مِن الأوّل..
مِن الأوّل يا أبا صالح. أقفُ أمامك الآن كما وقف خليل أمام يونس في “باب الشمس”، أستعيرُ نبرته، أستلفُ طريقته في الترميم بالكلمات. لكنك لستَ راقداً في غيبوبة بمستشفى “مار يوسف”، أنتَ راقدٌ في صمت رحيلك المهيب في ديسمبر 2025، والغرفةُ هنا ليست سوى الذاكرة الجماعية التي تحاولُ، بذهول، أن تستوعبَ فداحة غيابك. الحكاية يا محمد ليست في ضجيج مَن صفّقوا، بل في ذلك الصمت الكثيف الذي تلا العرض، في تلك المسافة القلقة بين “أكشن” و”كات”، حيث كنتَ تضيعُ أنتَ.. وتنمو فيك البلاد..
مِن الأوّل..
قل لي كيف أكتبُ عنك دون أن أُنقذك؟ دون أن أحوّلك إلى تمثالٍ رخاميّ يحرس الذاكرة، أو إلى اسمٍ يُستدعى قسراً حين نحتاج أن نثبت شيئاً لأنفسنا. دلني كيف أقتربُ من صوتك كما يقتربُ المرء من نافذة مفتوحة في بيت ليس بيته؛ لا يشعر بالحاجة لمسح زجاجها أو تلميعه، بل يكتفي باستنشاق الهواء الذي يعبر منها.
مِن الأوّل..
لم أكن دائماً أحبّك بهذه الطريقة، كانت هناك لحظاتٌ غضبتُ فيها منك، لحظاتٌ شعرتُ فيها أنك تذهبُ بعيداً في “يقينك”، واليقينُ، كما تعلم، مريحٌ أخلاقياً لكنه قاسٍ على الفن؛ الفنُّ الحقيقي يعيش في المنطقة الرمادية، في تلك المسافة المرتعشة بين ما نعرفه وما نخشاه.
مِن الأوّل..
كان وجهك هو الكادر، وتضاريسك هي الرواية. التاريخُ في حالتك ليس كتباً مغبّرة، بل هو ذلك القميص الأبيض الذي ارتديته بصلابة في قاعات المحاكم.
مِن الأوّل..
حين أمسكتَ بالكاميرا، تغيرت اللعبة؛ لم تعد المسألة تمثيلاً، بل صارت شهادةً وتوثيقاً.
مِن الأوّل..
كنت تقول: “أنا لست بطلاً، أنا فقط رجل رفض أن يكذب”. وربما هذا كل ما كان مطلوباً منك في هذه البلاد: أن ترفض أن تكذب، مِن الأوّل وحتى المشهد الأخير.
*****
خاص بأوكسيجن

