مَن يَخْطُر بباله اسمُ فرانتس كافكا، تتبادر إلى ذهنه فوراً صورةٌ نمطية شائعة: رجلٌ شاحب الملامح، يتلفع برداء الاكتئاب، ويرتدي بدلة سوداء ويعيش في عزلة تامة ضربتْ بينه وبين العالم سياجا. ويُطلق الناس اليوم على هذه الحالة غالبا مصطلح “الكافكاوية” (Kafkaesque) – وهو تعبير يُشير إلى وضعٍ بلغ ذروة العبثية والغموض والبيروقراطية الخانقة لدرجة تثير الرعب في النفوس. لكن هذه الصورة في حقيقتها محض خرافة؛ إذ تميط الأبحاث والوثائق الجديدة اللثام عن وجه آخر لكافكا: رجل خفيف الظل، فكها، مفعم بالنشاط الرياضي ويبدو أصغر من سنه الحقيقي بكثير، فضلا عن كونه مسؤولا رفيع المستوى يُشار إليه بالبنان وناجحا في الشركة التي عمل بها.
فالصورة الفوتوغرافية الأكثر شهرة لكافكا تظهره بنظرة جادة يكسوها الحزن. لكنّ هذه اللقطة لم تؤخذ له إلا قبل أشهر قليلة من وفاته، عندما كان يرسف في أغلال مرض شديد. إذ في معظم فترات حياته، كان مظهر كافكا براء من هذه الصورة النمطية؛ كان يبدو مفعما بالشباب والروح الرياضية بشكل ملحوظ. وكان كافكا نفسه يتسلى بمظهره الشبابي هذا؛ فعندما كان في الثامنة والعشرين من عمره، سطر في مذكراته عن لقائه بفتاة تبلغ من العمر 17 عاما، قائلا:
“لقد انخرطنا في ضحك متواصل مع بعضنا البعض. كانت تبلغ من العمر 17 عاما وكانت تحسبني في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة من عمري، ولم يتزحزح ظنها هذا قيد أنملة طوال حديثنا”.
إن تصور كافكا مرتدياً دائما ملابس كئيبة متحفظة ليس سوى فرية اخترعتها الأجيال اللاحقة. وحتى لون عينيه يظل لغزا محيرا، لأن معاصريه وصفوه بآراء متضاربة: من “الرمادي اللامع” إلى “الأزرق الفولاذي” وحتى “البني الغزالي”. لم يكن كافكا كائنا ظليّاً باهتا يعيش في الهامش، بل كان ذا مظهرٍ لافت للانتباه، وملءَ السمع والبصر.
وتزعم شائعة عنيدة أن كافكا كان موظفا فقيرا لا يُؤبه له، سحقته رحى البيروقراطية. لكن العكس هو الصحيح تماما. فقد عمل كافكا في مؤسسة التأمين ضد حوادث العمال، وخطا فيها خطوات واسعة حتى ارتقى إلى منصب السكرتير الأول. وكان خبيرا يشار إليه بالبنان في مجال الوقاية من الحوادث. ويشرح راينر شتاخ، وهو أحد جهابذة مؤرخي سيرة كافكا وأكثرهم شهرة في العالم إذ نذر نصف حياته لدراسته، في الفيلم الوثائقي الصادر بمناسبة مئويته والمتاح على منصة ARTE قائلا:
“يعتقد الكثير من الناس أن كافكا كان مجرد عجلة مسننة صغيرة جدا داخل آلة البيروقراطية النمساوية. وهذا بالتأكيد بعيد كل البعد عن الحقيقة. فلقد كانت تناط به مهام جسيمة ومسؤوليات كبيرة”.
