أستعيدُ اللحظة التي قرأتُ فيها أنّ عودَ كبريتٍ محترقاً من هيروشيما حُفِظ خلف زجاجٍ مضادٍّ للأشعّة. لم يكن الخبر جديداً، لكنّه رسخ في جسدي مثل نسمةٍ باردة: إذا أمكن وضع الجمر في صندوقٍ محكم، فلعلّ الذاكرة تستطيع أن تُقفل على نفسها لحظةَ الحاجة.
في مقابلةٍ قديمة قال آلان رينيه وهو يشرح لقطةً حذفها من فيلمه: الصّدق ليس في جمع الرماد، بل في الاعتراف بأنّنا لن نُحصيه أبداً، بمعنى آخر لا يكفي إغلاق الخزانة؛ يجب الاعتراف بما يتسرّب منها.
أفهم الآن أن عين الكاميرا تتعلّم الانصياع لما لا يُمسَك.
أعود إلى اللقطة المتروكة في النسخة النهائيّة. تتوقّف الكاميرا على جسدين ملتحمين يغطيهما الرماد اللامع
وتأتي الجملة بلا تمهيد:
“رأيت هيروشيما
أنتِ لم تَرَي شيئا”ً.
ست كلماتٍ تُطفئ رائحةَ الخطابة. أضعها تحت ضوءٍ ثابت وأختبر انتقالها إلى مدينةٍ أخرى:
- رأيتُ غزّة.
- لم تَرَ غزّة.
الفراغات بين السطور تُذكّرني بوصيّة مارغريت دوراس: “الكتابة تأتي كالريح، عاريةً، مصنوعةً من حبر”. أحاول جاهدة أن أترك الريح تسير في النصّ بلا عوائق.
في شريطٍ وثائقيّ قديم، يتحدّث رجلٌ يابانيّ ببطءٍ عن “دخانٍ ورديّ” صعد من الأرض. أراه يتوقّف بين كلمةٍ وأخرى، كمن يضع إصبعه على نبضٍ غامض. يُحافظ المترجم على العبارة كما هي؛ وحدها الترجمة جعلت اللون حقيقةً يمكن الركون إليها. منذ تلك اللحظة، صار “الدخان الورديّ” في هيروشيما حملاً إضافيّاً على اللغة: إثباتٌ شحيح لِما ينجو من الشرح.
في بث ليليّ عن غزّة. في لقطةٍ مهزوزة، يقول رجلٌ إنّ الفوسفور يُضيء البحر “كأنّه سماء عيد ميلاد”. أصغي إلى الصمت الذي يلي العبارة، فأشعر بأنّ السماء تحاول العثور على مفردةٍ أدقّ، لكن الذراعَ قصيرة. أتذكّر هامشاً كتبه رينيه بيده اليسرى: الصورة التي تُتمّ جملتها تُعطِّل السامعَ عن التفكير”. ربما لذلك يقطع رينيه اللقطة قبل أن تُغري العين بالرسوّ، ويُبقي موسيقى بالكاد تُسمَع حتى لا تنام الحواسّ في حضن التأويل السهل!
أجرّب تمريناً صغيراً: أكتب “حطام العمارة “لوصف بيتٍ مهدوم. بعد ساعةٍ أضع خطّاً رفيعاً فوق العبارة. ليس حطام، وليس عمارة ما دامت الأواني في المجلى غائبة وتفاصيل الملابس في الخزائن والصرخات تبقى الكلمة الدقيقة غائبة، لكنها تترك مكاناً لصورةٍ أوضح. في هوامش القاموس تعريفاتٌ براقة، إلا أنّها تتناثَر إذا لامستها مطرقةُ الواقع
أسمع همساً داخليّاً يسأل: كيف تُصوَّر مدينةٌ لكي لا تُشاهَد مرّةً واحدة فقط؟ وكيف تُكتب غزّة بلا استعارة؟
أُطفئ الشاشة، فألمح على الطاولة عودَ كبريتٍ محترقاً. ألتقطه بملقط، وأعيده إلى جيبي، جوار بطاقة متحفٍ باهتة. أعرف أنّ قارئاً دقيقاً سيذكر تكرار الرماد، وسيشكّك آخر في وضوح الرمز. لكنّي لا أطارد نظاماً للرماد، بل أذكّر نفسي بأنّه يُولد من جديد كلّما ظننّاه استقرّ
كل ما في المشهد يدفعني لأتذكّر قول محمود درويش بأنّ «الجروح صارت معارض للسياح». أتلقّى العبارةَ كإرشادٍ طبّي: اغسل يديك بعد لمس الزجاج الأملس، فالشظايا الصغيرة تختبئ تحت الإضاءة الشديدة. أُسدِل كُمّي على المعصم، وأستعيد نصيحةَ طبيبٍ يابانيّ بعد الحرب: «اترك ندبةً ظاهرةً لتذكّر الجسد بالتئامه الدائم». الكلمات العلميّة يمكن أن تصير راهبةً حين تخلع معطفها الأبيض
سوزان سونتاغ لم تحب دور الراهبات في مقالة لها في “ضدّ التأويل”، ترى في رماد العاشقَين “مكياجاً شعريّاً” يُجمّل الفظاعة، وفي القطع الإهليلجي تمريناً جميلاً يفصل الجسد عن الألم. يردّ رينيه: “من يرى الجحيم دفعةً واحدة يُغمِض عينيه؛ أُفضِّل جمرةً صغيرة تُلهِب على مهل..
أجدني أميلُ إلى جمرةٍ تحفظ يقظتي.
اسمعه حوارهما
وعلى خلفيته ينبت حوار آخر في روحي:
- رأيتُ غزّة.
- لم تَرِ غزّة.
- كنتُ هناك حين أُطفئَت الكهرباء، ورأيتُ الأكوابَ في المجلى تلمع لأن أحداً لم يملك ماءً يغسلها به.
- لم تَرِ غزّة.
- رأيتُ السمكَ يُسلَّم البحرَ إلى اليابسة، ورأيتُ طفلاً يعتذر للسمكة لأن الرمل ليس بيتاً.
- لم تَرِ غزّة.
- دوّنتُ عدد الانفجارات في دفترٍ صغير، ثم لم أعرف أين أضع آخر سطرٍ لأن الليل أطول من الصفحات.
- لم تَرِ غزّة.
- تذكّرتُ درسَ الأحياء: الخلية تنقسم لتعيش. هناك انقسم البيتُ إلى بيتَين، ثم إلى أنقاض، ثم إلى حجارةٍ تعرف أسماءَ أطفالها.
- لم تَرِ غزّة.
- وضعتُ صورةً في جيبي لعلّني أشرح بها ما رأيتُ، فاكتشفتُ أنّ الصورة تشغل حيّزاً أكثر من الحكاية.
لم تَرِ غزّة.
لم تَرِ غزّة.
لم تَرِ غزّة.
لم تَرِ غزّة.
*****
خاص بأوكسجين

