المايستر إيكهارت: ديالكتيك العدم
العدد 306 | 26 أيار 2026
عبدالرحمن عفيف


من المفارقات الساخرة في عصر “السيولة الرقمية” أنك حين تشد الرحال بحثا عن المايستر إيكهارت (Meister Eckhart) في فضاء الإنترنت، ستجد نفسك محاصرا بطوفان من الاقتباسات والروابط التي تحيلك إلى “إيكهارت توله”؛ وكأن الخوارزميات تأبى إلا أن تضع أمامك “روحانية الاستهلاك” المعاصرة بدلا من “عظمة العدم” القروسطية. لكن شتان بين الحكمة الهادئة لمدربي التنمية الذاتية وبين تلك العاصفة الروحية التي فجرها الراهب الدومينيكاني في القرن الرابع عشر؛ العاصفة التي لم تهز أركان اللاهوت الكنسي فحسب، بل مدّت جسورا أنطولوجية مدهشة مع أقطاب التصوف الإسلامي كابن عربي والحلاج.

لا ينبغي لنا، أمام جمهور متخصص ومعاصر، أن نسطح فهمنا للمايستر إيكهارت باعتباره مجرد “أثر” من آثار البحوث العصروسيطية الجامدة. بل هو، كما يراه غوستاف لانداور، “كينونة حية” تخاطب حاضرنا مباشرة عبر القرون. تمثل كتاباته نقطة انكسار إستراتيجية في الفلسفة المثاقفة؛ فهي تجسد “لقاء مستحيلا” في “القفر الساكن” للذات الإلهية، حيث تتلاشى الصفات وتتحطم الصور التقليدية للإله لصالح “جوهر الفقر” وحرية الانفصال عن الذات.

الكينونة الحية في “اللقاء المستحيل”

لا ينبغي لنا، أمام جمهور متخصص ومعاصر، أن نسطح فهمنا للمايستر إيكهارت باعتباره مجرد “أثر” من آثار البحوث العصروسيطية الجامدة. بل هو، كما يراه غوستاف لانداور، “كينونة حية” تخاطب حاضرنا مباشرة عبر القرون. تمثل كتاباته نقطة انكسار إستراتيجية في الفلسفة المثاقفة؛ فهي تجسد “لقاء مستحيلا” بين متصوف ريناني (نسبة إلى إقليم الراين) وبين عمالقة التصوف الإسلامي، وعلى رأسهم الشيخ الأكبر ابن عربي. هذا اللقاء لا ينعقد في ردهات اللاهوت العقدي (الدوغمائي)، بل في “القفر الساكن” للذات الإلهية، حيث الفضاء المتجاوز لكل الصفات والنعوت.

إن “الاستفزاز” الفكري عند إيكهارت، والذي يدنيه روحيا من “شطحات” الحلاج، يضرب بجذوره في الهدم الراديكالي لصور الإله التقليدية. فبينما يحاول اللاهوت التقليدي حصر الإله في مقولة “الموجود الأسمى”، يفرض إيكهارت الصمت قائلا: “في لجة السكون، قُرئت عليّ كلمة خفية”. تتجلى هذه الكلمة في “القفر”؛ وهو الموتيف الطبوغرافي الذي يرسم خرائط “الانفصال عن الذات” (Entwerdung) عند إيكهارت، و”الفناء” عند ابن عربي. ولفهم إيكهارت، لا بد من قبول شخصية “يوحنا إيكهارت” التاريخية (المولود حوالي 1260 في هوخهايم) بوصفه الحامل الضروري والمؤقت لتعاليم عابرة للزمن ومتمردة على السائد.

