إلى ذكرى محمود عبد الوهاب
استقبلت هذا المساء كضيف ثقيل. أتمنى لو يغادر الآن.
من السهل افتعال حوار لفظي محتد، والتصرف بنذالة مع ضيفٍ بشري وجعله يغادر، لكن هذا لا ينفع مع ليلٍ بليدٍ أصلاً. سأُلغِي وجوده بافتعال اهتمامات أخرى تُبدّد الوقت في “منهولات” العدمية.
حسناً، لنبدأ بقهوة تركية، وخنق كتاب بين الكفين، واستنطاقه عن ما بداخله.
هل جرّبت القراءة من ملفات PDF المقرصنة؟
كاتب يشقّ روحه بين سطور كتاب، حتى إذا أتمّ صفحاته، جاء ناسخ رقميّ وحوّله إلى “سبيل” على مواقع التحميل.
قد يطلب منك تعليقاً سخيفاً أو ملصقاً مقابلاً، استسهال آخر في حياةٍ معقّدة ومركبة.
لذلك، أقسمتُ بـ”غوغل” ربّ الأرباب الرقميّ العظيم — القريب من بعل، وآشور، ومردوخ، وآمون، ويهوه، على ألا أقرأ مقرصنات.
جميل هذا التوصيف، يحيلني إلى “مُقرنصات” شوارع العراق بعد 2003، التي كلفت ملايين الدولارات ثم تآكلت مع أول زخة مطر كـ”حلوى شَكر لمى”.
هدرٌ ماديّ آخر يشبه مجاري أعمارنا في بالوعة كبرى اسمها العراق.
بعد مراسيم القهوة، التي انتهت باردة إلى منتصف الكوب، سأستمتع يوتوبياً بمقطع فيديو ما.
قررتُ من دون أن أحدد.
دع فوضى الفيديوهات المقترحة تختار.
يُقال إن ما يُقترح لكل مستخدم يخضع لقراءات سيكولوجية دقيقة.
يُرغَمُ المشاهد بنعومة على متابعة المحتوى، وأرفض الإكراه، ولو بنعومة.
ربما الأمر خاضع لمصفوفات حسابية تتحسس رغباتنا قبل أن نرغب أصلاً.
قرأتُ مرة أنك تحتاج 200 سنة لمشاهدة كل محتوى يوتيوب، بافتراض عدم إضافة شيء جديد.
أيّ “هارد” خزن كل هذا؟ لو ظهر يوتيوب قديماً، لعبد في الشرق!
لأستمع إلى ويتني هيوستن، إنها المفضلة لدي. في يوم وفاتها لم أذهب إلى العمل، احترامًا لصوتها، ذاك الذي يتطاير منه دخان المراكب فجراً، وهي تُصلّي بأرواح أسلافها من العبيد في “العالم الجديد”.صوتها اللافح يستهلك روحها في كل صعودٍ على المسرح.
تلتقي ويتني مع المغنية البصرية (ربيعة)، المشتعلة سُمرةً وبُحة. لا يهم التوزيع الجغرافي، سواء “بيفرلي هيلز” أو “الحيّانية”، كاليفورنيا أو البصرة. كلاهما روح أفريقية حرّة في غير ترابها.
ربيعة البصراوية، رحلت دراماتيكياُ أيضاً.
موتٌ غير مبرر لكليهما، إن كان هناك مَن يُبرر الموت ببيان وفاة رسمي.
أعتقد أنه سيكون منطقيًا لو كتبنا: “سبب الوفاة: الحياة نفسها”.
الروح الجامحة تغادر مبكراً إذا لم يسعها الجسد.
لماذا تسيطر ثيمة الموت هذه الليلة؟
يهاتفني محمود،
تتوقف ويتني عن أداء “I Have Nothing” للحظة، انتظاراً لانتهاء المكالمة.
- نعم، أعرف… سأحاول النوم. متوتر قليلاً، أنت تعرف.
- …
– ليس هكذا، سأُدبّر الأمر، اطمئن. لن يحدث أسوأ مما نحن فيه الآن. خليها على الله.
- …
– محمود… أنا تعبت، وبكرا سأنهي الموضوع. تصبح على خير.
أنهيت حديثي مع مشرفي التربوي وصديقي محمود عبد الوهاب، وعدتُ لنفسي.
أعود فعلًا إلى “I Have Nothing”… وأنا لا شيء.
حين تُهدد كمدرّس إما أن ينجح أحد تلاميذك، أو…
فمن يرغمك على هذا، قادرٌ أيضًا أن “ينكحك” في ساحة المدرسة أمام طلابك وقت تحية العلم.
نفس المبدأ.
عندما تنحني مرة، يركبك الجميع.
أي تزويق آخر هو تبريرٌ للتنازل بدافع الخوف، الذي نُعيد تسميته بـ”توخي الحذر” أو “السلامة”.
قل: لا. فقط لا.
حرفان: لام، ألف.
قلها.
ستكون باهظة الثمن، لكنها كفارة الشجاعة.
خسارة ومكسب.
فقدان وامتلاك.
موت وحياة في ثانية واحدة.
لماذا لا أُبدّد الوقت بالرسم مثلًا؟
بقلم الفحم، على شراشفي خربشات قلقة.
أبدعتُ تلك الليلة سكتشات مذهلة.
صوّرت نفسي أسير على فوهة مسدس مزود بكاتم، حولي قرود تتقافز، يصفع أحدها الآخر، وفوقهم مشهد رهيب لرأس ينصهر، مخلفاً دخاناً، كلما ارتفع، استحال إلى أفاعٍ تلتهم أصابع مقطوعة، تنزف للأعلى، متحدية الجاذبية.
انتهيتُ من ذلك بشعور محكوم بالإعدام.
تساءلت: لماذا نخشَى كلمة “إعدام”؟
وكأنها أقسى ما يمكن أن يحدث!
كل من غادر رحم أمه إلى سجن الحياة، محكومٌ بالإعدام.
بعد ثانية… أو بعد قرن.
الإعدام الحقيقي هو الترقب.
سنموت حتماً…
ربما بعطسة.
ربما خلال إغفاءة.
لن أموت بالتجزئة.
الحياة صراع إرادات.
تحكُّم عن بُعد بالخوف أو بالترغيب.
لن أسمح لشجر القلق أن ينمو أكثر.
الآن وقد قررتُ ما سأفعله غداً، سأنام بضمير طفل غير ملوث.
لن أكون “الدجاجة” في لعبة الموت هذه.
………………
يتطوع شابٌ مفتول لكسر الباب.
يتجمهر الجيران وقد كمموا أنوفهم بأكفهم.
فوضى وشرطة.
أهمّ بالنهوض.
أكلمهم:
– شنو الموضوع؟ يا ناس؟
يعبثون بالأثاث.
رأيتُ أحدهم يحمل حقيبتي ويفرغها على الأرض.
ضجيج، أصوات تتكاثر.
أصرخ بهم:
– اخرجوا جميعًا! من سمح لكم؟ كلكم اطلعوا برا!
لا أحد ينتبه لي.
هل فقدوا السمع؟ معقولة كلهم مرة وحدة؟
الأيادي تعبث بكل ركن.
– بيتي يا ناس!
الشرطة موجودة ولا تمنع أحداً.
لو أقدر أقوم… جسدي خدران، منمّل، وخفيف.
كأني نفّاخة تعوم بين أكفّ صبية صغار.
أستسلم لنوم مريح، وعيني على دفتر درجات الطلاب قرب وسادتي.
*****
خاص بأوكسجين

