقي واجترار كلام بائد، ولمن هذا الكلام أصلاً! فهي تعمل طيلة النهار سائقة، طبّاخة، مدرّسة، عاملة تنظيف. تباً، إنها آلة حقاً، وعلى الرغم من طابع الكلام المبتذل بحق الأم الذي لا يليق سوى برسائل على بطاقات المعايدة، أو بالرسائل “الفورورد” عبر “واتسآب”، تلك المزينة بطيور أو زهور أو فناجين قهوة، فهذا الكلام حقيقي. هذه هي الحقيقة. كيف تكون الحقيقة رسائل على تلك الشاكلة، يهزأ منها الجميع! هالها هذا الاستنتاج المباغت. وهل يعني أنني سأضطر الآن إلى مشاركة هذه الرسائل وإعادة إرسالها في سبيل الشهادة للحقيقة ومشاركتها، سأصبح بهذا الابتذال أيضاً. فوق كل العمل المنزلي وتحضير الوجبات، والتوصيل والتدريس، وتغيير شراشف السرير والنشر والكوي، وإيجاد ملابس الرياضة يوم الجمعة وملابس الكشافة يوم السبت وملابس الكنيسة يوم الأحد، وملاحقتها في الخزائن كمن يطارد مذنباً لأجل أمنية لن تحقق.
لربّما الأفضل لتلك المرأة السمراء، نسيان ابنها بالمرة ومتابعة حياتها بهدوء واتزان حتى تصل إلى الشيخوخة وتموت. فالطريق أمامها طويلة جداً وقد تتعب قبل أن تتمكن من تكوين إنسان قابل للعيش دونها، لربما عليها أن تتوقف عن البحث فوراً، في هذه الثانية، تحديداً. عليّ أن أقول لها هذا، أن ألفت نظرها إلى هذه النقطة التي فاتتها وهي مشغولة بالبحث عن ابنها. أشفق عليها حقاً، فهي معمية البصيرة، تبحث عن ما سيؤذيها في المستقبل، كمدمن، كسكير، وعليّ إنقاذها من هذا الإدمان التي زجت نفسها فيه. ولكنّ ما شأني أنا؟ حين أريد مساعدتها في ايجاد ابنها، فإنني وفي الوقت نفسه أريد إقناعها بالعدول عن الأمر! وما شأني أنا! إنها الواحدة بعد منتصف الليل، وأنا ما زلت صاحية، عليّ أن أخلد للنوم، فغداً يوم طويل. حسناً! المنبه مضبوط على الساعة السادسة صباحاً. نامي، نامي الآن كآلة دقيقة.
في الصباح، لم تجد الأمّ المرأة السمراء إلا بعد ساعة من البحث والتجوال في أزقة الشارع المتفرعة، حيث كانت تجلس صامتة على حافة حيط خفان تم بناءه على عجل.
- هل عثرت على ابنك؟
- ابني؟
- نعم، كان في الصورة التي كنت تحملينها.
أخرجت الصورة من قميصها، وأرتها للأمّ. بدت كأنها صورة من مجلة، ذات طبيعية لمّاعة ووجه أشبه بوجه ممثل صغير. ارتكبت الأم وسألت:
- أليس هذا ابنك؟
- ابني أجهضته منذ خمس سنوات، كان سيكون عمره أربع سنوات، نصحتني امرأة تعرّفت عليها أن أجهضه لأنّ الأمومة تعب وشقاء ولم أكن قادرة على تحمّل هذه المشقة وأنا وحدي في هذه الدنيا.
- وهل تعرفين هذه المرأة؟
- لا. تعرّفت عليها صدفة لكنّها بدت مقنعة جداً وأرتني الحقيقة. امرأة تشبهك بعض الشيء.
- ولماذا ما زلت تبحين عنه؟
- لأنني مشتاقة إليه، أتخيّله مرات، كما لو أنه في هذه الصورة.
غادرت الأمّ مسرعة، متذكرة أن عملها بدأ منذ ساعة وقد لا تصل إلا بعد ساعتين، بسبب الزحام الذي يخنق طرقات المدينة وسكانها.
*****
خاص بأوكسجين