لقد كان كافكا رائدا لا يُشق له غبار في مجال السلامة المهنية؛ حيث عكف على فحص الحوادث الخطيرة (على سبيل المثال في آلات تقطيع الخشب) واخترع أجهزة حماية تقنية ملموسة لإنقاذ أصابع العمال من البتر. وكان يحظى بشعبية ومحبة في الشركة، حتى إن زملاءه أطلقوا عليه بمودة لقب “طفل المكتب” لأنه كان مخلصا إلى أبعد حد، وفي الوقت نفسه نقي السريرة ودافئ القلب. ولم يسطر رواياته عن البيروقراطية المرعبة لأنه كان ضحية مستضعفة لهذه المنظومة، بل لأنه كان يعلم خبايا النظام من الداخل عن ظهر قلب ويقبض على تفاصيله.
هذه المعرفة العميقة بآلات البيروقراطية ودهاليز السلطة هي تحديدا ما تلقفته الذائقة الأدبية في العالم العربي، لتصنع من كافكا أيقونة نمطية ذات أبعاد خاصة جدا تحاكي الواقع المحلي. ففي المخيال الجمعي العربي، استحال كافكا إلى “عراب الاكتئاب والعدمية المطلقة”، واُختزلت شخصيته من خلال اقتباسات “رسائل إلى ميلينا” على منصات التواصل الاجتماعي لتصبه في قالب العاشق الانطوائي المقيم على القلق الوجودي. كما تُرجمت “رسالة إلى الوالد” عربيا لتضعه كرمز أبهر لضحايا “السلطة الأبوية والمجتمعية الخانقة”.
أما على الصعيد السياسي واليومي، فقد غدا مصطلح “الكافكاوية” بمثابة الماركة المسجلة التي تستدعى فورا لتشريح المتاهات الإدارية الحكومية، والركض العبثي خلف المعاملات الرسمية (مستلهمين ذلك من رواية القلعة)، أو لوصف كابوسية المحاكمات الصورية والاتهامات الغامضة التي تعيد للأذهان أجواء رواية “المحاكمة”. لقد أُسقطت رواية “المسخ” كمرآة تعكس الاغتراب المعاصر، حيث يغرق الفرد في آتون الروتين والوظيفة حتى ينسلخ من إنسانيته؛ ما جعل كافكا مشرحا عبقريا لآليات القمع والعجز الإنساني، وإن كان هذا التلقي قد غالى في سوداويته ونأى تماما عن الجوانب الساخرة والتهكمية في أدبه.
يجد الكثير من الناس كتب كافكا جافة، داكنة الأجواء، وتبعث على الإحباط. لكن كافكا نفسه كان ينظر إلى الأمر من زاوية أخرى تماما: فهو نفسه كان ينظرُ إلى أقاصيصه غالبا على أنها “سرديّاتٌ غروتسكية” – وهذا يعني أنّها قالب فني يمزج الغموض بالكوميديا، على غرار الفكاهة السوداء المغرقة في العبثية.
وقد روى معاصروه أن أدباء براغ كانوا يعقدون مجالسهم في المقاهي (مثل مقهى “آركو” الشهير) يتلون نصوصهم بعضهم على بعض. وعندما كان كافكا يتلو أعماله الخاصة، كان يقع أمر يثير الدهشة: إذ إنه سرعان ما كان يسترسل في ضحك عالٍ نابع من أعماقه. فقد كان يرى عبثية شخصياته (مثل البيروقراطيين في رواية القلعة الذين يلقمون الملفات كأنّها حيوانات مفترسة تلتهم طرائدها) مدعاة للضحك والتندر بكل بساطة. لم تكن بغيته كتابة قصص رعب بحتة، بل كان يرمي إلى إبراز الكوميديا العبثية الكامنة في قلب الحياة.