المايستر في مهب العاصفة: السياق ومحاكمة عام 1329

لم يكن إيكهارت رائيا معزولا عن واقعة، بل كان مسؤولا رفيع المستوى في “رهبنة الدومينيكان”. وتعكس مسيرته الحياتية — من دراسته في باريس إلى مهامه القيادية في ساكسونيا وبوهيميا وكولونيا — ذلك التوتر الإستراتيجي بين الوساطة المؤسساتية وبين مباشرة “الاتحاد العرفاني” (unio mystica). ورغم تأثر فكر إيكهارت العميق بالتقاليد الأفلاطونية المحدثة ومفكرين مثل توما الأكويني، إلا أنه دفع بالتجريد إلى مناطق استشعرت فيها الهرمية الكنسية تهديدا وجوديا.

بدأت محاكمة إيكهارت بتهمة الهرطقة عام 1327، وتوجت بمرسوم بابوي عام 1329 قضى بإدانة 26 فقرة من تعاليمه. انصبّ هذا المنع أساسا على كون تعاليم إيكهارت تقوض فعليا الدور الوساطي للكنيسة في نيل الخلاص، وذلك من خلال تأكيده على “أصل الروح غير المخلوق”. اعتبرت أقواله خطرا على النظام الكنسي لأنها أعلنت قيام “الإنسان الرباني” الذي لا يحتاج إلى مؤسسة خارجية تتوسط بينه وبين الحق. ويشكل هذا الصراع التاريخي الخلفية الضرورية لإدراك الجرائية التشريحية لـ “علم الروح” عنده.

تشريح الروح: الوجهان و”الآن” الأزلية

تستند ميتافيزيقا الروح عند إيكهارت إلى توتر ي بين “وجهيها” المتمايزين؛ فبينما يتجه “الوجه السفلي” للروح نحو الحواس وتدبير شؤون العالم، يرتد “الوجه العلوي” ببصره نحو الأزلية دون التفات. وفي هذا الجزء الأسمى من الروح، تكمن “شرارة الروح” (Seelenfünklein)؛ ذلك اللب غير المخلوق الذي يجد نظيره في التصوف الإسلامي بمفهوم “اللطيفة” أو “السر” (باعتباره أعمق مكنونات الوجدان).

أما الشرط الجوهري لـ “ميلاد الحق في الروح” فهو “الترك” أو “التخلي” (Gelassenheit)، وهي حالة من “الانقطاع” التام عن كل ما سوى الله. ويؤكد إيكهارت في عظته الأولى أن الله لم يخلق العالم منذ ستة آلاف سنة، بل يخلقه في “آنٍ أزلي” مستمر؛ فالله يخلق العالم في هذه اللحظة بذات القوة التي خلقه بها في اليوم الأول. ولكي يستوعب الإنسان هذا الحدث الخلاق في ذاته، عليه — وفقا للعظة الخمسين — أن يحقق “فقرا روحيا” راديكاليا، حدده إيكهارت عبر ثلاث لاءات (نفي):

  1. لا إرادة: أن يتحرر المرء من إرادته الذاتية لدرجة ألا تبقى لديه حتى الإرادة في “فعل مشيئة الله”.
  2. لا علم: انسحاب تام إلى “الجهل” الصرف؛ إذ يذهب إيكهارت إلى حد القول بأن على الإنسان أن يخلو من العلم تماما كما كان حين لم يكن له وجود.
  3. لا ملك: فقر أنطولوجي (وجودي) لا يستبقي فيه الإنسان حتى “موضعا” داخل ذاته ليفعل الله فيه فعله. لا بد للروح أن تصبح هي ذاتها “الحق” حتى لا يبقى “موضع” للفصل والغيرية.

هذا “الفراغ” ليس نقصا أو عدما محضا، بل هو “الاستعداد” الفطري الذي يفضي مباشرة إلى “لاهوت العدم” المفارِق.

لغة العدم: الألوهية واللاهوت المنزه

يقدم إيكهارت تفرقة فكرية مجهدة بين “الإله” (Gott) و”الألوهية” أو “الذات الإلهية” (Gottheit). فبينما يتجلى “الإله” بوصفه خالقا في علاقة مع المخلوق (وبذلك يدخل في حيز الكثرة)، تظل “الألوهية” هي الكينونة المطلقة المبرأة من الأسماء؛ هي “القفر الساكن”. وهنا يبسط إيكهارت مفارقته الأكثر راديكالية حين يقول: “الله ليس خيرا”؛ إذ إن وصفه بـ “الخير” — حسب رأيه — هو لغو يشبه وصف الشمس بأنها “سوداء”. فكل صفة (نعت)، حتى لو كانت “الخيرية”، هي بمثابة “تحديد” للمطلق وتقييد له.

