حين استسلم الشهيد غسان كنفاني أمام عاطفته، حين لم يعد يفهمها أو يفهم نفسه، وألمَّ به إعياءٌ غريب ولوثةٌ في الدماغ وتقصيرٌ في الإدراك وهزّةٌ في الوعي، كتب إلى أخته فائزة.
المطّلع على تاريخ رسائل كنفاني إلى غادة يعرف أنه ترك لها في شهر نوفمبر من سنة 1966 ثلاث رسائل، الأولى بلا تاريخ، أما الثانيتان فواحدة من القاهرة والأخرى من غزة، في آخر الشهر، بفارق أيامٍ بينهما. الرسالة التي تجيء بعد ذلك تاريخها 20 / 1 / 1967. في هذا الفراغ الزمنيّ الفاصل ما بين نوفمبر ويناير ثمة رسالة تركها إلى أخته فائزة. تاريخها 27 / 12 / 1966 (بفارق شهر عن الرسالة الثالثة التي تركها لغادة). توجد جملة في الرسالة هذه إلى فائزة تكشف عن سبب غسان الرئيسيّ لحبّه غادة وولعه وولهه بها، يقول: «ويبدو أنني أحاول أن أستبدل الوطن بالمرأة، أعرفتِ في عمرك كلّه ما هو أبشع من هذه الصفقة وأكثر منها استحالة؟ ولكن هذا ما حدث وأستطيع أن أكشفه بوضوح الآن كأنّ كلّ ما حدث لم يكن إلا اقتياداً أعمى إلى هذه النهاية».
الذي يرجع إلى غسان في بيروت سنة 1961 يعرف لماذا تزوج من آني بعد عشرة أيام من لقائه بها وحماسه تجاهها وتجاه المخيمات: ألهبه أنّ امرأةً بعيدة، قادمة من الدنمارك، عندها مثل هذا الصدق في حبّها للمخيمات، دون استعلاء. امرأة بيضاء تخالف كل مفاهيم غسان عن الجغرافيا، وتقوّض وجهة نظره عن العالم، في ذلك الحين.
هذه المرة تحققت الصفقة، بدا أنها تحققت في حياته، الوطن هو المرأة، وما دام قد استقرّ مع المرأة – الوطن – فبوسعه الآن بالفعل، بعد أن اطمأنّ إلى أنّ قلبه عاد ينبض (لا الحب، بل الطمأنينة) أن ينشغل بالقضية. من هنا يمكننا أن نفهم أنّ السنة التالية لهذا الحدث في حياته توصف بأنها بداية لما نسمّيه في حياته: عاطفة الكتابة الكاملة. ولكنه سوف يهرب من هذا الفرار نفسه، فيما بعد.
سنة 1966 نبض قلبه مجدداً، ترك ثلاث رسائل لغادة ثم عاد إلى أخته فائزة يشكو لها، وفي رسالته لفائزة يخبرها صراحةً لماذا تزوّج آني: «كنتُ أخترع ملجأ. لقد جاءت آني حين كنتُ شرعت، مختاراً ومرغماً، في الانزلاق على هضبة الوحل المغرية والجذابة. جاءت آني ذلك اليوم مثلما تجيء رسالة البشرى من مكانٍ قصيّ مجهول فجعلتها ملجأي للفرار في واحدة من ومضات النبوّة التي تبرق في ضمير كلّ إنسان على ظهر هذه الأرض. أقول لكِ: كانت فراراً». ليس الذي يجمع غسان بآني هو الحب، بل شيء آخر، يجعله يقدّم حياته من أجلها. ثم جاءت غادة. هكذا يقول لفائزة. جاءت؟ لا. عادت هي الكلمة الأصح، لأنها «كانت موجودة دائماً في أعماقي».
أثناء كتابته رسالته إلى فائزة، كان قد مرّ على تصريحه لغادة بحبه لها سبعة شهور: «عمري الآن سبعة شهور».
تنقسم رسالة غسان إلى فائزة إلى رسالتين، واحدة في يوم 27 وأخرى في يوم 28، بعد أن اتصلت غادة به. طيلة ليلة 27 كان غسان ينتظر اتصالاً منها، ولهذا كتب لفائزة، لهذا، بالأصح، عاد إلى فائزة، أخته وملجأه. حين كتب الرسالة في الليل كان يبعد عن غادة خطوات، سيارته إلى جانب سيارتها، وهو في المقهى يترقب ويتربص. يمر من أمام بيتها في “الروشة”، وينسى الإبرة التي يجب أن يأخذها من أجل مرضه السكري الذي تحول إلى النقرس فيما بعد.
مع غادة لم يخترع غسان ملجأ، بل هاوية. وربّما أحبّ ذلك – على عذاباته – لأنه يذكّره بالإنسانيّ فيه، بذلك الجانب الضعيف المخفيّ الذي لا يراه الناس، برجفة القلب، والغضب من الذل، ذل العاطفة، والغيرة، التي لم يحسّها ويتلظى بنيرانها من قبل. كان يحبّ ذلك لأنه يذكّره أنه إنسان، وأنّ عاطفة الكتابة الكاملة من أجل فلسطين، يمكن أن تترافق مع عاطفة كتابة لامرأة.