نشأ كافكا في براغ، وهي مدينة كانت اللسان التشيكي هو السائد فيها بشكل أساسي في ذلك الزمان. وكان هو نفسه يملك ناصية اللغة التشيكية ويتحدث بها بطلاقة، لكنه خط مؤلفاته باللغة الألمانيّة. وبينما كان كُتّاب براغ يثقلون كاهل لغتهم بالعديد من النعوت والزخارف الشعرية والمحسنات، سلك كافكا مسلكا مغايرا تماما؛ إذ طور في سنوات شبابه ما يشبه “عُصاب اللغة” (وهو حذر شديد وهوس بالغ في التعامل مع مفردات الكلمات). لقد ضرب صفحا عن كل كلمة فضفاضة غير ضرورية. وصار أسلوبه ناصع الوضوح، محايدا، ودقيقا كأنه ديباجة نص قانوني. وهذا “الزهد” الظاهري في اللغة هو السحر الذي يجعل عمله اليوم عصيا على التقليد. ولكي يقتفي المرء أثره ويقلده، فإنّه يتعين عليه أن يمتلك هذه اليقظة اللغوية الشديدة وحصافة العقل التي جُبل عليها كافكا.
في روايته الشهيرة “القلعة”، يُدعى البطل ببساطة “K.”. وطالما ذهب ظن العديد من القراء إلى أنّ الحرف “K.” يرمز رأسا إلى “كافكا” – أي أن المؤلف قد خطّ ملامح شخصيته بنفسه. لكن الخبير بسيرة كافكا، راينر شتاخ، ينسف وجهة النظر المبسطة هذه قطعيّا ويقول:
“K.، لماذا يُدعى K.؟ لا يمكن أن يعني هذا سوى كافكا – لقد طرقت هذه العبارةُ مسمعي كثيرا، حيث يميل قارئ الرواية إلى استسهال الأمر غاية الاستسهال. لكن بالطبع، لا ينبغي تأويل الأمر على هذا النحو، إذ إنّ كافكا – وهذا دأبه وأمر مألوف جدا بالنسبة له – لا يرسم ملامح أشخاص حقيقيين في رواياته. هو لا يفعل ذلك قط. بل يصف مواقف محددة بالدقة، تلك التي كان يقاسيها هو نفسه ويصارعها في حياته.”
ويشرح شتاخ المعضلة الجوهرية لشخصية “K.” قائلا: إنها تجسيدٌ للتناقض الحاد لدى الإنسان الذي يتوق بملء جوارحه أن يصبح جزءاً من مجتمع ما، لكنه في الوقت ذاته يأبى الخضوع له خضوعا مطلقا. كافكا هو الراوي الذي يقف في مرتبة تعلو فوق الشخصية بكثير. ومَن يربط بين “K.” وكافكا، فإنه يبخس العبقرية الأدبية للمؤلف حقَّها ويقلل من شأنها.
وعلى لوحةٍ تذكارية معلقة في ساحة البلدة القديمة في براغ، سُطر حتى يومنا هذا بشكل رسمي: ألبرت آينشتاين وفرانتس كافكا كانا صديقين. لكن، هذا ليس سوى خطأ تاريخي، وضلالة من جنس ما يُعرف اليوم بـ “الأخبار الزائفة” في مهدها الأول. فقد كان آينشتاين في عام 1911 يحل ضيفا بالفعل في بعض الأحيان على الصالون الأدبي لعائلة فانتا، الذي كان كافكا يتردد عليه كذلك. ومن هذا التواجد العرضي في بقعة واحدة، نسجت الأجيال اللاحقة وأدلاء السياحة قصة صداقة حميمة ومتينة. وفي حقيقة الأمر، ربما لم يتبادل العبقريان سوى كلمات تُعد على أصابع اليد الواحدة. ويضحك راينر شتاخ ملء فمه من هذه المفارقة قائلا:
“يخترع شخصٌ ما حكاية عن كافكا، وينقلها لغيره، فيتلقفها السامع ويحسبها الحقيقة الناصعة وجوهر الأمر الذي لا مرية فيه – وسرعان ما تنقلب الحكاية إلى أسطورة سائدة. لكان كافكا سيقهقه طويلا ويبتسم ملء شدقيه لو تناهى إلى سمعه ما يدور حوله من قصص وشائعات.”