تتطلب هذه “الطريقة السلبية” (Via Negativa) من العارف أن “يترك الله من أجل الله”؛ أي أن يترك “مفهوم” الله كـ “موضوع” أو “شيء” لينغمس في لجة “الألوهية” الغائرة. وهذا يتسق تماما مع المفهوم الصوفي “فناء الفناء”؛ أي تلاشي الوعي بالتلاشي نفسه. في هذه “الألوهية المنزهة”، ينهار المركز الذاتي للعالم، ويتحد الذات بالـ “أصل” (Urgrund) حيث لا مفاصل ولا تمييز. ويكمن التحدي اللغوي هنا في محاولة صياغة هذا “العدم” — الذي هو في حقيقته “فوق-وجود” — ضمن مصطلحات تُجبر الفكر على ملامسة تخومه القصوى.

مغامرة الترجمة: حين تلتقي الألمانية الوسطى بالعربية

إن ترجمة إيكهارت هي مغامرة إستراتيجية بامتياز، إذ تتطلب “نقاء لغويا” يتجاوز مجرد الدقة الفيلولوجية (اللغوية). وهنا تتبدى وشيجة عميقة بين الميتافيزيقا الألمانية الوسطى وبين الميتافيزيقا العربية الإسلامية، تتمثل في تقديم “السماع” على “البصر”؛ فالكلمة الإلهية تُسمع في لجة الصمت، مما يستوجب نوعا خاصا من قابلية القلب واستعداده.

وعند نقل هذا الفكر إلى الضاد، يصبح من الجوهري اختيار مصطلحات تحفظ لإيكهارت خصوصيته المسيحية دون تقويض الجسور الفلسفية الممتدة نحو التصوف. فعلى سبيل المثال، يتجلى مفهوم “التجريد” أو “الانقطاع” كمعادل دقيق لمصطلح Abgeschiedenheit، الذي يعني الاعتزال التام عن الخلائق. أما “شرارة الروح” (Seelenfünklein)، ذلك الجوهر غير المخلوق، فيجد مستقره في مفهوم “اللطيفة” أو “السر”. وفي حين يعبر إيكهارت عن “التخلي” أو “الترك” بمصطلح Gelassenheit، فإن مرادفاته العربية الأنسب هي “التسليم” أو “التفويض”، بما توحي به من استسلام أنطولوجي كلي. كما نجد أن مفهوم “ميلاد الحق” في الروح يقابله “التجلي” الإلهي في قعر الذات، بينما تتمايز “الألوهية” (Gottheit) كذات منزهة وراء الحجب، ويتحقق حضورها في “الآن” (Nu) أو “الوقت” الذي يمثل الحاضر السرمدي لله والمتجاوز للزمن الخطائي.

لماذا إيكهارت اليوم؟ جوهر الفقر في عصر الصورة

في عصر يطغى عليه الفيض المادي وتتراكم فيه الصور الرقمية، يقدم إيكهارت موقفا نقيضا وراديكاليا. فتعاليمه ليست هروبا من العالم، بل هي اكتشاف لـ “الجوانية” بوصفها الحيز الوحيد للحرية الحقيقية. يوضح إيكهارت ضرورة “المشاكلة” مع الحق من خلال استعارة بليغة: “إن الرجل الذي يحب امرأة فقدت إحدى عينيها، قد يعمد إلى إعماء عينه هو ليكون شبيها بها”؛ وهي رمزية تشير إلى “تأنس الحق” كفعل من أفعال المضاهاة الجذرية.