مع 1966، أي بداية حبّه لغادة، كان قد مر على غسان في بيروت سنوات قليلة أنجز خلالها ربع أعماله في كل الأصناف: الدراسات والقصص، والروايات والسياسة والصحافة. وكان المتحدث باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والإنسان الذي يمرّ على المخيمات فيلتقط عباقرتها: ناجي العلي، أو يمرّ على الجرائد فيلتقط شعراءها: محمود درويش. وكان، خلال السنوات الست هذه، قد تحوّل من إنسانٍ إلى صوت، إلى حدِّ إنكار حياته. حُصِر بدوره الاجتماعي: الزوج والأب، من ثم السياسي: المتحدّث باسم الجبهة، فالأخلاقي والمهني: الكاتب الفلسطيني، والإنساني: جريح المخيمات واللجوء.
العاطفة فقط، أن يحبّ امرأة يكتشف أنه ضعيفٌ أمامها، بل ويحبّ ضعفه لأنه نقيض كل أدواره الأخرى، هو الذي كان مفقوداً، من أجل ذلك تمسّك بغادة. غادة ليست معادلة: الوطن – المرأة، على الإطلاق. إنها الجانب الهش، النقطة العمياء، والمتحوّلات من الثوابت. ولقد أحبّها لأنها على هذا النحو تحديداً، وليست أيّ شيء آخر. أحبّها لأنها عذابٌ مختلف عن كل عذاباته، هي عذاب العاطفة الملتهبة، العمياء، عذاب التحوّلات. لأنها تكشف الإنسانيّ البعيد عن كلّ الأدوار الوطنيّة: لا يشبه هذا العذاب الذي تسبّبه غادة العذاب الذي يسبّبه الطفل في حكاية “كعك على الرصيف”، ولا العذاب الذي تسببه أم سعد، ولا العذاب الذي تسببه السرديات الصهيونية، ولا العذاب الذي تسببه المقالات بأسماء مستعارة، ولا العذاب الذي يسببه ثلاثة رجال ماتوا في خزان ولم يدقوا جدرانه.
انطلق الكفاح المسلح عام 1965، قبل سنة من حبّ غسان ونبض قلبه الجديد. كان الرجل ينتظر السلاح منذ سنة 1948، ويدعو إليه، ويهرب من عار الفرار حين رأى الرجال يسلّمون البنادق. بعد سبعة عشر عاماً، يرى السلاح مجدداً.
هذا الحدث المجلجل في حياته، الذي انتظره طويلاً، حطّم لا استقراره السياسي فحسب، بل والحياتي. كان قد مضى على زواجه من آني أربع سنوات، وآني هي المخيم في طوره الأولي: طور ما قبل السلاح، طور المعونات، وعلب الأغذية، وأكياس الطحين. وحين أطلّ السلاح، كان شيءٌ ما يُستعاد في حياة غسان، شيءٌ قديم يتذكره، ذاك الفرار من العار… إنّ السلاح يعود، وينبغي معه أن يحطّم كلّ ما كان شاهداً على عار حياته.
مع السلاح، سوف يتفجّر شيءٌ داخله، لقد أحسّ أنه أنجز دورته الحزينة: دورة القلم، وأنجز دورة المتكلّم والناطق الرسمي، وأنجز دورة الرحّال إلى المعسكرات في العالم.
رأى غسان في اللجوء كابوساً، كان يحن إلى فلسطين الثلاثينيات، وكان يكره الهدوء والطمأنينة. مع السلاح، استعجل غسان العودة، وقد أعاد السلاح خلقه إنساناً.
حين كان محمد دكروب يمازح غسان بسبب عجلته فيقول له: «مستعجل كتير يا غسان»، يرد: «الزمن لا ينتظر». مع السلاح، هو نفسه لم يعد بوسعه الانتظار. وقال غسان في منتصف السيتينات لنواف أبو الهيجا: «علينا أن نستعيد كرامتنا».
ربما، بسبب ذلك أتاح لنفسه أن يقع في الحب، ليس أيّ حب، بل حب مدمِّر، مذل. ربما أوقع نفسه فيه عنوةً كي يذكّر نفسه أيضاً: «علينا أن نستعيد كرامتنا». لقد شُهِرت البنادق، ومع ذلك لم يعد بعد إلى وطنه، وما يزال هناك، في المخيم، حيث المجاز الكامل الذي قرأ فيه غسان العار الحقيقي، وآني تذكّره بالمخيم. وكان يقول للدكتور إحسان عباس: «لا يليق الهدوء بحالتنا». ويبدو أنّ هدوءاً ما قد ألمّ به، في تلك الفترة الممتدة بين 1961 حتى إشهار السلاح في 1965، ويبدو أنّ هدوءاً آخر قد أعياه عند إشهار السلاح تحديداً، لأنه طمأنه، وكان يكره الطمأنينة. ما الذي يدمِّرها؟ عذاب الحب.
لهذا سمح لنفسه أن يحبّ، وأن يتعذّب. لقد شُهِرَت البنادق، وما بقي إلا الانتظار، من أجل استعادة الكرامة، وحذف عار المخيم. ولكن ثمة طمأنينة، طمأنينة لا يمكن لرجل مثله أن يشعر، غير مسموح للفلسطيني أن يحسّها، سيما إن كان غسان كنفاني. إذن، ما الذي يعيده إلى كينونته القلِقة غير عذاب الحب؟
*****
خاص بأوكسجين