إنّ أحد الفصول التي تحبس الأنفاس وتثير الاهتمام فيما يتعلّق بكافكا هي تلك القوة السياسية المتفجرة الكامنة في أحشاء أعماله. ففي أوروبا الشرقية الواقعة تحت نير الشيوعية بعد الحرب العالمية الثانية، أضحى كافكا من المغضوب عليهم ومُنعت كتبه منعا باتا. وكانت السلطات الحاكمة توجَس خيفة من مؤلفاته. ولِمَ كان ذلك؟ لقد تملكهم الخوف من أن يعقد المواطنون مقارنة بين البيروقراطية الشمولية، كلية القدرة والهيمنة، المعروضة في روايات كافكا، وبين واقعهم المرير خلف الستار الحديدي الشيوعي.
وفي عام 1963، شمر علماء تشيكوسلوفاكيون شجعان عن ساعد الجد ونظموا في قلعة ليبريتسه مؤتمرا دوليا بمناسبة عيد ميلاد كافكا الثمانين – وكان ذلك بمثابة جبهة مقاومة فكرية صلبة. ويُعتبر هذا المؤتمر اليوم بمثابة أوّل شرخ في جدار المنظومة، وهو الذي مهد الطريق وساهم بعد سنوات في تقويض أركان النظام كله وانهياره. وقد هتف أحد المثقفين آنذاك في وجه الدول الاشتراكية قائلا بملء فيه: “امنحوا كافكا التأشيرة أخيرا – ولكن لتكن تأشيرة دائمة تسري في كل الأزمنة والدهور!” ولكن لم يُسمح لأعمال كافكا بالعودة رسميا وظافرة إلى مسقط رأسه براغ إلا في عام 1989، مع تهاوي عروش الشيوعية.
وفاضت روح فرانتس كافكا إلى بارئها في 3 يونيو 1924، قبيل أن يتم عامه الحادي والأربعين، جراء إصابته بسلّ الحنجرة. وفي أواخر أيام حياته التي قضاها بين برلين والنمسا، عثرَ أخيرا برفقة شريكته دورا ديامانت على بغيته التي ظل يصبو إليها طوال كدحه في الحياة: الحرية الكاملة في أن يعيش كاتبا فحسب، ولا شيء غير ذلك.
وتظلُّ الوثيقة الأكثر إثارةً للتعاطف والإعجاب هي رسالته الأخيرة إلى والديه، التي خطّها قبل وفاته بيوم واحد. ففي تلك الأيام، كان المرض قد سلب كافكا القدرة على الكلام بسبب آلام حنجرته المبرحة، ليصبح القلم صوته البديل للتواصل. وتتجلى عظمة إنسانيته في كونه استغل رمقه الأخير ليزيّف الواقع برقة، مُدعياً تحسّن حالته الصحية، في موقفٍ نبيل يفيض بالحب، هدفَ منه إلى طمأنة والديه وحمايتهما من مشقة السفر وعناء الزيارة.
وفي منتصف الصفحة الأخيرة، يتوقف القلم وينقطع خط يده فجأة؛ إذ غلبه النوم مستسلما لإنهاك الجسد العليل أو لمفعول الأدوية والمخدرات القوية. وفي اللحظة ذاتها، امتدت يد شريكته دورا ديامانت لتكمل السطر التالي بخط يدها، كاتبة العبارة التي تختزل المشهد بجلاله: “أخذتُ الرسالة من يده، لقد كان ما فعله إنجازا على أي حال”.
إنها السطور الأخيرة في حياة ساحر براغ؛ كلمات لا تعكس سوداوية أو انطواء، بل تنبض في رمقها الأخير بروح إنسانٍ كان أكثر دفئا، ونبلا، وثراء في جوانب شخصيته مما ترويه عنه أسطورة العالم المظلمة حتّى يومنا هذا.
*****
خاص بأوكسجين