إن ما يمكن للقارئ المعاصر أن يتعلمه من إيكهارت هو “جوهر الفقر” كما ورد في العظة الخمسين: فالحرية الروحية لا تتحقق بالتراكم، بل بالقدرة على التخلي حتى عن أثمن ما نملك؛ أي تصوراتنا عن الله وعن ذواتنا. ليس إيكهارت نصبا تذكاريا ميتا من القرن الرابع عشر، بل هو “كينونة حية” تحرضنا على تحطيم قشرة الظواهر للنفاذ إلى لب الجوهر. ويظل أثره هو الجسر الذي يلتقي فوقه الشرق والغرب في “الصمت المشترك” للذات الإلهية.

من أقوال إيكهارت:

عن طبيعة الله والبحث عنه:

  • “لو كان لي إله يمكنني أن أفهمه، لما اعتبرته إلها أبدا؛ فإذا فهمت شيئا، فإنه ليس الله”.
  • “إن الله شيء لا يدركه أو يفهمه أي حس؛ فمن يدرك الله، فهو يدرك شيئا ليس الله”.
  • “من يبحث عن الله بطريقة ما، فإنه يأخذ الطريقة ويترك الله المختبئ فيها؛ أما من يبحث عنه دون طريقة، فإنه يأخذه كما هو في ذاته”.

عن النفس وعلاقتها بالخالق:

  • “الله أقرب إليّ من نفسي، ووجودي يعتمد على أن الله قريب وحاضر لديَّ”.
  • “يجب أن تكون النفس منسحبة ومجردة في ذاتها لدرجة أن لا تستطيع بعد أن تشكل في داخلها أي أشياء، لكي تدرك نقاء النبع الذي لا قاع له”.
  • “ما فائدة أن تكون الكلمة قد صارت جسدا في المسيح، إن لم تصر جسدا فيّ أنا أيضا؟”.

عن التجرد والفقر الروحي:

  • “الإنسان الفقير حقا هو الذي لا يريد شيئا، ولا يعرف شيئا، ولا يملك شيئا”.
  • “يجب على الإنسان أن يتجرد من معرفته الخاصة كما كان عندما لم يكن موجودا، ويترك الله يعمل ما يشاء”.
  • “أطلب من الله أن يحررني من الله؛ لأن كياني الجوهري فوق الله”.

عن الحياة والعمل:

  • “لو سأل أحدٌ ما الحياةَ: لماذا تعيشين؟ لن تقول شيئا سوى: أنا أعيش لأنني أعيش”.
  • “يجب أن تصدر أفعال الإنسان عن جوهره مباشرة، لا طمعا في ثواب ولا خوفا من عقاب؛ فالخير يُفعل لأنه خير”.
  • “أسرع حيوان يحملكم إلى الكمال هو المعاناة، ولا شيء أحلى من أن تكون قد عانيت”.

عن الصمت والداخل:

  • “بينما كانت كل الأشياء في منتصف صمت، جاءت إليّ من العلاء كلمة مخفية”.
  • “أجمل ما يمكن أن يقوله الإنسان عن الله هو أن يسكت من فرط امتلاء الحكمة”.

————————————–

*كتبت المقال بمناسبة الانتهاء من ترجمة الكتابات الصوفية للمايستر إيكهارت من الألمانية إلى العربية بعنوان: “الغَوصُ إلى قاعِ الجوهر – كِرازات، شذرات وأقوال المايستر إيكهارت: قطب التصوّف الألماني”.

******

خاص بأوكسجين

 


شاعر وقاص ومترجم سوريّ، مقيم في ألمانيا منذ 1996. من إصداراته شعراً: “نجوم مؤلمة تحت رأسي”،  و“رنين الفجر على الأرض”، و”وادي الديازيبام”. من إصداراته القصصية: “الحجحجيك”، و“في سيارة ابن الصراف”، و”دموع الملائكة أو السعادة المطلقة”. وله في الترجمة عن الألمانية: “الثلج يهبّ على الألفباء: قصائد مختارة من الشعر الألماني”، و”شوقاً إليك أبليت الزناجير: قصائد للشاعر أحمد عارف”.